|
أكد الأستاذ فتحي أبو الورد – مدير مكتب
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بالقاهرة -
أن الحوار ضرورة حياتية وسنة كونية ، وهو باب
الإصلاح والتغيير ، لا يستقيم أمر الناس بدونه
، ويوم نُغلق أبواب الحوار تُغلق معه أبواب
الخير وتُفتح أبواب الشر .
وفي المحاضرة التي ألقاها مساء الأربعاء 11
مايو بمقر المكتب (الأمانة العامة) في إطار
موسمه الثقافي الحالي ، تحدث أبو الورد عن
قيمة الحوار كإحدى القيم الأساسية في الإسلام
، مبينا آدابه وأشكاله وكيف أرشد إليه القرآن
الكريم وضربت السنة النبوية الأمثلة العملية
عليه في أرقى صور الحضارة .الحضارة .
الحوار أساس الاستقرار
وقال أبو الورد إن الحوار هو الأساس لبناء
الاستقرار ، فأنت لا تستطيع أن تعيش دون أن
تتحاور مع الآخر وتتعامل مع الآخرين ممن
يعيشون معك، فأنت لست وحدك في الحياة ، يعيش معك مسلم على
غير مذهبك الفقهي ،
أو غير مسلم ، أناس لهم تصورات مختلفة عنك ،
فلابد أن تتعايش مع الآخر وأن تسمع منه ..
ينبغي أن يكون الحوار سلوكا شخصيا حضاريا لكل
واحد منا حتى نؤثر في مجتمعاتنا بالإيجاب ،
وحتى نقنع الآخرين بقناعاتنا أو الالتقاء على
قواسم مشتركة بيننا ، لافتا إلى معنى الآية
الكريمة " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا
خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ
لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
خَبِيرٌ " (الحجرات : 13 ) والحوار هو بداية
التعارف .
الحوار في القرآن
وقد ضرب القرآن الكريم الأمثلة المتنوعة
للتأكيد على أهمية الحوار ، مثل : حوار المولى
تبارك وتعالى مع الملائكة ، وحواره تعالى مع
سيدنا إبراهيم عليه السلام ، وحوار إبراهيم مع
النمرود ، وحوار النبي صلى الله عليه وسلم مع
الناس ، وحوار الناس مع الناس في قصة صاحب
الجنة سورة الكهف .
وقد يراد بالحوار النقاش ، وتبادل وجهات النظر
والرأي ، وقد كان صلى الله عليه وسلم من أكثر
الناس مشورة لأصحابه مع أنه مؤيد بالوحي ،
فكان يستمع إلى آرائهم ويحاورهم ويناقشهم في
ما ليس فيه نص ، مثلما حدث في الكثير من
المواقف مثل أحداث غزوة بدر ومسألة الأسرى
بعدها ، وغزوة الخندق ، وكان صلى الله عليه
وسلم ينزل على رأي الأكثرية حتى إذا خالف رأيه
، مثلما حدث في غزوة أحد ، كما ساهم الحوار في
تحقيق الخير العميم للدعوة بعد الحوار في صلح
الحديبية الذي سماه الله تعالى فتحا مبينًا
"إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا"
(الفتح:1)
حوار من السنة
وعرض أبو الورد لأحد النماذج الحوارية الثرية
بالمعاني ، وهو حوار النبي صلى الله عليه وسلم
مع عتبة بن ربيعة ، فقد " روى ابن اسحاق قصة
عن هذا الإنذار قال:حدثني يزيد بن زياد , عن
محمد بن كعب القرظي , قال:حدثت أن عتبة بن
ربيعة , وكان سيداً , قال يوماً وهو جالس في
نادي قريش , ورسول الله [ ص ] جالس في المسجد
وحده:يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه
وأعرض عليه أموراً لعله أن يقبل بعضها فنعطيه
أيها شاء ويكف عنا ? - وذلك حين اسلم حمزة -
رضي الله عنه - ورأوا أصحاب رسول الله [ ص ]
يزيدون ويكثرون - فقالوا:بلى يا أبا الوليد
فقم إليه فكلمه . فقام إليه عتبة حتى جلس إلى
رسول الله [ ص ] فقال:يا ابن أخي . إنك منا
حيث علمت من البسطة في العشيرة والمكان في
النسب وأنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به
جماعتهم , وسفهت أحلامهم , وعبت به آلهتهم
ودينهم , وكفرت به من مضى من آبائهم . فاسمع
مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها , لعلك تقبل
منها بعضها . قال:فقال له رسول الله [ ص ]:"
قل يا ابا الوليد أسمع " . قال:يا ابن أخي إن
كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً
جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ;
وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا
نقطع أمراً دونك ; وإن كنت تريد به ملكاً
ملكناك علينا ; وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً
تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء
, وبذلنا فيها أموالنا حتى نبرئك منه , فإنه
ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه . .
