|
القاهرة – أكد الدكتور محمد المنسي- أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة- أن طريق العبودية لله هو مفتاح التحرر من سطوة كل شيء له سطوة، وأن المسلمين بحاجة إلى جهد جبار لاستعادة ما فقدوه، وهم بحاجة كذلك إلى إعادة فهم الإسلام بطريقة جديدة.
لافتا إلى أن الأولين إذا كانوا يعيشون في عصرنا لكان من المؤكد أنهم سيفكرون بعقلية مختلفة عما نظنه نحن طريقا وحيدا لتحقيق الذات الإسلامية أو للقيام بواجبات الرسالة.
وفي محاضرته التي ألقاها د. المنسي الأربعاء 28 جمادى الآخرة 1429هـ، بمقر مكتب الاتحاد بالقاهرة (الأمانة العامة)، تحدث عن مشكلتين يعاني منهما واقع الحياة الإسلامية الحالي، وهما: مشكلتا بهتان المعاني، والفهم الخاطئ لمفهوم العبودية.
البناء الداخلي أولا
وفي بداية محاضرته أشار د. المنسي إلى اتجاهه إلى المدرسة الدعوية التي تؤمن بأن البناء الداخلي للمسلم والبناء الداخلي للأمة ينبغي أن يسبق أي بناء آخر، والتي تؤمن بأن الحق والباطل سيظلان في صراع مستمر إلى يوم الساعة، وأن تجليات الحق والباطل موجودة في زماننا في منافذ عديدة، وأنه لا تزال- كما قال صلى الله عليه وسلم- طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي وعد الله.
تؤمن هذه المدرسة كذلك بضرورة البناء الفكري والتربوي والنفسي للمسلمين قبل أن نعنى بالدفاع عن الإسلام ومواجهة السهام الطائشة والدعاوى الباطلة الموجهة إليه، مشيرا إلى أن هذا هو منهج مدرسة الإمام محمد عبده، الذي كان معه الثائر جمال الدين الأفغاني، فكان الأول يرى أن تربية الأمة هو الذي سيحقق الغاية، في حين كان الثاني يرى أن الإصلاح يكون بإصلاح الأنظمة تمهيدا لإصلاح الشعوب.
ورأى د. المنسي أننا لو كنا سلكنا طريق الإمام محمد عبده ربما كنا حققنا أفضل بكثير مما حققناه حتى الآن؛ لأن الانتكاسات التي أصابت العمل الإسلامي نبعت من تصور خاطئ في طريقة إصلاح حال المسلمين، قفز على الأسوار والحقب المختلفة، وتجاهل الفساد أو التغير الكبير الذي أصاب الأمة.
لافتا إلى أن هذا طبيعي ومنطقي، فليس معنى أني مسلم أنه يجب أن أنتصر بالضرورة، فمن الممكن أن أُهزم، وليس معنى هذا أن الإسلام قد انهزم إنما أنا الذي هزمت.. ممكن أن أستفيد من الهزيمة إذا كنت واعيا وأجعلها بداية لنصر مؤزر، وهذا هو الذي حدث في غزوة أحد.. لقد كانت الهزيمة درسا كبيرا جدا ليس فقط للصحابة وإنما لكل المسلمين في كل زمان ومكان.
وأضاف: الفشل ليس عيبا، فطبائع الأشياء تقول إن المتأخرين لا يظلون متأخرين باستمرار، والمتقدمين لا يظلون متقدمين باستمرار، نحن كنا في يوم من الأيام سادة العالم، الآن نحن في ذيل القائمة.. القراءة الواعية للتاريخ تقول إنه في المستقبل القريب إن شاء الله سوف نسترد شيئا مما ضاع منا، لكن إلى أن يحدث هذا ستظل توجد أمور ساخنة، قضايا ملتهبة، حتى تتضح الرؤية بأن المسلمين بحاجة إلى إعادة فهم الإسلام مرة أخرى بطريقة أخرى، وهذه هي المشكلة الكبرى.
