ÇÊÍÇÏÚáãÇÁ ÇáãÓáãíä
 
Untitled-1

الخصوصيّة الحضاريّة للمصطلحات

28-7-2008

موقع الاتحاد 

الدكتور محمد عمارة

د. محمد عمارة *

من العبارات الشائعة على ألسنة جمهرة المثقفين، وفي كتابات كثير من المفكرين والعلماء، عبارة: " إنه لا مشاحة في الألفاظ والمصطلحات" .. بمعنى: أنه لا حرج على أي باحث أو كاتب أو عالم في أن يستخدم المصطلح، وبصرف النظر عن البيئة الحضارية أو الإطار الفكري أو الملابسات المعرفية أو الفلسفية والعقدية التي ولد ونشأ وشاع فيها.. فالمصطلحات والألفاظ ذات الدلالة الاصطلاحية هي ميراث لكل الملل والمذاهب والحضارات، ولجميع ألوان المعرفة ونظرياتها، ولكل بني الإنسان..

أما إذا نحن نظرنا إلى الألفاظ والمصطلحات من زاوية "المضامين" التي توضع في أوعيتها، ومن حيث "الرسائل الفكرية" التي حملتها "الأدوات المصطلحات" فسنكون بحاجة - وحاجة ماسة وشديدة - إلى ضبط معنى هذه العبارة، وتقييد إطلاقها، وتحديد نطاق الصلاح والصلاحية التي يشيع عمومها من عموم ما تحمل من ألفاظ .

هنا سنجد أنفسنا عند الفحص والتدقيق، وفي كثير جدا من الحالات وبإزاء العديد من المصطلحات، أمام "أوعية" عامة "وأدوات" مشتركة بين الحضارات والأنساق الفكرية والعقدية والمذهبية، وفي ذات الوقت أمام "مضامين" خاصة، و"رسائل" متميزة تختلف فيها، وتتميز بها هذه "الأوعية" العامة و"الأدوات" المشتركة لدى أهل كل حضارة من الحضارات المتميزة، وعند كل نسق أو مذهب أو عقيدة من الأنساق الفكرية والمذاهب الاجتماعية والعقائد الدينية، وخاصة منها تلك التي امتلكت وتمتلك من السمات الخاصة والقسمات المميزة ما جعلها ويجعلها ذات مذهبية خاصة وطابع خاص ..

إن أحداً، لا يماري في أن مصطلحا مثل مصطلح "السنة" قد شاع ويشيع استخدامه لدى مذاهب إسلامية متميزة، وفي علوم إسلامية متعددة.. ولا مشاحة في استخدام كل هذه المذاهب وجميع تلك العلوم لمصطلح "السنة".

لكن.. من الذي يماري في اختصاص هذا المصطلح لدى كل مذهب، وفي إطار كل علم بمضمون متميز ورسالة خاصة متميزة عن المضمون والرسالة التي له عند الآخرين ؟

فالسنة عند اللغوي لها معنى.. وعند عالم الحديث لها معنى آخر.. وعند عالم الفرق والمذاهب لها معنى ثالث.. فلا مشاحة في وضع المصطلح ولا في استخدامه.. لكن المشاحة قائمة في إغفال التمايز بين المعاني والمضامين الموجودة في هذا الوعاء الواحد .

وإذا كانت هذه المشاحة واردة في مضامين المصطلح ومعانيه ورسائله الفكرية، في إطار مذاهب الحضارة الواحدة .. فأحرى بها أن ترد، بل وتتأكد في مضامين المصطلحات التي تشترك في وضعها واستعمالها حضارات متميزة في السمات والقسمات .

وليس كضرب الأمثال سبيلا لجلاء المعنى، وتأكيدا لصدق هذا المفهوم..

مصطلح "الشارع"

فمن المصطلحات الشائعة في ميدان "التشريع" للقانون، مثلا مصطلح "الشارع" يوصف به من "يشرع" القانون فردًا كان أو جماعة – مؤسسة - فواضع القانون "شارع" و"مشرع" له.. والمجالس النيابية التي تمثل سلطان الأمة في "تشريع" القوانين هي "هيئات تشريعية" تشرع القوانين،

"فالشارع" – هنا - و"مصدر التشريع" و"واضع الشريعة" هو إنسان فردًا كان أو هيئة تشريعية.

هذا هو حال مصطلح "الشارع" و"التشريع" و"الشريعة" في ميدان "القانون".. فهل – حقا - "لا مشاحة" في وضع واستخدام هذا المصطلح الشائع، وفيما يحمل "وعاؤه" من "مضمون" ؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لن تكون واحدة لدى أبناء كل الحضارات الإنسانية، وفي إطار كل الأنساق الفكرية ومن قبل كل المعتقدين بمختلف المذاهب والمعتقدات..

