ÇÊÍÇÏÚáãÇÁ ÇáãÓáãíä
 
Untitled-1

العوا: التصوف ذوق وليس قانون حياة

10-6-2008

شريف علام -موقع الاتحاد

وصف الدكتور محمد سليم العوا -الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين- كلام التصوف الصحيح بأنه جميل، ومحمود أن نحاول تمثله، غير أنه لا يصلح لأن يكون قانونًا لحياة الإنسان المسلم المتقلبة بين الطاعة والمعصية، والتذكر والغفلة.

وفي المحاضرة التي ألقاها السبت 3 جمادى الآخرة 1429هـ بمقر جمعية مصر للثقافة والحوار بالقاهرة عن التصوف، لفت العوا إلى أن كلام التصوف كلام عن أحوال مخصوصة وسويعات قليلة لا يمكن أن تكون هي ديدن المسلم طوال حياته، وإلا خرج من الدنيا، وليس مطلوبًا منا أن نخرج من الدنيا، إنما مطلوب منا عمارة الأرض وبناء الحضارة امتثالا لقوله تعالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [هود: 61].

بداية التصوف

وأرجع د.العوا بداية التصوف إلى أوائل القرن الثاني الهجري؛ حيث لم يكن قد دُوّن بعد، مثله مثل سائر العلوم الإسلامية التي نقلت شفاهة، ثم لما فشت الكتابة وتوسعت الأمصار، ودخل الإسلام بلادا يقرأ أهلها ويكتبون أكثر من العرب، ومع ضعف الذاكرة، بدأ المسلمون في تدوين العلوم، فرأى أهل التصوف أن يدونوا علمهم.

وأشار العوا إلى قول ابن خلدون رحمه الله: "فلما كتب الإحياء (إحياء علوم الدين للغزالي) صار علم التصوف في الملة علمًا مدونًا بعد أن كانت الطريقة (الصوفية) عبادة فقط، وكانت أحكامها تتلقى من صدور الرجال كما وقع في سائر العلوم. كما أشار إلى قوله: إن التصوف "علم محدث في الملة لم يكن".  

التصوف ذوق

وحول تعريف التصوف قال العوا: إن للتصوف تعريفات أكثر من عدد المتصوفة أنفسهم، وأرجع السبب وراء هذا الكم من التعريفات إلى أن التصوف ذوق، وكل ما كان متعلقًا بالذوق (وبالرؤية والإحساس) لا يمكن أن ينضبط بعبارة جامعة مانعة، وإلا جعلنا أحاسيس الناس كلهم في قالب واحد، وهذا محال.

وتابع: فبقدر ما أحس أهل التصوف عبروا، وبقدر ما سمع الكاتبون فيه

من المتصوفين نقلوا، وبقدر ما فهم الكاتبون فيه من غير أهله بينوا؛ وهذا الإحساس الذين نتج عنه التعريف، والنقل الذي نتج عن إحساس الآخرين، والبيان الذي نتج عن محاولة دراسة ما قاله المتصوفة أدى بنا إلى أن يكون عندنا تعريفات أكثر من المتصوفة أنفسهم، وأكثر من المؤلفين في التصوف، وأكثر من الذين شرحوا التصوف في العصور المتأخرة.

وقد أرجع ابن زَرُّوق (من كبار الصوفية) هذا التنوع إلى أن كل واحد يفهم التصوف على طريقته، حيث يقول: "والناس تفهم كل حقيقة على أشكال بعدد الناس".

واستطرد العوا: ومن القواعد التي قالها ابن زروق: "يتعدد الطريق (إلى الله تعالى) بتعدد الأنفاس"، بمعنى أنه في كل لحظة يحدث لك حال جديد يجعلك تنظر إلى الطريق نظرة مغايرة، فتعبر عنه بتعبير مختلف، مشيرًا إلى أن القدماء من أهل الحديث ومن أهل السنة سموا هذا كله بـ"الورع".  

أحوال مخصوصة

وذكر العوا بعضًا من كلام كبار المتصوفة، مثل قول أحدهم: "لا تسألوا عن دقائق هذا العلم، فإنما هي منح إلهية لا تتاح إلا لصاحب ذوق، وصاحب الذوق صاحب صدق، فينفتح له بقدر ما يتحلى به من الصدق"، ولفت إلى أن كلام التصوف الصحيح جميل، ولكن عند تنزيله على أرض الواقع لا نستطيع أن نجد له قاعدة؛ لأن الإنسان يصدق أحيانا ويكذب أحيانا، يطيع أحيانا ويعصي أحيانا، يتوجه إلى الله بقلبه وعقله كله أحيانا، وينسى ويغفل أحيانا أخرى،  فلا يمكن أن يكون الإنسان صاحب صدق في جميع الأوقات والأحوال وإلا كان نبيا أو ملاكا، وأشار إلى الحديث الشريف: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم" [رواه مسلم وأحمد والترمذي من حديث أبي هريرة].