ولفت د. المنسي إلى أن هذا الفهم لن يتعارض أو يتناقض مع فهم الأولين، لكن من المؤكد أن الأولين إذا كانوا يعيشون معنا الآن لفكروا بعقلية مختلفة عما نظنه نحن طريقا وحيدا لتحقيق الذات الإسلامية أو للقيام بواجبات الرسالة؛ فالمسلمون الآن بحاجة إلى جهد جبار لاستعادة ما فقدوه.
بَهَتان المعاني
وقال د. المنسي: من المشكلات التي أضع يدي عليها مشكلة بهتان المعاني وضعف تأثيرها في نفوس المسلمين، وليس المعاني الشرعية فقط، إنما معاني الأشياء عموما.
لافتا إلى أننا بحاجة إلى التساؤل المستمر حول معاني الألفاظ التي نرددها، فالمسلم يردد يوميا كلمات ضخمة جدا، ولكن تأثيرها في واقع الحياة قليل جدا.. نحن نسمع القرآن الكريم كما كان الصحابة يسمعونه، لكنّ هناك فارقا كبيرا جدا بين انفعالهم وانفعالنا؛ لأن الانفعال يحتاج إلى نوع من اليقظة والانتباه والوعي والرغبة في التفاعل مع المدخلات، تلك المدخلات التي تدخل أذن المسلم فتشكل عالمه الداخلي، هذه المدخلات ليست مدخلات إنسانية إنها مدخلات ربانية، مشيرا إلى الآية الكريمة " لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" (الحشر : 21) هذا القرآن يدك جبالا ويزلزلها، ولكنه لا يفعل شيئا في إنسان عنده عقل وأدوات استقبال وإحساس وتفكير، فمعنى ذلك أن هذه المدخلات صحيحة، لكنها لم تجد الأرض الخصبة التي تستوعبها وتستقبلها.
ولفت د. المنسي إلى مشكلة ثانية وهي أنه كلما ابتعدنا عن عصر الرسالة صرنا بحاجة إلى مجهود مضاعف لمعرفة المراد من الكلمات والمفاهيم؛ حيث يبدو لنا ببساطة أننا قادرون على تحديد المراد من الكلمات، ولكن هذا وهم.. فقليلون هم الذين يملكون هذه القدرة بحكم الدراسة والخبرة والوعي.. قدرة اكتشاف المعاني وتأملها والبحث عن غوامضها وليس مجرد تكرارها واجترارها.
العبودية نقطة البداية
وألقى د. المنسي الضوء على مفهوم "العبودية" فلفت النظر إلى تأثير الظروف الاجتماعية على فهمنا للمفردات، فكلمة "عبد" مثلا أحيطت بظلال اجتماعية شوهت كثيرا جدا من هذا اللفظ الرائع جدا والمتميز جدا، والذي يعتبر أشرف وصف يصل إليه المسلم عندما يتحرر من عبودية غير الله سبحانه وتعالى.
فقال إن هذه الظروف جعلت كلمة العبد مقرونة بظلال سيئة تشير إلى معنى الحقارة والقلة والازدراء والسخرية، مشيرا إلى دعوة القرآن الكريم إلى التحرر من كل هذه الظلال التي صنعها البشر وأضافوها للفظ العبد، ومذكرا بالآية الكريمة "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" (الذاريات : 56).
وتساءل المحاضر: هل العبودية هنا منزلة واحدة؟! أم هي عدة منازل؟ وكيف نصل إلى هذه المنازل؟ لافتا إلى أن نقطة البداية في تعامل المسلمين مع الواقع الدولي الآن هي هذه النقطة.
وتابع: نريد أن نكون عبيدا لمن؟ مشيرا إلى الآية الكريمة "فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً " (الإسراء : 5) لافتا إلى كلمة "عبادا لنا" فكلمة "لنا" هنا تدل على المراد، وتكشف عن نوعية البشر الذين سوف يقضون على بني إسرائيل، الذين لا يمثلهم دولة إسرائيل فقط، والذين يمثلون شوكة وعقبة في طريق وحدة هذه الأمة واستعادة نهضتها مرة أخرى؛ لأن أخشى ما تخشاه إسرائيل هو أن نتيقظ وأن نصل ما انقطع بيننا، ليس إسرائيل فقط فالقوى الاستعمارية وشعارها القديم "فرق تسد" ينطق به واقع الحال.
