|
 |
|
د. محمد نبيل غنايم |
في هذا
اللقاء يحدثنا الدكتور محمد نبيل غنايم أستاذ الشريعة الإسلامية
بكلية دار العلوم جامعة القاهرة عن مسيرته مع العلم الشرعي، ورحلته
في دار العلوم، كما يحدثنا عن آرائه في بعض القضايا، مثل موقف طلاب
وباحثي العلم الشرعي إزاء ثورة المعلومات، ورأيه في الخطاب الديني
الذي يقدم عبر القنوات الفضائيات...
-
أثر القرآن في نفسي لا يقارن بأي أثر آخر .
-
نوصي الدعاة الشباب دائمًا وأبدًا بالقراءة والاطلاع.
-
البرامج الدينية التي يقدمها غير المختصين فيها بلبلة وتتويه.
-
ثورة المعلومات سلاح ذو حدين.
-
نهيب بالدارسين أن يهتموا بالمصادر والمراجع الأصيلة.
-
نبكي بكاء مرًا على ما يحدث في معاهد ومدارس اليوم.
· نريد
إطلالة من فضيلتكم على مرحلة النشأة والطفولة والصبا ..
- ولدت في
مدينة أبي كبير بمحافظة الشرقية سنة 1940م ونشأت في أسرة تعمل
بالفلاحة فقد كان والدي رحمه الله مزارعًا، وكنت أصغر إخوتي. كان
والدي يحفظ القرآن الكريم وكان يتطلع للدراسة في الأزهر الشريف غير
أنه لم يتمكن من ذلك فحاول جاهدًا أن يعلم أولاده القرآن الكريم
وأن يلحقهم بالأزهر لكنه لم يتمكن من ذلك أيضا إلا في المولود
الأخير وهو أنا، وذلك بسبب حاجته لمن يعاونه في أعمال الزراعة،
فأفرغ كل طاقته وإمكاناته في تعليمي ومتابعتي، ونظرًا لأنه كان
يحفظ القرآن فقد كان يراجع معي كل ما كنت أحفظه في الكتاتيب. وقد
أتممت حفظ كتاب الله قبل أن أبلغ الثانية عشرةا. في سنة 1951
التحقت بمعهد الزقازيق الديني
الذي يبعد
عن أبي كبير بحوالي 20 كم، حيث سكنت في سكن خاص مع بعض الزملاء،
وبذلك بدأت دراستي الأزهرية وانتظمت فيها وبحمد الله تعالى وتوفيقه
قطعت شوطًا كبيرًا حتى أتممت الدراسة الابتدائية ثم حصلت على
الثانوية الأزهرية سنة 1960 .
· ما
الذي يعلق بالذاكرة من هذه المرحلة من مواقف أو شخصيات؟
- يعلق
بالذاكرة من هذه المرحلة الكثير من المتاعب التي صادفتها في حفظ
القرآن الكريم ومراجعته فقد كان والدي شديدًا علي كل الشدة بحكم
حرصه الشديد على نجاحي، كما كنت أبذل مجهودًا كبيرا في رعي الغنم
ورعاية حيواناتنا، كما أن انتقالي إلى الغربة كان أمرًا صعبًٍا في
مثل هذه السن الصغيرة، إضافة إلى مرور مصر في هذه الفترة بمخاض
الثورة حيث كانت الإضرابات والعنف يسود المدارس وقد تعطل الدراسة
لأسابيع .. يعلق بذهني أيضًا من هذه المرحلة ما عانيته من زملاء
السكن الكبار الذين كانوا يكلفونني باعتباري صغيرًا بشراء الحاجات
الخاصة من طعام ونحو ذلك من متطلبات، أما الأساتذة فقد كانوا على
مستوى عال جدًا من الناحية الخلقية والعلمية، فكانوا يعاملوننا
معاملة الأبناء بالفعل، وكان الانضباط في الدراسة وتحصيلها على أشد
ما يكون حضورًا والتزامًا، وذلك بصورة تجعلنا نبكي بكاء مرًا على
ما يحدث في المعاهد والمدراس هذه الأيام .
