|
أكد الأستاذ فتحي أبو الورد - مدير مكتب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بالقاهرة – على ضرورة التزام الإخوة في حماس والفصائل الفلسطينية في غزة بالتهدئة التي اتفقت عليها الفصائل مع الإسرائيليين بالرعاية المصرية؛ لأنها في مصلحة المسلمين والفلسطينيين، ومن شأنها أن تعالج الناس، وتدبر طعامهم ووقودهم.
وأشار إلى أنه لو حدث عدوان في غير غزة يمكن للفصائل أن ترد، ولكن ليس من غزة؛ حتى لا نكون نحن الذين خرقنا التهدئة بعد أن بذلت فيها مصر جهودا كبيرة لمصلحة الفلسطينيين.
جاء ذلك في محاضرة الأربعاء 21جمادى الآخرة 1429هـ، والتي ألقاها بمقر مكتب الاتحاد بالقاهرة، في إطار موسمه الثقافي الحالي، وقدم من خلالها قراءة في صلح الحديبية الذي أبرمه النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش في السنة السادسة من الهجرة، موضحًا كيف كان هذا الصلح فتحًا وبركة على الإسلام والمسلمين رغم ما كان في ظاهره من ظلم وإجحاف.
سبب عمرة الحديبية
وقال أبو الورد إن اتفاق الحديبية كان سببه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه دخل المسجد الحرام معتمرا، فطاف بالبيت وأخذ مفتاح الكعبة ومعه أصحابه رضي الله عنهم جميعا؛ فأصبح صلى الله عليه وسلم يحدث الناس بذلك، فاستبشر الصحابة وفرحوا واستعدوا لأداء العمرة؛ لأن رؤيته صلى الله عليه وسلم حق ووحي.
وأضاف: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه واتجه إلى مكة لأداء هذه العمرة في السنة السادسة من الهجرة، وكان عدد المسلمين في هذه المسيرة حوالي 1400 مسلم، وقد اصطحب النبي معه زوجته أم سلمة رضي الله عنها، حيث أحرم صلى الله عليه وسلم بالعمرة وقلد الهدي وأرسله ليعلم الناس أنه جاء معتمرا حتى يأمنوا من حربه. فلا رغبة للنبي في القتال فقد كان حاله صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه رضي الله عنهم أنهم جاؤوا معتمرين ولم يأتوا على قتال، فقد كان معهم الهدي والسيوف في القرب وهذه عدة المسافر وليست عدة المحارب.
وتابع أبو الورد : أحرموا بالعمرة من ذي الحليفة (الذي يحرم بالعمرة أو الحج من المدينة الآن في مكان يسمى أبيار علي)، وقد علمت قريش بخروجه صلى الله عليه وسلم وتشاوروا في أمره وعزموا على صد النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت وعلى قتاله إن كان سيدخل عليهم، وقالوا: لا يدخلها علينا عَنوة أبدًا.
العناية الإلهية ومشروعية صلاة الخوف
وأضاف: لقد برهن لهم النبي صلى الله عليه وسلم على أنه ما جاء لقتال.. فقد خرج خالد بن الوليد رضي الله عنه في مجموعة من الفرسان قوامها 200 فارس لملاقاة النبي صلى الله عليه وسلم ووقفوا للنبي على الطريق الرئيسي لمكة وقد رآهم النبي، وعندما جاء وقت الصلاة صلى صلاة الظهر هو وأصحابه فرآهم خالد بن الوليد فاعتقد أن هذه فرصة لكي ينال من المسلمين بسيفه، فعزم على الهجوم عليهم في وقت صلاة أخرى. ولكن ما كادت تأتي صلاة العصر حتى نزل القرآن بشرعية صلاة الخوف، فصلى النبي مع صحابته صلاة الخوف ففاتت فرصة خالد. قال تعالى : "وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً " (النساء : 102)
وفي طريقه تجنب الرسول الطريق الذي يوجد به خالد، واتخذ طريقا آخر فرعيا بعيدا للبرهان على أنه لا يريد القتال، ويريد إرسال رسالة سلام إلى قريش، وقال صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها".
