|
 |
|
فتحي أبو
الورد |
أكد الأستاذ فتحي أبو الورد - مدير مكتب
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بالقاهرة –
أن إصلاح المجتمعات يبدأ من إصلاح الفرد وقد
اقتضت سنة الله تبارك وتعالى ذلك كما ترشد
الآية الكريمة : "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ
مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا
بِأَنْفُسِهِمْ" (الرعد : 11)، وأنه لكي نسلك
طريق الإصلاح الحقيقي لابد أن نعمل على أن
تتضافر كل جهود المجتمع لصياغة الفرد صياغة
إيمانية تربطه بخالقه.
وفي المحاضرة التي ألقاها مساء الأربعاء 14
جمادى الآخرة1429هـ بمقر المكتب (الأمانة
العامة) في إطار موسمه الثقافي الحالي، تحدث
أبو الورد عن الأهمية البالغة للتربية
الإيمانية باعتبارها بوابة إصلاح المجتمعات.
الطريق واضح
ولفت أبو الورد إلى أن طريق الإصلاح واضح ولكن
الذي يبصره هم أهل الإيمان والبصيرة، مشيرا
إلى أن كثيرا من الناس يدعي الإصلاح ولكنه من
الناحية العملية يسلك طريقا غيره ويقتبس من
الشرق ومن الغرب ولكنه سرعان ما يتكشف له أنه
ضل الطريق ويسير إلى سراب.
ماذا كان يصنع النبي صلي الله عليه وسلم في
دار الأرقم ؟
وتحدث أبو الورد عن كيف ربى الرسول الأكرم صلى
الله عليه وسلم صحابته رضوان الله عليهم ،
فتساءل : ماذا كان يصنع النبي صلى الله عليه
وسلم في دار الأرقم ؟وأجاب : كان صلى الله
عليه وسلم يصنع الرجال ، يربيهم ، ويعمق فيهم
الإيمان بالله تبارك وتعالى واليوم الآخر
والبعث ، وذلك وسط مجتمع تسوده أخلاق وعادات
الجاهلية مثل الزنا وشرب الخمر .. إلخ
وأشار أبو الورد إلى أن أول ما نزل من القرآن
الكريم سور من المفصل (السبع الأخير من القرآن
الكريم) فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب
الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو
كان أول ما نزل لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع
الخمر أبدا ً ولو قيل لهم لا تزنوا لقالوا لا
ندع الزنا كما روي البخاري في صحيحه عن السيدة
عائشة رضي الله عنها .
وأضاف إن هذه التربية الإيمانية هي التي جعلت
الصحابة يصمدون أمام اضطهاد وظلم قريش لهم حتى
انتصر بهم الدين . وكان النبي لا يملك في هذه
المرحلة المكية إلا أمرًا ووعدًا ، فالأمر هو
الصبر والوعد هو الجنة (صبراً آل ياسر فإن
موعدكم الجنة).
الإيمان والتغيير
واستشهد المحاضر بمواقف من السيرة النبوية تدل
على مدى التغيير الذي أحدثته التربية
الإيمانية في النفوس ، فتحدث عن شخصية الفاروق
عمر رضي الله تعالى عنه في الجاهلية ثم في
الإسلام حيث بلغ في جاهليته من انحراف العاطفة
حتى وأد ابنته وهي تمسح الغبار عن لحيته لا
يرق لها وبلغ من انحراف العقل حتى صنع صنماً
من عجوة أو من حلوى حتى إذا جاع أكله فلما
أسلم بلغ من سمو العاطفة حتى قال ( لو عثرت
بغلة في العراق لرأيتني مسئولا عنها يوم
القيامة لمَ لمِْ تسوِ لها الطريق ياعمر) وبلغ
من سمو العقل حتى قطع شجر الرضوان التي بايع
الصحابة عندها النبي صلي الله عليه وسلم خشية
أن يطول بالناس الزمان فيقدسونها ويعبدونها ،
وكذلك يقف عند الحجر الأسود فيقبله ويقول (
أعلم أنك لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول
الله صلي الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ) ،
كما تحدث عن إيمان نماذج من الصحابيات
الكريمات مثل السيدة زينب بنت جحش أم المؤمنين
رضي الله عنها التي قبلت الزواج من زيد بن
حارثه إذعاناً لأمر الله تبارك وتعالي (وما
كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضي الله ورسوله
أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)، وكذلك
الفتاه الأنصارية التي قبلت الزواج من خاطب
رسول الله صلي الله عليه وسلم الصحابي الجليل
جليبيب إذعاناً للآية نفسها رغم اعتراض
والديها علي الخاطب في بداية الأمر.