· كيف
كان يفكر وكيف كان يشعر هذا الصبي في هذه السن؟
- كنا بحمد
الله تعالى وتوفيقه ننظر إلى المستقبل ونتطلع إلى النجاح؛ لأننا لم
نغترب لفسحة إنما اغتربنا لنحقق أهداف والدينا الذين كانوا يعانون
معاناة كبرى هم وأبناؤهم في سبيل الإنفاق على تعليمنا، ما كان
يدفعنا إلى بذل أقصى الجهد في تحصيل العلم وتحقيق النجاح لدرجة
أننا كنا نحفظ العلوم حفظا عملاً بمقولة: من حفظ المتون حاز الفهوم،
فكنا نحفظ الدروس التي ربما لا نفهم بعضها.
· حفظتم
القرآن الكريم في سن مبكرة ، فما هو أثر القرآن في شخصيتكم من
الناحية النفسية والعقلية ؟
- أثر
القرآن الكريم لا يقارن ولا يضارع بأي أثر آخر.. أثره مطلق وأثره
كامل وأثره واضح حتى هذه اللحظة.. أثر كلي في جميع المجالات. إذا
أردت أن تعرف شيئا فعليك بالقرآن، وإذا أردت أن تستفيد خلقًا فعليك
بالقرآن، وإذا أردت أن تحيي أو تقيم علاقة طيبة فعليك بالقرآن،
وإذا أردت أن تتحدث فعليك بالقرآن وإذا وإذا ... إلخ القرآن كما
قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم
ما بينكم لا يشبع منه العلماء ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة
الرد. فأثر القرآن الكريم في الماضي والحاضر والمستقبل أثر لا شك
فيه .
· ما
الدافع وراء حبكم وتفوقكم في دراسة العلوم الشرعية؟
- حبي
للعلوم الشرعية كان معي منذ بداية الدراسة في الأزهر الشريف، كما
أن دراسة الفقه الإسلامي على مدى تسع سنوات وقراءة كتب مثل:
الهداية لابن قاسم في الفقه الشافعي، والإقناع في حل ألفاظ أبي
شجاع ومتن الغاية والتقريب في المرحلة الثانوية ، جعلتني أزداد
حبًا للشريعة وعلومها، وبخاصة أنني كنت أتعرض للإفتاء والدروس
الدينية ولأسئلة الأميين والعوام من الناس بحكم كوني فتى أزهريًا
أرتدي العمامة والكاكولة (لفظ يطلق في مصر على العباءة التي
يرتديها الإمام) وأرتاد المساجد، ما دفعني إلى ضرورة الحرص على
العلوم الشرعية، بل إنني تعرضت لخطبة الجمعة عندما كنت في الصف
الثالث الابتدائي ولما أتجاوز الرابعة عشرة، كما كنت ألقي دروسًا
دينية عقب صلاة العشاء وقبل صلاة التراويح في رمضان بمسجد الحي
الذي نقطنه.. كل هذه الأمور دفعتني إلى المزيد من الحرص على العلوم
الشرعية، وجعلت منا علماء صغارا إن صح هذا التعبير، الأمر الذي
تحقق بالتحاقي بكلية دار العلوم ثم بقسم الشريعة الإسلامية
بالدراسات العليا، يضاف إلى ذلك أنني وضعت نصب عيني قول الرسول صلى
الله عليه وسلم: " من أراد الدنيا فعليه بالعلم ومن أراد الآخرة
فعليه بالعلم ومن أرادهما معًا فعليه بالعلم"، والمقصود هنا بالعلم
العلم الشرعي، فإن كنت أريد مالاً فالعلم الشرعي سيقدم لي المال
وإن كنت أريد ثوابًا أخرويًا فالعلم الشرعي سيقدم لي الثواب
الأخروي، وإن كنت أريدهما معًا فالعلم الشرعي سيحقق لي ذلك، وقد
كان بحمد الله تعالى وتوفيقه فنلنا بسبب دراسة علوم الشريعة
والتفوق فيها كل ما كنا نصبو إليه في الماضي.