خيارات الحرب والسلام
وتابع: أثناء ذلك -والنبي يقترب من مكة- جاء بديل بن ورقاء من قبيلة خزاعة وكانوا موضع سر النبي فأخبره أن قريش عازمة على قتاله وصده عن المسجد الحرام، وأنهم قد اتفقوا على ذلك، وكان هذا عينا للرسول صلى الله عليه وسلم، ولما لم يدخر صلى الله عليه وسلم وسعا لكي يعلم قريش أنه ما جاء لقتال إنما جاء معتمرا وليس للمعتمر أن يُصد عن سبيل الله. فلما أبوا وكان هذا تصميمهم وردهم.. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا لم نجئ لقتال أحد وإنما جئنا معتمرين، وإن قريش قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم؛ فإن شاءوا ماددتهم ويُخلُّوا بيني وبين الناس وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإن أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره".
ولفت أبو الورد إلى أن هناك خيارين الحرب والسلام، فعندما تتفاوض مع عدو فلا يصلح أبدًا أن تفاوضه من منطلق الضعف، ولا ينبغي أبدًا أن يكون السلام هو خيارك الوحيد في مفاوضاتك مع العدو، فإن كنت تتفاوض من خلال هذه القاعدة فلا تستطيع أن تملي أو تكسب أي شرط في هذه المفاوضات؛ لأن القوي هو الذي يملي شروطه في المعاهدات والاتفاقات وليس للضعيف إلا أن يستسلم ويقبل بهذه الشروط الجائرة على مضض لأنه ليس له خيار غيرها
ومن ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتلك الخيارين: خيار القتال وهو الخيار الأخير إذا أبوا، وخيار السلام وهو الخيار الأول، الذي برهن بكل الطرق عليه.. ولكن إن أبوا فنحن رجال الحرب.
الدين يضبط تصرفات المسلمين
وأضاف أبو الورد: هذا هو المنطق في الحروب، فلم تكن الحروب في الإسلام لنهب أموال، ولا لانتهاك أعراض، ولا لسلب الأراضي؛ إنما كانت تنطلق باسم الله ولا تنتهك فيها حرمات العدو ولا يجهز على جريح ولا يفسد في الأرض، مثلما يفعل الأعداء إذا دخلوا ديار المسلمين، مثلما حدث في البوسنة والهرسك، وكوسوفا، والعراق، وفلسطين. هذا هو منطق الأعداء في التعامل مع المسلمين إذا كانت لهم الغلبة. إنما المسلمون قوم أصحاب حضارة وأصحاب دين ينطلقون من خلاله، فدينهم يحكم تصرفاتهم في حربهم وفي سلامهم.
وأشار أبو الورد إلى أن اليهود إنما ينطلقون من تعاليم أصحاب الأهواء الذين حرفوا في التوراة وكتبوا التلمود الكتاب الشارح للتوراة، الذي لا يمت للتوراة بكثير صلة بل كتبه أحبار اليهود من عقولهم السوداء ومن نفوسهم المظلمة، كتبوا ما تملي عليهم أنفسهم لا ما يمليه عليهم الدين.
الوساطة بين الخصوم
تابع: النبي صلى الله عليه وسلم وهو في طريقه حدث نوع من الوساطة بينه وبين قريش، جاء بديل بن ورقاء وأخبره النبي بأنه لم يأت لقتال وإنما جاء معتمرا، فأرسل لهم بديل هذه الرسالة، ثم أرسلت قريش للنبي رجلا آخر هو الحليس بن علقمة، ثم مكرز بن حفص، ثم عروة بن مسعود الثقفي، كلهم يأتي يتفاوض مع النبي ويخبره النبي صلى الله عليه وسلم بعزمه على العمره وليس القتال.
ويذهب الواحد تلوا الآخر فيخبر قريش بخبر النبي، ولكن الكبر يمنع قريش من أن تقبل أن يدخل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه معتمرين، ويتحدث الناس أن محمدا دخل على قريش عنوة فتنكسر هيبتهم بين العرب.