كما لفت إلى فعل الإيمان في سحرة فرعون وكيف
أعطاهم القوة على الوقوف في وجه الطاغية
العنيد ، كيف جاءوا في أول النهار طامعين في
الدنيا (أإن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين)
كما أقسموا بعزة فرعون ثم تغير حالهم بعد أن
آمنوا فأقسموا بخالقهم (والذي فطرنا) وأصبحت
رغبتهم الآخرة (إنا آمنا بربنا ليغفر لنا
خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير
وأبقي) وقابلوا تهديد فرعون بهذه الكلمات
النورانية الحاسمة (لن نؤثرك علي ما جاءنا من
البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما
تقضي هذه الحياة الدنيا).
وقال إنه حين تربي الناس على الإيمان والخوف
من الله ، فأنت تصنع النجاح، فالرجل الذي تربى
على الخوف من الله سيصلح مكان عمله ، ومتى وجد
الفرد الصالح وجدت معه مقومات النجاح بأسرها.
الإيمان هو السبيل
وقال أبو الورد إن الإيمان هو سبيل الإصلاح ،
فلا نستطيع تغيير المجتمعات بدون أن نغير
الفرد ، فبناء المستشفيات ، والمصانع
والجامعات والمدارس والنوادي ... إلخ ، لن
يحدث رقيا أو تقدما إذا لم يصاحبه تغيير في
النفوس ، تغيير في الناس الذين سيستخدمون
ويقودون هذه المؤسسات ، ومن ثم ينبغي ألا نضل
عن سبيل الإصلاح وأن نعرف أن الطريق يبدأ من
إصلاح الفرد الذي يتبعه صلاح الأسرة وما
المجتمع إلا مجموع هذه الأسر.
العلم للعمل وليس للثقافة وزيادة المعلومات
وأضاف إنه في الإصلاح ينبغي أن نصل الناس
بربهم ونعمق معنى الإيمان في قلوبهم ، حتى نرى
ثمرته في الواقع فالإيمان يصوغ الإنسان صياغة
جديدة، لافتا إلى ضرورة أن يكون العلم للعمل
وليس لزيادة المعلومات أو الثقافة العامة
فحسب، مشيرا إلى الصحابة وكيف كانت استجابتهم
الفورية لأوامر الله، وكيف كانوا يتعلمون
ليعملوا وينشروا النور الذي تعلموه بين الناس
، فكانت حياتهم ترجمة عملية لإيمانهم.