إن ابن الحضارة الغربية - الذي لا يؤمن بوجود شريعة إلهية تنظم الجانب المدني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي للدولة والاجتماع البشري والعمران الإنساني - يؤمن بأن الإنسان، فردا كان أو طبقة أو أمة، هو المصدر الأول الأخير للشريعة والتشريع.. فالإنسان هو "الشارع" سواء أكان ذلك في إطار أصول الشريعة قواعد ومباديء القانون الطبيعي، كما تسمى في الحضارة الغربية والتي هي تحسين وتقبيح عقليين، أي فعل إنساني خالص، بمقاييس إنسانية خالصة من أية ضوابط  - أو كان ذلك في إطار فروع الشريعة: القانون .

فهذا المصطلح "الشارع" بهذا المعنى طبيعي وصادق في هذا الإطار: إطار الحضارة التي لا تؤمن بوجود "شارع" غير هذا الإنسان، وخارج هذا "الواقع المادي".. سواء أكان السبب في ذلك هو الطابع المادي الإلحادي لهذه الحضارة، أم المنحى والتوجه العلماني الذي يرفض وجود مدخل لـ "الإلهي" في شئون "الدولة والعمران".

ولما كان هذا الموقف هو"شأن غربي" خالص وسمة خاصة من سمات الحضارة الغربية، وقسمة متميزة ومميزة من قسمات طابعها المادي ومذهبها العلماني، فإنه ليس من المشترك الإنساني العام.. حتى يصبح مصطلحها فيه ومضمون هذا المصطلح مما، لا مشاحة فيه في أية حضارة من الحضارات..

مصطلح "الإقطاع"

ومثال رابع على إمكانية "المشاحة في الألفاظ والمصطلحات" نجده إذا نحن وقفنا أمام مصطلح "الإقطاع"!

ففي الحضارة الغربية، حيث فلسفتها المالية تجعل الملكية المطلقة - الملكية الحقيقية - ملكية الرقبة في الثروات والأموال للإنسان، فردا كان في النموذج الليبرالي - أو طبقة الأجراء في النموذج الشمولي الماركسي في هذه الحضارة نجد "الإقطاع" كمصطلح إنما يعني: الملكية الكاملة للسادة الإقطاعيين لوسائل الإنتاج - الأرض الزراعية - مع الملكية المقيدة للعاملين فيها الأقنان .

أما في الحضارة الإسلامية حيث صاغت الوسطية الإسلامية مذهبا اقتصاديا متميزا، جعل الملكية المطلقة الحقيقية، ملكية الرقبة في الأموال والثروات لله سبحانه وتعالى، مع تقرير حقوق الملكية المقيدة ملكية المنفعة المجازية أي ملكية الوظيفة الاجتماعية للمال، مع تقرير هذه الحقوق للإنسان الحائز للمال، باعتباره مستخلفا في حيازته واستثماره والانتفاع به عن الله سبحانه وتعالى، من حيث صفته كإنسان مستخلف - مطلق الإنسان المستخلف - وليس بصفته كفرد أو كطبقة، في هذا النموذج الحضاري ذي الفلسفة المالية المتميزة نجد لمصطلح "الإقطاع" مضمونا متميزا: فهو تمليك "للمنفعة" لا "الرقبة".

ولقد كان في التطبيقات الإسلامية وسيلة لإحياء الأرض الموات والانتفاع بها مع بقاء ملكية الرقبة - الملكية الحقيقية في الأرض - لله سبحانه وتعالى. أي للإنسان والأمة - الناس المستخلفين عن الله في الأرض، وفي كل الثروات والأموال! فنحن هنا بإزاء مصطلح "لا مشاحة في لفظه" لكن المشاحة واردة في المضمون على نحو أكيد!

ولن يستطيع قارىء أن يقرأ، ولا دارس أن يدرس التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للإسلام وحضارته، ويعي معنى: "إقطاع" الرسول صلى الله عليه وسلم أوالخلفاء أرض كذا لفلان.. وناحية كذا لفلان.. ومرفق كذا لفلان.. إلا إذا هو وعى المضمون المتميز لمصطلح "الإقطاع" في حضارتنا عن نظيره في الحضارة الغربية.. وإلا فستكون "كارثة - فكرية" إذا نحن درسنا "الإقطاع" في تاريخنا بمضامين مصطلحه لدى الآخرين؟!

مصطلح "الاحتكار" !