وأضاف د. المنسي أنه لا يخفى أن الغرب الذي تمثل إسرائيل فيه رأس الحربة يخشى من الإسلام، نعم قد لا يخشى من المسلمين لأن المسلمين الآن ضعاف، لكنه يخشى من الإسلام بعد ذلك.. بعد نصف قرن من الآن؛ فقد درسوا التاريخ، وهم يعلمون أن هذه الأمة تستطيع أن تقف مرة أخرى مثلما حدث في مواجهة الصليبيين والتتار، وفي 73 حيث استطاع الجندي المصري تحطيم أمنع خط عسكري في التاريخ وزلزلة العدو بصيحة الله أكبر، مشيرا إلى أنه لا يخفى علينا كذلك المحاولات المستميتة لمنع تحقق الوجود الإسلامي بمعناه الصحيح، والتي يساعدها بعض السذج من المسلمين الذين يستعجلون المعركة والخصومة.
عظمة العبودية
وأوضح د. المنسي أن من معاني العبودية إظهار التذلل، داعيا إلى التفكر في مفهوم العبودية النظري، وكيف آل حاله الآن في حياة المسلمين، الذين يناديهم القرآن لكي يكونوا عبيدا لله تعالى، مذكرا بكلمات ربعي بن عامر عندما سأله رستم قائد جيش الفرس: من أنتم؟ فقال رضي الله تعالى عنه: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
وأضاف: معنى عظيم جدا، وهذا هو المسلم الذي ينطلق في كل تصرفاته من منطلق واحد، وهو أنه عبد لله، مشيرا إلى ضرورة فهم المعنى العظيم لمعنى كلمة عبد، وهذا هو مسلك القرآن الذي لم ننتبه إليه بالقدر الكافي، حيث يدعونا إلى النظر في معاني ودلالات الكلمات قبل ترديدها، وذلك مثلما يحدث في البحوث الأكاديمية، حيث يُطلب من الطالب أو الباحث أن يحدد المراد من المصطلحات أولا، مشيرا إلى أن كثيرا من الناس الآن أصبحت كلماتهم جوفاء، وأصبح المسلمون في عصورهم الأخيرة مجرد "ظاهرة صوتية" يستخدمون كلمات كبرى لا يدركون معانيها جيدا، وليسوا على مستواها.
العبودية والعبادة
وفي شرحه لمعاني العبودية ذَكَّر د. المنسي بكلام الراغب الأصفهاني في مفردات غريب القرآن، حيث يقول: "إن العبودية إظهار التذلل والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الأفضال وهو الله تعالى؛ ولهذا قال "ألا تعبدوا إلا إياه". والعبادة نوعان عبادة بالتسخير وعبادة بالاختيار، وهي لذوي النطق، وهي المأمور بها في قوله تعالى "اعبدوا ربكم". والعبد يقال على أربعة أنواع: عبد بحكم الشرع، وهو الإنسان الذي يصح بيعه وابتياعه، الثاني عبد بالإيجاد، والمعنى الثالث عبد بالعبادة والخدمة، والناس في هذا نوعان عبد لله مختص وهو المقصود بقوله "واذكر عبدنا أيوب"، وعبد للدنيا وأغراضها وهو المعتكف على خدمتها ومراعاتها وإياه قصد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار. وعلى هذا النحو يصح أن يقال ليس كل إنسان عبدا لله، فإن العبد على هذا بمعنى العابد، لكن العبد أبلغ من العابد، والناس كلهم عباد الله، وجمع العبد الذي هو مسترق عبيد، وجمع العبد الذي هو عابد عباد. فالعبيد إذا أضيف إلى الله أعم من العباد".