وقد آتت هذه التربية الإيمانية ثمارها علي نحو
ما رأينا في موقف نساء الأنصار من آيات الحجاب
، قالت عائشة (إن لنساء قريش لفضلاً وإني
والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد
تصديقاً بكتاب الله ولا إيماناً بالتنزيل ،
لقد أنزلت سورة النور "وليضربن بخمرهن علي
جيوبهن" انقلب إليهن رجالهن يتلون عليهن
ماأنزل الله إليهن فيها ويتلو الرجل علي امرته
وابنته وأخته وعلي كل ذي قرابته ، فما منهم
امرأة إلا قامت إلى مرطها المرجل فاعتجرت به –
والمرط هو كساء من صوف كنا يأتزرن به –
تصديقاً وإيمانا بما أنزل الله من كتابه ,
فأصبحن وراء رسول الله صلي الله عليه وسلم
معتجرات كأن علي رؤوسهن الغربان ) والمعني
أنهن شققن أزرهن واختمرن بها ليسترن شعورهن
وأعناقهن وصدورهن وآذانهن . ومثل هذه التربية
الإيمانية هي التي تجعل المسلم مستعلياً
بإيمانه ثابتاً علي قيمه لا تنحدر به مغريات
الدنيا ولا يسيل لعابه لحطامها وهذا ما بد
جلياً في موقف الأنصار عند توزيع الغنائم بعد
غزة الطائف حيث أعطي النبي صلي الله عليه وسلم
المؤلفة قلوبهم أولاً ثم أعطي من قاتل من
الناس ولكنه لم يعط الأنصار شيئاً حتى ظهرت
مقاله الأنصار (لقي والله رسول الله صلي الله
عليه وسلم قومه) ونقل إليه سعد بن عبادة ما
عليه الأنصار ، فأمره أن يجمع له الأنصار
فأتاهم النبي صلي الله عليه وسلم فقال (يا
معشر الأنصار مقالة بلغتني عنكم ؟ ألم آتكم
ضلالاً فهداكم الله ؟ وعالة فأغناكم الله ،
وأعداء فألف الله بين قلوبكم ؟ قالوا بلي الله
و رسوله أمن وأفضل . ثم قال : ألا تجيبوني يا
معشر الأنصار ؟ قالوا بماذا نجيبك يارسول الله
؟ لله ولرسوله المن والفضل . قال : أما والله
لو شئتم لقلتم فلصدقتم وصدقتم: أتيتنا مكذباً
فصدقناك ومخذولنا فنصرناك وطريدا فآويناك
وعائلاً فآسيناك , أوجدتم يا معشر الأنصار في
أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قومأ
ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا
معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير
وترجعوا برسول الله صلي الله عليه وسلم إلي
رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة
لكنت امرأ من الأنصار ولو سلك الناس شعباً
وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار ،
اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء
أبناء الأنصار . فبكي القوم حتى أخضلوا لحاهم
وقالوا رضينا برسول الله صلي الله عليه وسلم
قسما وحظاً ).
لن نستطيع أن نحل كل مشاكلنا عن طريق القضاء
فالرجل التي يأكل ميراث إخوته، والرجل الذي
لا ينفق علي أولاده بعد طلاق زوجته ، والمرأة
التي تمتنع عن حقوق زوجها بلا مبرر ، والابن
الذي يعق والديه ، والذين يأكلون أموال الناس
بالباطل ، والذين يسخرون من أفراد المجتمع
ويسعون بينهم بالغيبة والنميمة ، والذين
يتطاولون علي الناس بالهجاء ، هؤلاء جميعاً
يمكن أن ينصلح حالهم عن طريق غرس الإيمان في
قلوبهم وتنمية الوازع الداخلي في نفوسهم
فيكفون عن ظلم الآخرين دون الحاجة إلى القضاء
.
آن لمؤسسات المجتمع أن تتجه نحو إصلاح الفرد
واختتم أبو الورد محاضرته بالتأكيد على أنه
ينبغي لكي نسلك طريق الإصلاح الحقيقي أن
تتضافر كل الجهود وتتضافر كل مؤسسات وهيئات
المجتمع لإصلاح الفرد أولا بصياغته وتكوينه
تكوينا صحيحًا ، فلن نستطيع أن نمنع الأخلاق
السلبية بالقوانين وإنما ننجح في ذلك عن طريق
التربية الإيمانية حتى يتصل الناس بربهم تبارك
وتعالى فيكونوا أفرادًا صالحين ، ومن هؤلاء
تنشأ المجتمعات الصالحة ، ونكون بذلك قد طرقنا
أول أبواب الإصلاح وخطونا الخطوات الصحيحة في
الاتجاه السليم للتربية الصحيحة وللإصلاح
والتغيير في المجتمع .
|