ومثال خامس على هذا الذي نقول نجده إذا نحن وقفنا أمام مصطلح "الاحتكار"، ففي الحضارة الغربية بتياراتها الاجتماعية المختلفة، وحتى عند الذين يدركون المساوىء الاجتماعية لسيطرة الاحتكارات على النظام الاقتصادي لمجتمع من المجتمعات.. نجد النظرة إلى "الاحتكار" هي النظرة إلى مرحلة حتمية من المراحل التي لابد وأن يمر بها المجتمع على درب تطور الامتلاك لأدوات الإنتاج.. فالاحتكار - في هذه النظرة الغربية - هو نبت طبيعي، حتمي.. حتى وإن رآه البعض ضارا..!

أما في المذهبية الاقتصادية الإسلامية، التي حكمت وتحكم حيازة الإنسان للمال ببنود عقد وعهد استخلاف الله - المالك الحقيقي للمال - للإنسان في هذا المال.. فإن الاحتكار ممنوع، ومرفوض من الأصل والأساس. ومحال أن يتسق وجوده - فضلاً عن سيادته - مع مذهبية الإسلام في الأموال.. "من احتكر للمسلمين طعاما ضربه الله بفقر وإفلاس" كما يقول الحديث النبوي الشريف - وذلك وعيد للمجتمع والحضارة التي تبيح الاحتكار - الذي يقودها إلى فقر الأمة، وإفلاس نظامها، وعجزه عن تحقيق الغاية من تحضر الإنسان! وهذا الاحتكار الذي يقتل الأمة عندما يغتال العدل في حياتها الاقتصادية والاجتماعية هو الذي يتحدث الرسول صلى الله عليه وسلم عن أهله فيقول: يحشر الحكارون وقتلة النفس في درجة واحدة؟! كما يقطع بأنه "لا يحتكر إلا خاطىء"!

مصطلح "اليسار"

فمن الناس من ينطلق من مقولة "انه لا مشاحة في الألفاظ والمصطلحات" إلى الدعوة لاستخدام هذا المصطلح - مصطلح "اليسار" في الدلالة على التيار الاجتماعي الداعي إلى استخدام "الصراع الطبقي" أداة لتسويد طبقة الأجراء على طبقة الملاك تمهيدا لإلغاء التمايز الطبقي، وإقامة المجتمع اللاطبقي الذي تلغى فيه سائر ألوان الملكية الخاصة.

من الناس من يدعو إلى استخدام هذا المصطلح ذي النشأة الغربية والمضمون الغربي بدعوى أنه لا مشاحة في الألفاظ والمصطلحات، بل ومنهم من يحاول "أسلمته"، و"أسلمة" مضمونه عندما يدعوه "اليسار الإسلامي"؟!

أما نحن فإننا نرى أن "المشاحة" واردة وقائمة بل وواجبة تجاه هذا المصطلح - مصطلح "اليسار - فـ "اليسار" في العربية لغة أمتنا وتراثنا وديننا وحضارتنا وأداة إبداعنا إنما يعني اليسر المقابل للعسر والغنى المقابل للفقر والإعسار -  " يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ " (البقرة : 185) "وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ" (البقرة :280)..

ومن ثم فإن "أهل اليسار" والاتجاه الفكري والاجتماعي لأهل اليسار - في اصطلاح العربية -هم أهل الغنى- لا الفقر- واتجاه اليسر - لا البؤس - ؟!.. فكيف تقسر لغتنا على أن يقبل جسمها الاصطلاحي هذا الضد الغريب الذي يبلغ في الإعراب درجة النقيض؟!

مصطلح "عقلي" و "عقلاني"

وهو الذي غدا - في الحضارة الغربية - وصفا لمذهب في الفكر والبرهنة والبحث والاستدلال.. فهو فيها - وفي قواميسها - "مذهب يقول بسلطان العقل وحده.. فلا يفسح المجال للظواهر الوجدانية ولا الإرادية في الأعمال الذهنية.. ويرفض الحقيقة النقلية التي لا يقرها العقل".. فهو "وصف للنظريات والاتجاهات الفلسفية التي تجعل العقل المصدر الوحيد لكل ضروب المعرفة الإنسانية.. فالإنسان لا يحصل على المعرفة من الخارج بل من عقله هو.. وأحكام العقل مطلقة فوق شروط الزمان والمكان، وضرورية وكلية، وعامة مشتركة بين جميع الناس .