أو كما قال . . حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله [
ص ] يستمع منه قال:" أفرغت يا أبا الوليد ? "
قال:نعم . قال:" فاستمع مني " . قال:أفعل .
قال: بسم الله الرحمن الرحيم . حم . تنزيل من
الرحمن الرحيم . كتاب فصلت آياته قرآناً
عربياً لقوم يعلمون , بشيراً ونذيراً فأعرض
أكثرهم فهم لا يسمعون ثم مضى رسول الله [ ص ]
فيها وهو يقرؤها عليه . فلما سمع عتبة أنصت
لها , وألقى يديه خلف ظهره , معتمداً عليهما ,
يستمع منه حتى انتهى رسول الله [ ص ] إلى
السجدة منها فسجد , ثم قال:" قد سمعت يا أبا
الوليد ما سمعت فأنت وذاك " فقام عتبة إلى
أصحابه , فقال بعضهم لبعض:نحلف بالله لقد
جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به ".
وقد بدا من خلال هذا الحوار الاستهلال الطيب
من عتبة حين نادى النبي ص بقوله يا بن أخي
وهذا النداء من شأنه أن يفتح القلوب لسماع ما
يقال ، كذلك علمنا النبي ص أدب الاستماع
والانصات للآخر في الحوار حين قال : أفرغعت يا
أبا الوليد
الحوار السياسي
وبين أبو الورد أن هناك أشكالا متنوعة للحوار
، منها الحوار السياسي ، والحوار الفقهي ،
والحوار الدعوي ، والحوار الأسري ، وغيرها
وأورد نموذجًا للحوار السياسي ، ما حدث في
أعقاب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ،
واجتماع الأنصار والمهاجرين لمناقشة أمر
الخلافة في ثقيفة بني ساعدة ، وتباينت الآراء
، فقالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير ،
وحدثت خلافات في هذا الشأن فكان لابد من
الحوار لكي نقنع الآخر بأن البيعة ينبغي أن
تكون لأهلها ، وأهلها في هذا الوقت هو أبو بكر
.
فجاء الفاروق عمر رضي الله عنه وقال : ألستم
تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر
أبا بكر أن يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يؤم
أبا بكر ؟
فقالت الأنصار : لا أحد منا تطيب نفسه أن يؤم
أبا بكر .
وحاورهم الصديق رضي الله عنه فأقر بفضلهم
ومكانتهم ومناقبهم وأثنى عليهم ثم قال إن الله
سماكم المؤمنين وسمانا الصادقين وأمركم أن
تكونوا معنا ، قال تعالى " يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ
وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ" ( التوبة
:119) .
وعقب أبو الورد : لكي تقنع الآخرين وتنشيء
حوارًا صحيحًا فلابد أن تعترف للآخر بماله من
مناقب وبما له من فضل وتنزله منزلته ، فقد
أنزلهم أبو بكر منزلتهم وذكر مناقبهم وحمد لهم
صنيعهم وإيواءهم للمسلمين في الهجرة وكان بعد
ذلك من أمرهم أن استجابوا جميعًا .
الحوار الفقهي
وقال أبو الورد إن لكلٍ رأيه ولكلٍ دليله وله
إن شاء الله أجره ، لكن المشكلة أن نجعل
الخلاف في الفرعيات مشكلة كبيرة تحدث القطيعة
والبغضاء ، مستشهدًا بموقف الإمام الشافعي من
الفقيه أبو موسى عندما اختلفا في مسألة ثم
تفرقا ، وعندما قابل الشافعي أبا موسى بعدها
تجنبه أبو موسى فأقبل عليه الشافعي وأخذ بيده
وربت على كتفه وقال : " يا أبا موسى أما
يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة"
. وأشار إلى ما يقوله الحقوقيون من أن الخلاف
في الرأي لا يفسد للود قضية .
الحوار الدعوي
وقال أبو الورد إن صاحب الرسالة هو صاحب خلق
وقيم فينبغي أن تصاحبه هذه القيم وهو يبلغ
دعوة الله ، مشيرا إلى فعل سيدنا مصعب بن عمير
رضي الله عنه عندما أرسله النبي صلى الله عليه
وسلم سفيرًا للإسلام في المدينة المنورة ،
فكان نتيجة حواره بالحكمة والموعظة الحسنة أن
أسلم سعد بن معاذ وكان سيد قومه فأسلم قومه
تبعا له وأصبح لا يخلو بيت من بيوت المدينة من
مسلم أو مسلمة .