حماسة الشباب تحتاج إلى حكمة الشيوخ
وأثناء هذه المحادثات، ولما وجد بعض شباب قريش المتحمسين جنوح زعامات قريش إلى الصلح، أرادوا إفساد الأمر، فأقدم حوالي 70 شابا يريدون أن يشعلوا الحرب بين الطرفين، فأغاروا ليلا على المسلمين، ولكن المسلمين كانوا بحراسة محمد بن مسلمة رضي الله عنه فأحاط بهم هو ومن معه فاعتقلوهم جميعا وسلموهم للنبي، فأطلق صلى الله عليه وسلم سراحهم في بادرة جديدة على أنه لا يريد حربا. وفي هذا أنزل الله تعالى: "وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا" (الفتح: 24).
ولفت أبو الورد هنا إلى أن الشباب المتحمس يحتاج لحكمة الشيوخ كي يضبط هذه الحماسة.. فأي حزب أو فصيل يعيش في أي مكان ولا يستطيع أن يسيطر على أفراده ويضبط حركتهم لن ينجح في تربية هؤلاء الأفراد، وبذلك هو أعجز عن أن يقود دولة.
عثمان.. الجندي والسفير
وأضاف: في هذه الأثناء أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى قريش لكي يبرهن بطريقة أخرى على أنه ما جاء إلا معتمرا، فذهب عثمان واستجار بأحد أقاربه هو "أبان بن سعيد بن العاص" من بني أمية، وأشار إلى أن قريش تعرف قرابة عثمان فلا تستطيع إلحاق أذى به حتى لا تستعدي فصيلاً من داخل مكة، إضافة إلى الذين في خارجها. فكان حكماؤهم يرون أن الحكمة تقتضي أن يسمعوا رسالة النبي ولا يُقتل عثمان.
مشيرا إلى أن قتل السفير في الإسلام وبين الدول الآن معناه إعلان الحرب، حاولت قريش استمالة عثمان بالسماح له بأن يطوف بالبيت، لكن عثمان الذي تربى على يد النبي صلى الله عليه وسلم .. الذي لا يتعدى حدوده مع قيادته، قال: لا والله ما يكون ذلك أبدًا حتى يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بيعة الرضوان
ثم احتبست قريش عثمان لبعض الوقت حتى تتشاور في كيفية الرد على النبي، ولكن هذا الحبس طال، فوصلت إشاعة إلى الرسول وصحابته بأن قريشا قد قتلت عثمان، حين ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا نبرح حتى نناجز القوم، ثم دعا أصحابه إلى البيعة فبايعوه جميعا إلا الجد بن قيس، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيد نفسه فقال: وهذه عن عثمان، أي إن عثمان شاهد معنا هذه البيعة الكبيرة التي نزل فيها قرآن يتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وربما في هذا إشارة إلى أن عثمان لم يقتل.
وفي هذا أنزل الله تعالى في سورة الفتح: "لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا" (الفتح : 18)
وكانت هذه بيعة الرضوان وسماها القرآن الكريم فتحا، بعد ذلك أرسلت قريش عثمان، فلما رجع بايع النبي وكان من أهل بيعة الرضوان.
مفاوضات الأرنب المستأسد
وجدت قريش أنه لا مفر من التفاوض، لكنها أرادت مفاوضات الخائف المتكبر .. أو الأرنب المستأسد ... وسلوك أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي المتكبر الخائف يشبه سلوك قريش في مواجهة النبي بالحديبية.
أرسلت قريش سهيل بن عمرو للتفاوض مع النبي، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: سهل الله أمركم. وقد اشترطت قريش شروطا هي قمة الجور.. ظاهرها هكذا، ولكن سرعان ما تبدى أن في الأمر خيرا عميما للمسلمين.
بنود الاتفاق
وألقى أبو الورد الضوء على أبرز أربعة بنود في هذه الاتفاقية وهي:
الرجوع من عامه هذا فلا يدخل مكة، فإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلاثا، معهم سلاح الراكب، ولا تتعرض لهم قريش بأي نوع من التعرض.
وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض. (اتفاق تهدئة).
من أحب أن يدخل في عهد محمد دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش دخل فيه، وتعتبر القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين جزءا من ذلك الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من هذه القبائل يعتبر عدوانا على ذلك الفريق.
من أتى محمدًا من قريش من غير إذن وليه رده إليهم، ومن جاء من عند النبي صلى الله عليه وسلم تاركا إياهم لا ترده قريش.
موقف صعب وانضباط تام
وقال أبو الورد معلقا: منطق ظاهره معوج، ومع ذلك قبل النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الشروط، وقد كان الصحابة يغلون متبرمين للاتفاق الذي ظاهره الإجحاف والجور. وفي هذه الأثناء جاء أبو جندل ( ابن سهيل بن عمرو) مسلما في قيده فألقى بنفسه بين المسلمين، قائلا: جئت حتى لا يفتنوني في ديني.
فقال سهيل للنبي: هذا أول من أقاضيك فيه. فقال النبي: اتركه فنحن لم نكتب العقد بعد. وعندما أصر سهيل. قال النبي: اذهب معه يا أبا جندل سيجعل لك الله مخرجا وفرجا... وقد أوفى النبي صلى الله عليه وسلم بعهده.
ولفت المحاضر أنه في هذا الموقف الصعب لم يشذ أحد من الصحابة عما اتفقت عليه القيادة، رغم أنهم كانوا في غاية الضيق، ومع ذلك لا أحد يتقدم وينقض أمرا أبرمه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه هي التربية النبوية.
الصحابة في امتحان عسير
أمر النبي الصحابة أن يذبحوا الهدي ويحلقوا، أمرهم ثلاث مرات فلم يستجب أحد .. فقد كانوا في غاية الضيق والهم والحزن من بنود الصلح، فتركهم النبي ودخل على أم سلمة وحكى لها ما كان، فقالت يا رسول الله اخرج إلى القوم فاذبح بُدنك واحلق وسيفعل الصحابة مثلما تفعل، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكلم أحدا ففعل، وفعل الصحابة مثله حتى كاد يقتل بعضهم من الغم والغضب.
قصيتان رئيسيتان للاعتراض على الصلح
لقد اعترض الصحابة رضي الله عنهم قضيتان في هذا الصلح، كانت كل قضية منهما سببا للغم والهم: الأولى هي لِمَ نقبل الصلح ونقبل الدنية ونحن على الحق؟ أما القضية الثانية فهي عدم الطواف بالبيت كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم .
عمر يجسد حال الصحابة
فجاء عمر يمثل جموع المسلمين فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال النبي: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال النبي : بلى. فقال: فعلام نقبل الدنية في ديننا؟! فقال النبي: يا عمر إني رسول الله وإن الله ناصري ولن يخذلني ولن يضيعني.
ولفت أبو الورد هنا إلى ما قاله الشيخ عبد الحليم محمود رحمه الله في كتابه "القرآن والنبي" : "كان فتحا عظيما (صلح الحديبية) وإن بدا في ظاهره أن الشروط جائرة، ولكن الناس يومها لم يكونوا يعلمون ما بين محمد صلى الله عليه وسلم وربه".
ولما قال الرسول ذلك. استراح عمر قليلا. ثم قال يا رسول الله: ألم تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى. فقال: نحن لم نطف.
قال النبي: أقلت لك هذا العام يا ابن الخطاب؟ قال : لا . قال : فإنك آتيه ومطوف به. ولفت أبو الورد إلى أن هذه إحدى معجزاته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه بعد ذلك طاف عمر بالفعل، فقد كان من الممكن أن يموت عمر دون أن يطوف كما أخبره النبي. وقد كان هذا انفراجا للمسلمين، فقد استراح الناس، وأخبر الرسول عمر أنه فتح. فعندما سأله عمر: أفتح هو يا رسول الله؟ قال: نعم إنه لفتح.