· لا
شك أن ممارسة الدعوة في هذه السن المبكرة أصقلت شخصيتكم..
- بالتأكيد
فقد أكسبتني خبرة واسعة من حيث الأرضية العلمية؛ لأن الخطبة
المبكرة والدروس كانت تحتاج إلى قراءة مستمرة وتجديد، الأمر الذي
ساعدني في إعداد رسالة الماجستير ثم الدكتوراه ثم في الانطلاق نحو
الإذاعة والتلفزيون؛ فأنا بمجرد حصولي على الدكتوراه عُرضت علي
أحاديث إذاعية وتلفزيونية لم أتردد في قبولها ولم أكن أخشى شيئا من
ورائها، وبحمد الله تعالى وتوفيقه أثبتت نجاحًا وتفوقًا في كل
الإذاعات والتلفزيونات العربية.
· هلا
حدثتمونا عن مثلكم الأعلى في مرحلة الطلب أو شخصيات كان لها أثر
بارز في شخصكم؟
- من
الطبيعي أن يكون لأساتذة المراحل الأولى أثر في تكوين الطموح
والاستمرار، كما هو تأثير أساتذتنا الذين أشرفوا علينا في رسائل
الماجستير والدكتوراه.. فمنذ نعومة أظفاري وفي فترة حفظ القرآن
الكريم كان مثلي هو الشيخ الذي يُحفظني، وقبل الالتحاق بالمعهد كان
لي قريب يسبقني في التعليم الأزهري بحوالي عشر سنوات، كان يساعدني
للاستعداد للالتحاق بالمعهد، فكانت أمنيتي أن أكون مثله أخطب
الجمعة وأرتدي الزي الأزهري وألتحق بكلية اللغة العربية ونحو ذلك
من الأمور، لكنني لما كبرت تعرفت على أساتذة مرحلتي الابتدائية
والثانوية، الذين كان لهم أيضًا تأثير كبير في تكوني النفسي
والعلمي، منهم علماء في النحو وفي الحديث وفي التفسير بل علماء
أيضًا في الحساب والهندسة، أذكر منهم أستاذ الحساب والجبر والهندسة
الأستاذ جميل المسلمي رحمه الله الذي كان من أكبر وأعز الشخصيات
عندي بينما في المرحلة الثانوية كان أكثر ما أثر في - أساتذة الفقه
وأساتذة التفسير وأساتذة الحديث، وذلك بسبب ميلي الأكبر للعلوم
الشرعية .
· ما
هو سبب اختياركم الالتحاق بكلية دار العلوم ؟
- لم أكن
أعرف شيئا عن دار العلوم، وسبب اختياري لها هو قريبي الذي تخرج في
كلية اللغة العربية وأصبح ذا منزلة ومكانة في المجتمع، فقد كان كل
همي أن أكون طالبًا بكلية اللغة العربية مثله،
غير أنه
وجهني إلى دار العلوم باعتبارها أكثر نظامًا وأكثر حداثة وأكثر
أضواء وإشراقا ولأنها جمعت بين الأصالة والمعاصرة، ما دفعني من حيث
لا أدري إليها، حيث وجدت ما قال من تفتح وأصالة ومعاصرة، الأمر
الذي جعلني أشغف بدار العلوم ودراستها وأتفوق فيها، وكان ترتيبي
الثاني على الدفعة سنة 1964 بتقدير جيدًا جدًا مع مرتبة الشرف
الثانية.
·
حدثنا عن المرحلة الجامعية ..