وتابع: فهذا الكلام عن أحوال مخصوصة، عن سويعات قليلة، عن لحظات لا يمكن أن تكون هي ديدن المسلم طوال حياته، وإلا خرج من الدنيا، وليس مطلوبًا منا أن نخرج من الدنيا امتثالا لقوله تعالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [هود: 61]، فمطلوب منا عمارة الأرض وبناء الحضارة.

وأضاف العوا: كلام الصوفية جميل، لكنه ليس قانونا.. كلام جميل نتمثله ونحاول أن نكون أصحاب صدق وتوجه حقيقي إلى الله، نتذكر عندما ننسى، ونستغفر عندما نعصي، ونتوب إذا تكررت منا الذنوب، ولكن لا يمكن أن نعيش هذا الحال إلى الأبد، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته الكرام: "لو تدومون على الحال التي تقومون بها من عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم" [رواه الترمذي].

وقال العوا: إن تعمير الأرض يقتضي هذا الانتقال من حال إلى حال، من  مقامات الطاعة إلى المعصية، وكلما اقترب العبد من المقامات الطيبة الذكية كان أقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وكلما وقع في المقامات المخالفة لها كان عليه أن يستغفر ويعود ويرجع فتصفو نفسه بهذا الاستغفار وهذه التوبة، ولذلك قال القرآن الكريم: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ) [التوبة: 118]، أي شرع لهم وفتح لهم باب التوبة.  

وهذه الأحوال التي يمر بها الإنسان المسلم تقتضي منه مراجعة دائمة، وهذه المراجعة تكفيه، وليس ضروريا أن ينسلك في طريق، أو يكون له شيخ، أو يتبع مذهبا صوفيا بعينه.

إعراض عن الاعتراض

 وذكر العوا نماذج ذات الدلالة من التعريفات الكثيرة للتصوف، مثل قول

الجنيد: التصوف قيام مع الله تعالى بحيث لا يعلمه غير الله. يعني حالة تخصك لا يطلع عليها غير خالقك.

وقول الشبل: التصوف أن تحفظ حواسك، وأن تراعي أنفاسك.

وقال أحدهم: التصوف هو بذل المجهود في طلب المقصود، والأنس بالمعبود، وترك الاشتغال بالمقصود.

وقال آخر: إن التصوف "(محاولة) التخلق بالأخلاق الإلهية، وتصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية، وإخماد الصفات البشرية، والتعلق بالعلوم الحقيقية" (علوم الوحي، وعلوم القرآن، وعلوم السنة).

وقال ذو النون أيضًا: التصوف هو الإعراض عن الاعتراض، فيما قال

المناوي: إنه الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرًا وباطنًا، ومن كلام الجنيد: طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فما خالف الكتاب والسنة فليس منه. ولفت  العوا إلى أن هذا ما يسميه العلماء "التصوف السني"؛ حيث يوجد نوعان من التصوف: التصوف السني والتصوف البدعي (الثاني ستتناوله المحاضرات القادمة).  

ومن جانبه عرف الشيخ محمود خطاب السبكي التصوف بأنه علم يعرف به صلاح القلب وسائر الحواس، ومن ناحية العمل علمك بأحوط الآراء في المأمورات واجتناب المنهيات والاقتصار على الضرورات من المباحات.

أما الشيخ الشعراني فقال: التصوف هو عبارة عن علم ينقدح في قلوب الأولياء؛ حيث تستنير بالعلم بالكتاب والسنة، فكل من عمل بالكتاب والسنة انقدح له من ذلك علوم وآداب وأسرار وحقائق تعجز عنها الألسن.

خلاصة القول

وذكر العوا التعريف الجامع لآلاف التعريفات عن التصوف، والذي وضعه الدكتور مصطفى الشكعة، ويقول: خلاصة القول في تعريفه أنه العزوف عن لذائذ الحياة، ونشدان صفاء النفس، والسعي إلى الحب الإلهي في نطاق السمو الروحي والمجاهدة النفسية.

وأضاف العوا إلى هذا التعريف عبارة: دون ترك عمارة الأرض.

وفي ختام حديثه لفت رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إلى قول الحارث المحاسبي: خيار هذه الأمة هم الذين لا تشغلهم آخرتهم عن دنياهم، ولا دنياهم عن آخرتهم.

وهذا هو حاصل تعريف التصوف الصحيح.. العمل بالكتاب والسنة، والاكتفاء من متاع الدنيا بالقليل اللازم، وترك الاستكثار مما تتركه وراءك بلا نفع، وتحاسب عليه بلا ريب.

   

Untitled Document

تم تطوير الموقع بواسطة ميديا إنترناشيونال