الفتح السلمي والفتح العسكري
ولفت أبو الرد هنا إلى رؤية فقهية للعلامة الشيخ يوسف القرضاوي تقول بأن الفتح ليس بالضرورة أن يكون فتحا عسكريا، بل من الممكن أن يكون فتحا حضاريا. أي تفتح البلاد المعاندة صدورها للإسلام ويخلى بين الدعوة فيدخل الناس في دين الله أفواجا. ويكون ذلك فتحا. وهذا هو الهدف من وراء القتال، فإذا خلي بين الناس وبين ما يعتقدون فلا حاجة إلى القتال. فمن الممكن أن يكون فتح رومية الذي بشر به النبي فتحا سلميا حضاريا . والفتح السلمي فتح كما أن الفتح العسكري فتح.
انفراج أزمة المستضعفين
وأشار أبو الورد أيضا إلى أنه جاء أحد المستضعفين المعذبين من صحابة الرسول في مكة اسمه أبو بصير جاء هاربا من قريش إلى رسول الله، فأرسلت قبيلته رجلين في طلبه كما ينص عهد الحديبية فسلمه النبي لهما فأخذاه، ولما كانا في الطريق استغفل أبو بصير أحدهما وقتله بسيفه ففر الآخر ورجع مذعورا إلى المدينة، وجاء بعده أبو بصير وقال: يا رسول الله والله لقد أوفى الله ذمتك وأوفيت بعهدك. ولكن الله نجاني منهم. فقال النبي: ويل أمه مسعر حرب.
فخاف أبو بصير أن يعيده النبي إلى قريش فترك المدينة وذهب إلى سيف البحر، حتى لا يخرق التهدئة أو يسبب حرجا للرسول والمسلمين.
ولفت أبو الورد إلى ضرورة التزام الإخوة في غزة بالتهدئة التي اتفقت عليها الفصائل مع الإسرائيليين بالرعاية المصرية، فالتهدئة في مصلحة المسلمين والفلسطينيين، ومن شأنها أن تعالج الناس، وتدبر طعامهم وتأخذ الوقود.
وأشار إلى أنه لو حدث عدوان في غير غزة يمكن للفصائل أن ترد ولكن ليس من غزة؛ حتى لا نكون نحن الذين خرقنا التهدئة بعد أن بذلت فيها مصر جهودا كبيرة لمصلحة الفلسطينيين.
ثم تابع أبو الورد فقال إن أبا بصير ذهب إلى سيف البحر فكان لا يسمع به أحد من المسلمين المستضعفين المعذبين في مكة إلا ذهب إليه، أصبح ملجأ، حتى كون مجموعة كبيرة من المعذبين الذين تركوا قريشا، فما كانوا يسمعون بتجارة لقريش إلى الشام إلا يغيرون عليها ويأخذون ما فيها. فضجت قريش من هذا الوضع فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلغي هذا البند من المعاهدة، فمن جاء من قريش هاربا إلى المدينة لا يرده النبي
إلى قريش.. وبهذا حلت أزمة المستضعفين،
الاتفاق لم ينص على رد المسلمات
أيضا في هذا التوقيت جاءت بعض المسلمات من مكة إلى النبي فأرسل زعماء قريش في طلبهن، فرفض النبي هذا الطلب، وقال إن الاتفاقية لم تشر إلى النساء.
وفي هذا أنزل الله تبارك وتعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ " (الممتحنة: 10)
فكان النبي يمتحن هؤلاء المؤمنات المهاجرات بآية بيعة النساء
"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " (الممتحنة : 12) فإذا قبلن بذلك لا يردهن إلى المشركين.
بنود التهدئة بين المعاني والمباني
وأشار أبو الورد إلى البنود الأربعة الرئيسية في صلح الحديبية ثم عقب عليها، فقال : هي قراءة في اتفاق التهدئة الذي تم بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش:
كون قريش لأول مرة تقبل التفاوض مع النبي صلى الله عليه وسلم، معنى ذلك أنه اعتراف رسمي بقوة المسلمين وعجز قريش عن مقاومتهم.
عجزت قريش عن استئصال المسلمين، وأن سياسة الاستئصال والقتل فشلت ولم تجد.
وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، هذه فرصة لكي نتفرغ ونصب كل اهتمامنا على الدعوة ونشر نور الإسلام، فلسنا عشاق حرب إنما نحن عشاق دين نريد أن نبلغه للناس، فإذا خلي بيننا وبين الناس لنعرض عليهم الإسلام في أمن وأمان فقد تحقق الهدف ولا حاجة للقتال، وقد تحقق هذا من صلح الحديبية . 10 سنوات تهدئة تنفتح فيها آفاق للدعوة ، ففي خلال سنتين .. زاد عدد المسلمين المقاتلين في الجيش الإسلامي الذين كانوا حوالي 3000 (الذين خرجوا مع النبي والذين بقوا في المدينة) ثم في فتح مكة سنة 8 هـ حين غدرت قريش ونقضت العهد دخل النبي مكة في جيش قوامه 10000 مقاتل؛ لأن جو التهدئة جو الدعوة، فيه تنفتح القلوب على الإسلام وفرصة لنشر خير ونور الإسلام. وللناس حرية الاختيار وفي الغالب يدخل الناس في دين الله لأنه دين الفطرة.
كانت هذه هي الثمرة الحقيقية الكبرى الذي حققها المسلمون من الاتفاق على هذا البند.
وأشار المحاضر إلى أن إسرائيل لم تقبل بالتهدئة إلا بعد أن عجزت عن مقاومة صواريخ المقاومة.
ثم تابع: لقد سقطت هيبة قريش وزعامتها وسط العرب حين قبلت بوجود قوة أخرى غيرها تنازعها في القوة والصدارة.
وقال المحاضر: بالنسبة للبند الخاص برجوع المسلمين من عامهم، ويعتمرون في العام القابل، نجحت قريش في إملاء هذا الشرط وتنفيذه، ولكن في الحقيقة هي خسرت، فقد كانت في الأول تصده عن البيت إطلاقا، أما الآن فقد قبلت أن يدخل المسلمون بعد ذلك، ولكن فشلت في أن تمنع المسلمين جميعا عن دخول البيت.
ولذلك فالشروط التي بدت في بداية الأمر جائرة، ظهر بعد ذلك أنها في صالح المسلمين في مجملها، فقد رأينا هذا في البنود التي عقدت: حل الله أزمة المستضعفين، وحل الله أزمة النساء اللائي هاجرن من مكة إلى المدينة، وهكذا كان صلح الحديبية فتحا مبينا كما سماه القرآن الكريم، ونزل على النبي في ذلك قرآن يتلى إلى قيام الساعة، قال تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا " (الفتح 1-3)
ومن ثم فالمسلمون أصحاب عهود يوفون بها، أصحاب سلام، أصحاب حب للآخرين ولا يبدأون بالاعتداء وليسوا متعطشين للدماء كما يصفهم البعض، وليسودا دعاة حرب بل هم دعاة سلم، لا يحبون الحروب، ولكن الحروب تكون وسيلة إذا اضطروا إليها لتبليغ دعوة الله للناس.
وقد يكون في طيات المحنة منحة وهذا ما حدث للنبي، عندما ظهر ما كان بينه وبين ربه وظهر الخير وانتشرت دعوة الإسلام بعد ذلك، وتفرغ النبي بعد صلح الحديبية للدعوة وراسل الملوك والأمراء وراسل أهل الجزيرة العربية، فأرسل إلى عظيم الروم، وإلى المقوقس زعيم القبط في مصر، وإلى ملك فارس، وأرسل إلى النجاشي، فكان من ذلك فتح كبير، فزاد عدد المسلمين، ودخل الناس في دين الله أفواجا.
وختم أبو الورد محاضرته بالدعاء بأن يمن الله تعالى على المسلمين بالفتح والنصر، وأن يمكن لدولة الإسلام، وأن ينزل على المسلمين المستضعفين المحاصرين الأمن والسكينة، وأن يعمهم ببركته ورحمته، وأن يجعل كيد الأعداء مردودا إلى نحورهم.
|