- عندما
التحقت بالكلية كانت قد بدأت في قبول الطلاب من الثانوية العامة
بنين وبنات، حيث بدأت الأعداد تتزايد، ونحن بحكم دراساتنا العربية
والشرعية السابقة كنا نتفوق على أبناء الثانوية، وكان هذا يجعلنا
ذوي مكانة بين هؤلاء الأبناء والفتيات، ما دفعهم للتقرب منا للتعرف
على بعض المعلومات والقواعد والأمور فكنا نساعدهم ونتعاون معهم،
وكان هناك بحمد الله تعالى وتوفيقه نوع من المودة والتراحم بيننا
لأن العلم رحم بين أهله.. وكان هناك حياء لدى البنات لم يكن بهذا
الشكل الذي نلمسه الآن في ما يسمى بالحرم الجامعي .
· ماذا
عن النشاط الدعوي في هذه المرحلة؟
- لم يكن
لنا نشاط دعوي في الكلية وإنما كان النشاط الدعوي مستمرا في البلد،
حيث كنت أسافر يوميًا بالقطار من أبو كبير إلى القاهرة في الفرق
الثلاثة الأولى أما في الفرقة الرابعة فكنت قد تزوجت في العطلة
الصيفية وانتقلت إلى الإسماعيلية حيث تعمل زوجتي مدرسة، فكنت أسافر
يوميًا وأستغل وقت السفر (3 ساعات ذهابا ومثلها إيابًا) في القراءة
والمطالعة وكتابة بعض المحاضرات،
ولذلك تفوقت
في الليسانس عن السنوات السابقة وكان ترتيبي الثاني على الدفعة..
في أبي كبير واصلت إلقاء خطبة الجمعة والدروس الرمضانية وخطب
المآتم، كما واصلت ذلك في الإسماعيلية حيث تعرف علي أهل الحي بحكم
دراستي الشرعية وتواجدي في الحي وصلاتي في المسجد ..
· بم
تنصحون الدعاة الشباب؟
- ننصحهم
ونوصيهم دائمًا وأبدًا بالقراءة والإطلاع.. القراءة في التفسير،
والفقه، والأخلاق، وكذلك في العلوم الحديثة والإعجاز العلمي وكل ما
يتصل بالقرآن الكريم وتفسيره وعلوم السنة النبوية، يعني مواصلة
القراءة لأن إحياء العلم مدارسته، وذلك كما نفعل نحن حتى في وقتنا
الحاضر في الرسائل العلمية، ما يفتح لنا نوافذ عديدة من القراءة
والإطلاع.
· ما هي
الموضوعات التي تناولتموها في أطروحتكم للماجستير ثم الدكتوراه من
بعدها؟
- كانت
رسالتي للماجستير عن " المُزَني وأثره في الفقه الشافعي"، وقد أشار
علي بهذا الموضوع أستاذي المرحوم الدكتور مصطفى زيد الذي كان
رئيسًا لقسم الشريعة الإسلامية في الفترة التي حصلت فيها على السنة
التمهيدية سنة 1965، أما رسالتي للدكتوراه فقد اخترتها بنفسي وكانت
بعنوان " مدارس مصر الفقهية في القرن الثالث الهجري .. دراسة فقهية
مقارنة " .
ودراستي
للمزني (174هـ - 264هـ ) وأثره في الفقه الشافعي جعلتني أطلع على
دارسين كثر من تلامذة الإمام الشافعي ومن المدارس التي كانت في مصر
في ذلك الوقت للمالكية والحنفية فأردت أن أقف على تأثيرات علماء
المدارس الأخرى، فكان ذلك سبب اختياري لموضوع رسالة الدكتوراه لأنه
في ذلك القرن الذي توفي فيه الإمام الشافعي وعاش فيه الإمام المزني
تعرفت على أقران ومعاصرين لهما من أبناء مصر ومن غيرهم ممن سكنوا
مصر فكانت الدراسة للمقارنة بين هؤلاء العلماء. وقد تمت مناقشة
الرسالة سنة 1977 م وحصلت عليها بمرتبة الشرف الأولى .