مفتاح التحرر
وقال د. المنسي شارحا: إن كلمة عبد بمعنى طريق معبد أي مذلل يمشي فيه الإنسان، وهذا طريق العبودية وهو مفتاح التحرر من سطوة كل شيء له سطوة.
وتابع: المسألة أي زاد نريد أن نتزود به في زحمة هذا العصر، فالمتنافسون كثيرون وأولياء الشيطان وأتباعه أذكياء ومهره وإمكانياتهم الآن هائلة وضخمة، ونحن في كل هذا نريد أن نقف على أول الطريق الصحيح الذي يوصلنا في النهاية إلى الغاية، إذا أدركنا الغاية نجحنا، وإذا لم نصل إلى الغاية فلن ننجح، حتى لو كانت الدنيا كلها ملك أيدينا. ضروري أن نحدد أي هدف نريد.. هنا نأتي إلى الأسئلة الكبرى المطلوب التفكير فيها، تلك المفروض أن يسألها الإنسان كإنسان، وهي: من أنا؟ أين أعيش؟ كيف خلقت؟ من خلقني؟ لماذا خلقت؟ ما المصير الذي ينتظرني؟ ما حال البشر من قبلي؟ ما علاقتي بكل من حولي من بشر وغير بشر؟.
فهذه الأسئلة تفتح المجال للطريق، ومن لم يسأل نفسه هذه الأسئلة فلن يكتشف الطريق، ربما يأتي من الأعمال غير المرتبة أو غير الهادفة، ومن ثم قد ينطبق عليه قوله تعالى: "قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا" (الكهف : 103-104)
وتابع: لن نجد إجابة حقيقية لهذه الأسئلة إلا في القرآن الكريم، حقيقية بعيدة عن الشك بعيدة عن التغير؛ لأن الخطاب القرآني هو خطاب الحق، الذي جاء بالحقيقة كلها للإنسان بحيث يستغنى الإنسان عما سواها من حقائق أخر. فإذا عرفت إجابة هذه الأسئلة استبان لي الأمر وعرفت الطريق، وهذا ما ينبغي على المسلمين أن يفعلوه لأنهم تاهوا لأسباب عديدة، من أهمها أنهم ابتعدوا عن روح القرآن واكتفوا بظاهر الحال.. فإذا لم أسلك في حياتي الطريق الذي ارتضاه الله لي سأسلك دون أن أشعر مسلك الشيطان، وأصبح عضوا في حزب الشيطان، نعوذ بالله من ذلك.
مع مدارج السالكين
وأعرب د. المنسي عن عزمه التطواف في كتاب تهذيب مدارج السالكين في المحاضرات القادمة إن شاء الله تعالى، غير أنه ألقى الضوء سريعا على الكتاب القيم بالتوضيح أن سؤال الكتاب هو: إلى أين تريد في طريق الحياة؟ أريد الوصول إلى الله. ولكن ما هو الطريق الذي يوصلني إليه تعالى؟ لافتا إلى أن هذه أعظم مهمة في حياة الإنسان، تعد أمنيات الحياة الأخرى مثل الطموح المهني جزءا منها.. فإذا فقدت المهمة الكلية ضاع منك عمرك دون أن تفعل شيئا، إذا عملت الجزء وأنا أرى الكل صار الجزء في خدمة الكل، وإذا لم أفعل هذا فقد قصرت في حق نفسي، فالله تعالى ليس بحاجة لأن يتعرف عليه أحد، إنما هو تعرف إلينا وعرفنا بنفسه، فكان ينبغي علينا أن نستمع إلى تعريفه على الأقل.
ولفت د. المنسي إلى أن طريق الله هو الذي يصنع البشر الجديد الذي نريد؛ لأن البشر الذي صنعته الحضارة الحديثة ليس المأمول الذي يرجى منه الخير.
واختتم د. المنسي محاضرته بقراءة من بداية الكتاب، عازماs على إلقاء مزيد من الضوء على ما يحفل به من معانٍ في المحاضرة القادمة إن شاء الله.
|