وأضاف : كما كان من نتيجة حوار عبد الله بن
عباس رضي الله عنهما عندما أرسله سيدنا علي
بن أبي طالب كرم الله وجهه مع الخوارج أن رجع
منهم نحو 4000 بفضل الحوار .
وتابع : فالحوار مطيتك لتبليغ دعوة الله ،
والحق أبلج والباطل لجلج .
الحوار الأسري
ولفت أبو الورد إلى أن أساس الكثير من
المشكلات الأسرية يرجع إلى غياب الحوار بين
أفراد الأسرة الواحدة ، مشيرًا إلى التوجيه
القرآني للزوجين بالحوار في كل شئونهما ، ومن
ذلك " فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ
مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ
عَلَيْهِمَا " ( البقرة : 233)
وأضاف : إذا غاب الحوار ستعيش الأسرة في ضنك
وتعب وخلاف مستمر ، أما إذا كان الحوار منهجًا
لحل خلافاتها فسيعم الوئام وستختفي المشاكل
الكبيرة من حياة الأسرة .
آداب الحوار
وأرشد أبو الورد إلى أن للحوار آدابًا يجب أن
تراعى حتى يؤتى ثماره المرجوة ، ومن هذه
الآداب :
- تهيئة مناخ الحوار : احترام رأي
الآخر وعدم تسفيهه أو السخرية منه ، مشيرًا
إلى قول الفاروق عمر رضي الله عنه : " لا
يمنعن أحدكم أن يشير برأيه حداثة سنة فإن
العلم لله يورثه من يشاء من عباده" .
- عدم رفع الصوت : ما دمنا نتحدث بهدوء
سيفهم بعضنا بعضًا وسيوصل كل منا إلى الآخر
جوهر فكرته ، أما حين ترتفع الأصوات ستلغى
العقول ولن تستطع أن تفهم الآخر جيدا .
- لغة المنطق والعقل : وذاك ما فهمه
الأعرابي حين قال : " والله ما رأيت محمدا
يقول لشيء افعل ووجدت العقل يقول : لا تفعل .
وما وجدته يقول لشيء لا تفعل ، ووجدت العقل
يقول : افعل" .
- الصدق : عندما تصدق مع نفسك وفي
حوارك سيسمع الآخرون لك وستجد آذانا صاغية .
- تجنب الاستفزاز : فبذلك تعمل على جذب
القلوب ، حتى إذا قابلك أحدهم بالاستفزاز كن
أنت غير مُستَفَزْ .
- تعظيم جوانب الاتفاق : وهو أدب قرآني
أرشد إليه القرآن " وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ
الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا
آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا
وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا
وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ
مُسْلِمُونَ" (العنكبوت: 46) .. عظم جوانب
الاتفاق ، تشبث بها ، فلو تطرقت إلى جوانب
الاختلاف ستحدث قطيعة بينك وبين الآخر ، ولو
ركزت على جوانب الاتفاق وعظمتها ، ستقف على
جوانب مشتركة يمكن أن يلتقي عليها الجميع
ويمكن أن تكون منطلق للتعاون .
- حسن الإنصات : إذا أردت أن يسمع لك
فلابد أن تسمع للآخر . أما أن تريد أن يسمع
الآخر لك دون أن تسمع له فهذا من الإجحاف ولن
يولد هذا نتائج مثمرة .
لابد من الحوار
ولفت أبو الورد إلى أنه في النهاية لابد من
الحوار ، فأي فصيل سياسي يستقوي بسلاحه أو
شعبيته لاستبعاد الحوار يجب أن يعي أن أي لغة
أخرى غير لغة الحوار ستؤدي في نهاية المطاف
إلى الفشل ، فالكثير من الحوادث السياسية التي
نراها تؤكد لنا أن الحوار في نهاية المطاف هو
الذي ينتصر وهو الذي يؤدي للاستقرار في
المجتمع ، مشيرا على الدور الذي لعبة الحوار
في إنهاء الأزمة اللبنانية الأخيرة .
ولا ينبغي إقصاء أي فصيل في المجتمع سواء كان
مسلم أو غير مسلم ما دام يعيش معك ، لا ينبغي
أن تهمش الآخر ، بل لابد أن يأخذ حقه بحسب
طاقته وقدرته ووجوده ومكانته في المجتمع
وتأثيره وحسب عدده . ومن حقه في هذا الشأن أن
يسمح له بالتعبير وإفساح المجال له ليمارس
دوره في المجتمع في ظل الدستور الذي ينص على
أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام . ينبغي أن
تحفظ للآخر مكانته وألا يهمش لأن من شأن
الإقصاء أن ينشيء اضطرابات لا تحمد عقباها في
المجتمع .
والذي نخلص إليه هو أن نتخلق بالحوار وأن
نتخذه سلوكا في حياتنا فإن الحوار كله خير .
|