· كيف كانت
رحلتكم مع الكتاب والبحث ؟ وهل ثمة كتب معينة تركت بصمة واضحة
لديكم؟
- الرحلة
طويلة والقراءة متعددة وأنا لا أستطيع أن أختار كتابًا دون آخر
فجميع الكتب التي قرأتها في التعليم الأزهري كانت مؤسسة لهذا
البنيان القائم كما ترى في الدكتور محمد نبيل غنايم لأنها كتب
متنوعة وبعضها يقوم على بعض سواء في الفقه أو التفسير أو الحديث
أو النحو أو الصرف أو غير ذلك من الأمور، هذه تعتبر مرحلة
التأسيس، ثم في مرحلة الجامعة في دار العلوم تجد جميع الكتب التي
قرأتها في الكلية سواء منها ما يتعلق بعلوم الشريعة وعلى رأسها كتب
أساتذتنا الدكتور مصطفى زيد والشيخ علي حسب الله والشيخ عبد العظيم
معاني والشيخ علي الخفيف والشيخ محمد أبو زهرة، جميع هؤلاء أسهموا
في تكويننا، وكانت كتبهم منارات أمامنا وعلى طريقنا.. طبعًا إعداد
رسالة الماجستير يحتاج إلى مراجعة أكثر من 100 كتاب ما بين مصدر
قديم كالأم أو الرسالة للشافعي وبين مراجع حديثة كالشافعي حياته
وعصره وآراؤه وفقهه للشيخ محمد أبو زهرة ورسائل الماجستير
والدكتوراه تجعلك بحاجة ماسة إلى قراءة العديد من المصادر والمراجع
القديمة والحديثة وأنت لا تستطيع أن تختار لأنك تكتب مادة علمية
وليس بعضها بأولى من بعض في هذا المجال.
بعد مرحلة
الدكتوراه، ومرحلة الترقي من مدرس إلى أستاذ مساعد اطلعنا على كتب
عديدة وأنتجنا بحوثا عديدة للترقية من مدرس إلى أستاذ مساعد، طبعًا
اطلعنا في كل بحث منها على عدد من المصادر والمراجع، ثم في مرحلة
الترقية من أستاذ مساعد إلى أستاذ قدمنا عددا من البحوث وهذه
بدورها تحتاج إلى مصادر ومراجع وتمت الترقية سنة 1992، أيضا أنا
أشرف على عدد من الرسائل العلمية تزيد على 300 رسالة وهذه الرسائل
يرجع أصحابها إلى العديد من المصادر والمراجع، وهذه قراءات أخرى،
أيضًا أناقش عددًا من الرسائل العلمية وقراءتها تعتبر قراءات
متجددة في حقل تخصصي وفيما أحتاج إليه للحكم على هذه الرسائل، هذا
إضافة إلى لجان الترقية الدائمة التي أصبحت عضوا فيها.. لجان
ترقية الأساتذة المساعدين على مستوى الجمهورية بل على مستوى العالم
العربي والإسلامي، لجان تحتاج إلى تحكيم فنحن نقرأ أيضًا البحوث
التي تقدم إلينا - وهي بالمئات - حتى نحكم عليها بالصلاحية أو عدم
الصلاحية، أيضا المجلات العلمية سواء مجلة الكلية أو مجلات الكليات
الأخرى أو مجلة المركز الذي أشرف عليه " مركز البحوث والدراسات
الإسلامية" حيث تأتيها بحوث عديدة ونحن الذين نقوم بتحكيم هذه
البحوث .. إذًا هناك كتب عديدة لا أستطيع أن أحصرها في التأثير وفي
الفائدة وفي ترك البصمات.
· ولكن
ما حال القراءة خارج العلم الشرعي؟
- طبعا
القراءة محدودة لأنه لا يوجد وقت للقراءة في غير التخصص الدقيق،
ومع هذا نختطف بعض الأوقات لقراءة ما تيسر من الصحف، وما تيسر من
البحوث الجديدة، مع المشاركة في مؤتمرات نطلع على بحوثها التي ربما
تكون بعيدة شيئا ما عن التخصص الدقيق مثل مؤتمرات الإعجاز العلمي
في القرآن الكريم والسنة، ومؤتمرات الحوار إلى غير ذلك من المجالات
...