بل إن هذا المذهب الغربي في العقلانية قد ذهب إلى حد "تأليه" العقل، عندما تحدث فلاسفته العقلانيون عن ما أسموه "العقل المكون" بكسر الواو وهو الذي جعلوه "المبدأ الواضع للقيم والقواعد العامة في النظر والعمل، وهو المنتج لجميع المقولات، والمشرف على تطورها "أي الواضع والمنتج" للعقل المكون - بفتح الواو - .

أما الإسلام الذي لا يقيم ثنائية متناقضة بين "العقل" و"الوجدان" ولا بين "العقل" و"النقل".. بل يرى المعرفة الإنسانية قائمة على ساقين اثنتين: كتاب الوحي وعلومه: وكتاب الكون – وعلومه - فإنه يرى في العقل ملكة من ملكات الإنسان، معبرة عن فعل التعقل والإدراك، وليست عضوًا ماديًا من أعضاء الإنسان. ويرى لهذه الملكة - التي يعرفها بأنها "لطيفة ربانية" - تعلقا بـ "القلب" - أي جوهر الإنسان ومصدر الوجدان - لا القلب كعضلة صنوبرية في القفص الصدري؟!

مصطلح "مذهب إنساني"

فالمذهب الإنساني Humanism - في الفكر الوضعي الغربي - هو المرجعية المقابلة والمناقضة للمرجعية الإلهية والدينية.. والمذهبية البشرية المقابلة والمناقضة للمقدس الديني.. حدث ذلك بسبب ملابسات النهضة الأوربية والإحياء الغربي، عندما رفض روادهما لاهوت الكنيسة، وما اصطبغ بصبغته من أدب وفلسفة وعلم وفن.. ودعوا إلى تحرير العقل من هذه المرجعية الدينية المقدسة.. مستبدلين بها "الإنسانيات"، وهي - في واقعهم - كانت اللغات والآداب والثقافة اليونانية واللاتينية..

لقد قام التناقض - في واقعهم - أو أقاموه - بين "الديني" و"الإنساني" فرفضوا الديني، وأحلوا الإنساني - اليوناني اللاتيني - محله وشيدوا عليه مذاهب ونظريات النهضة الغربية الحديثة.. وجدت قواميسهم على الحديث عن هذا الذي قام لديهم كمضمون لمصطلح "المذهب الإنساني"!

فهل نقدم هذا المضمون زادا وطعاما - ولا نقول طعما - لأبناء الحضارة الإسلامية الذين لم يعرف دينهم - ولا علومه - ولم تعرف حضارتهم - ولا علومها - هذا الفصام النكد بن "الإلهي - المقدس" وبين "الإنساني"؟..لأن الإنسان - في عقيدتها وتصوراتها - هو خليفة عن الله، محكومة رسالته في إعمار الأرض بشريعة عهد وعقد الاستخلاف؟!.. هل نقدم للعقل المسلم هذا الطعم "الغريب - والمنكر" بحجة أنه لا مشاحة في الألفاظ والمصطلحات؟!

فإذا كان هذا القاموس - كأغلب قواميس العلوم والفنون في ثقافتنا المعاصرة- هي بضاعة غربية ترجمت وعربت أدركنا دور القاموس - في مكتبتنا المعاصرة - في احتلال العقل العربي والمسلم، وفي تلوينه بلون الحضارة الغربية، وإسهامه في "تغريب" هذا العقل، وخاصة في ميدان العلوم الإنسانية التي تتمايز فيها الحضارات، ومن ثم تتمايز فيها مضامين الكثير من مصطلحات هذه العلوم والفنون على النحو الذي ضربنا عليه بعض الأمثال.

وهنا تبرز الرسالة الفكرية والمهمة الحضارية للمصطلح والقاموس. فهو الأداة الطبيعية لرؤية وفهم وتفسير تراث أمتنا. إن في الفكر النظري منه، أو في التطبيقات التي مثلت واقع الأمة وتجربتها بهذا الميدان - ففيه المعاني المنضبطة لمصطلحات "الفكر" و"لواقع الحياة".

وهو السبيل إلى وضع لبنة في صرح الاستقلال الحضاري لأمتنا عندما يضع وييسر للعقل العربي والمسلم سبل إدراك ما لحضارتنا من "خصوصية" في المعاني والمضامين والمفاهيم.. فيسهم بذلك في تحرير العقل من إسار التبعية وأسر التغريب. وهو خطوة على طريق طويل هو طريق الاستقلال الحضاري الذي هو جوهر الاستقلال!

______________

* عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين .

- المصدر : الموسوعة الإسلامية / http://www.balagh.com ، نقلا عن إشكالية التحيز/ ج1.

   

Untitled Document

تم تطوير الموقع بواسطة ميديا إنترناشيونال