· ما
الفارق بين طلبة الأمس وطلبة اليوم في كلية دار العلوم ..
- الفارق
كبير جدًا فطلاب الأمس كانوا حريصين على العلم وشغوفين به وبعيدين
عن العلاقات غير الشرعية مع الطالبات وما نسمع عنه الآن من زواج
عرفي أو سري أو متعة أو غير ذلك من الأمور التي يقع فيها طلبة
الجامعات الآن .. فقد كان هناك حياء بين الطالبات فلم نكن نرى جلسة
خاصة بين طالب وطالبة، الآن نرى جلسات خاصة وامتداد الأيدي
والألعاب المتعددة بين الطلاب والطالبات ..
· ما
هي رؤية فضيلتكم للنهوض برسالة دار العلوم ..
- المزيد
من العلم والانفتاح على العلوم الحديثة مثل الكمبيوتر واللغات
الأجنبية، وما يتعلق بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم والاهتمام
بإرسال البعثات للخارج، وتقليل الأعداد لأن كثرة الأعداد سبب من
أسباب ضعف الحصيلة العلمية.
· هل
المطلوب أن يدرس الطالب المبعوث العلم الشرعي في الخارج؟
- لا يدرس
العلم الشرعي، إنما يدرس مقارنة بالقانون الوضعي، يدرس مناهج
القوانين الوضعية التي أخذنا منها قوانيننا ويقارنها بالشريعة
ويبين ما هو صالح وما هو غير صالح .
· ما رأي
فضيلتكم في البرامج الدينية التي تقدم عبر الفضائيات، وخاصة ما
أحدثته من بلبلة في الفترة الأخيرة بشأن مسألة الفتوى؟
- البرامج
الدينية مثل كل البرامج، فيها ما هو طيب وفيها ما هو غير طيب،
الطيب يقدمه أهل الاختصاص والمعرفة، وغير الطيب يقدمه غير
المختصين، ممن يطلق عليهم ألقاب : داعية إسلامي، ومفكر إسلامي ...
فلذلك ننصح المشاهدين بألا يقبلوا على البرامج الدينية التي يقدمها
غير المختصين، وحتى وإن كانت برامج المختصين جافة فإن فيها علمًا
وتعليمًا، أما برامج غيرهم ففيها بلبلة وتتويه وإن كانت براقة.
· مع
انطلاق ثورة المعلومات .. اتضح أن الدعوات الدينية هي أكثر من
استفاد منها.. ما رأيكم في ذلك؟
- كل
الجهات استفادت من هذه الانطلاقة وليس الجهات الدينية فقط، من
يريد شيئا علميًا أو دينيًا يستطيع أن يتابع هذه الشبكة، ومن يريد
شيئا إباحيًا أيضًا يستطيع أن يتابع هذه الشبكة، فالجميع استفادوا
أو أضيروا بها.
وإذا كانت
الجهات الدينية أكثر من استفاد فهذه فرصة للمزيد من استغلال هذه
الإفادة في الدعوة إلى الله وفي تعريف الناس بالإسلام والقيم
الإسلامية وسماحة الإسلام حتى يزداد الإقبال عليه.
· لا
شك أن الدراسات الشرعية استفادت استفادة كبيرة من هذه الثورة ..
- نستطيع
أن نقول إنها سلاح ذو حدين، نعم هي استفادت لكنها كانت إفادة على
حساب المصادر الأصيلة والصحيحة، فقد قطعت الصلة بين الطالب وبين
هذه المصادر، حيث أصبح الطالب أو الباحث الآن يكتفي بما في
الكمبيوتر، على عكس ما كان يحدث في السابق عندما كان يريد تخريج
أحد الأحاديث كان عليه أن يطالع كتب السنة النبوية الصحيحة
كالبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وغير ذلك.. الآن يجلس
أمام الكمبيوتر ويضع كلمة من الحديث فإذا به يجد كل شيء .. أين
المعاناة وأين التعرف على هذه الكتب الأصيلة ومصادرها.. الباحث
أصبح لا يفكر أبدًا في الرجوع إليها ولا التمكن والتحقق من صحة ما
وجده على الشاشة؛ ولذلك نحن نهيب بالدارسين وبخاصة أصحاب الدراسات
العليا أن يهتموا بالمصادر والمراجع الأصيلة.
· يأتي لكم
فتاوى من مختلف شرائح المجتمع .. ما هو انطباع فضيلتكم حول ما يدور
في أذهان الناس؟
- الناس
بحاجة إلى وعي ديني وإلى مزيد من الثقافة الدينية وجميع الأسئلة
تدل على فقر بالعلم ديني، فلو وجدت الثقافة الدينية - التي مع
الأسف الشديد تم تفريغ مراحل التعليم المتعددة منها - وأعيد
تدريسها لأسهم ذلك في التقليل من هذا الفقر الديني ولاستفاد الناس
بشكل ملحوظ .. نحن على الرحب والسعة نجيب عما يقدم إلينا من أسئلة،
ونرجو الله تبارك وتعالى أن ينفع بها من يسألها.
· ما
هي نظرتكم إلى الحياة؟
- نظرتنا
للحياة نظرة تفاؤلية ونظرة طيبة لأن هذه الحياة مزرعة للآخرة، وإذا
كنا نعاني فيها من بعض السلبيات فمصيرها إن شاء الله إلى النجاح،
إن لم يكن في الدنيا فليكن في الآخرة إن شاء الله .. وإذا كنا
نلاحظ بعض الانفلات وبعض التأخر في المستوى الإسلامي أو في الأمة
الإسلامية فإننا ننظر إلى النصف المليء من الكأس وننظر بتفاؤل وأمل
إلى الإصلاح وإلى التقدم وإلى المزيد من الحرص على القيم الإسلامية
حتى ننهض بهذه الأمة إلى الخير فإذا لم ندرك نحن ذلك نرجو أن يدرك
خلفنا ذلك ..
· ما
الحكمة التي تتمثلونها دومًا؟
- كنت قد
كتبت حكمة وأنا ما زلت طالبًا في بدايات حياتي وما زلت أعتز بها
وأنقلها لطلابي ولأحفادي وهي تقول: "إذا لم يكن عون من الله للفتى
فأول ما يجني عليه اجتهاده" فقد يكون الإنسان حريصا وعبقري
ونابغة.. إلخ، لكن لا يجوز أن يغتر بهذا فلابد من عون الله تعالى
وتوفيقه وتسديده فإذا لم يكن هذا العون من الله فسيكون هذا
الاجتهاد أول خطوة نحو التدمير.
· كيف
نقلتم هذه الرؤية إلى أولادكم؟
- للأسف
أولادنا اتجهوا اتجاهات حياتية فرغبوا في كليات الطب، لكنهم
استفادوا من التربية الدينية ومن القدوة الصالحة أمامهم، ومن
التوجيهات التي كنا ننقلها إليهم باستمرار فنشئوا بحمد الله تعالى
وتوفيقه فيما أرى صالحين دينًا ودنيًا .
ابنتي
الكبرى طبيبة ودكتوراه في أمراض النساء والتوليد وزوجها طبيب
ودكتوراه في جراحة المسالك البولية، والابن الثاني أخصائي في طب
القلب والأوعية الدموية، والابنة الثالثة طبيبة أسنان، فيما يعمل
الابن الرابع محاسبًا، أما الابن الخامس فمازال طالبًا في كلية
الصيدلة، وأحفادي يحفظون القرآن والحمد لله ويشاركون الآن في
مسابقة الخرافي العالمية. |