ÇÊÍÇÏÚáãÇÁ ÇáãÓáãíä
 
Untitled-1

العوا : نريد اجتهادا يعيد للدين مجده

5-6-2008

شريف علام - موقع الاتحاد

أكد الدكتور محمد سليم العوا الأمين العام للإتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن القول بإغلاق باب الاجتهاد في الفقه الإسلامي دعوى باطلة تحمل في ذاتها دليل بطلانها ، مشيرا إلى أن الإتحاد يريد من الناس أن يفهموا الدين على النحو الصحيح ويجتهدوا اجتهادا مناسبا للعصر يعيد إلى الدين مجده ، ويجدد النصوص التي تركت .

وقال د. العوا في المحاضرة التي ألقاها الأربعاء بمكتب الإتحاد بالقاهرة (الأمانة العامة) في إطار سلسلة محاضرات بعنوان " قضايا معاصرة" ضمن الموسم الثقافي الحالي للمكتب ، قال : " نحن لا نريد أن يوجد مجتهد مطلق ينشئ مذهبًا ينافس مذهب أبو حنيفة أو مذهب الشافعي ، إنما نريد مجتهد قادرًا على إفتاء الناس بما يحقق لهم مصلحة حياتهم الدنيوية" .

وأوضح العوا أن الإسلام جاء في القرآن الكريم بكثير من الأحكام لكنه جاء بأضعاف هذه الأحكام قواعد عامة تنطبق على حالات لا تحصى يستطيع المجتهد أن يستخرج منها أحكام تفصيلية جزئية لمسائل لا حصر لها ، ومن هنا أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالاجتهاد إذنا مباشرا صريحا ، مثلما قال لسيدنا عمرو بن العاص عندما جاءه خصمان يطلبان أن يقضي بينهما . قال لعمرو : اقضي بينهما . قال : يا رسول الله أقضي وأنت حاضر ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ألم تعلم بأن الحاكم إذا حكم فاجتهد فأصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر .

وأشار العوا إلى حدوث وقائع كثيرة في السيرة النبوية تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد سمح للصحابة بالاجتهاد ، ومنها الواقعة الشهيرة بعد غزوة الخندق وهي واقعة صلاة العصر في بني قريظة .

منشأ الدعوى

وأرجع العوا منشأ دعوى إغلاق باب الاجتهاد إلى الفترة من بداية القرن الثالث إلى منتصف القرن الرابع الهجري ، فمع تطور الزمن وانتشار العلم وتدوينه كانت العلوم الإسلامية قد تكونت وصار لكل مذهب من المذاهب الكبيرة أتباع مقلدون ، وأصبح العلم مشاع ، وأصبح أعداد القادرين على التعلم والتكلم في العلم لا تحصى ، ما ترتب على ذلك فوضى مثل التي نحن فيها الآن ، حيث بدأ كل من يعلم شيئا من السنة النبوية أو سمع بعض دروس الفقه يدلي بدلوه في مسائل لا يستطيع أن يسبر غورها ولا أن يعرف حقائقها ويتصدر لإفتاء الناس .

وتابع العوا : فلما وجد العلماء أن الذين لم يتأهلوا للفتوى يقدمون عليها ، رأوا أن أفضل الحلول لمواجهة هذا الأمر هو إغلاق هذا الباب وأن على الناس أن يقلدوا أحد من الأئمة الذين عرفت إمامتهم . ( الذين عرفت إمامتهم في ذلك الوقت : أبو حنيفة ، مالك ، الشافعي ، أحمد بن حنبل ، الطبري ، الليث بن سعد ، الأوزاعي ) وقالوا بأنه من أفتى بفتوى واحد من هؤلاء الأئمة فلا بأس ، أما أن يجتهد إنسانا اجتهادا جديدا فهذا لا يجوز ، وأطلقوا على هذه القضية قضية إغلاق باب الاجتهاد .

من يملك قفل باب الاجتهاد ؟

وتساءل العوا عمن الذي يملك قفل باب الاجتهاد ؟ وهل هذا الباب قد أغلق فعلا أم لا ؟ وهل حدد النبي صلى الله عليه وسلم أو جاءت إشارة في القرآن الكريم إلى موعد أو تاريخ معين يغلق فيه الاجتهاد ؟ وأجاب العوا بأن الذي يملك قفل باب الاجتهاد هم العلماء المجتهدون ، وأنه لم يحدد القرآن أو السنة موعدا أو تاريخًا محددًا يغلق فيه باب الاجتهاد.

وأضاف شارحا أنه إذا كان الذين قالوا بغلق باب الاجتهاد مؤهلين للاجتهاد فهي دعوى غير مقبولة ، لأنه مادام على وجه الأرض مجتهد فلابد له أن يجتهد حيث لا يجوز له أن يقلد غيره ، مشيرا إلى كلمة الإمام الشافعي في " الرسالة " : " لا يسع من ملك الآلة التي يكون بها الاجتهاد أن يخالف اجتهاده إلى اجتهاد غيره ".

وقال مستطردا : فإذا كان الذين قالوا بإغلاق باب الاجتهاد مجتهدين ، تكون دعواهم باطلة لأنهم هم مكلفون بالاجتهاد ماداموا قادرين عليه ، وإذا كان الذين أغلقوا باب الاجتهاد مقلدين فدعواهم مردودة لأنهم تكلموا في ما لا يجوز لهم أن يتكلموا فيه ، مؤكدا أن هذه القضية تحمل في ذاتها دليل بطلانها .

ولفت العوا إلى أنه على غير ما هو شائع في الكتابات المعاصرة لم يقدم على غلق باب الاجتهاد عدو للإسلام أو جماعة من الجهلة والجامدين ، إنما الذين أغلقوا باب الاجتهاد كانوا قوما من أهل الغيرة على الإسلام ومن أهل المحبة لهذا الدين وفعلوا ذلك من باب الحرص على أحكامه أن يدخل فيها الدخيل ، ولم يقولوا بذلك عداوة أو محاولة لغلق باب التقدم والتطور .

وأشار العوا إلى عدم صحة ما يقوله الكثير من الكتاب المعاصرين من أن

تطور الأمة توقف منذ إغلاق باب الاجتهاد ، مؤكدا أن الإسلام لم يهدم أو يضعف بإغلاق باب الاجتهاد الذي تم في منتصف القرن الرابع حيث ظل التطور الإسلامي مستمرا إلى نهاية القرن الثامن أو التاسع وكانت الأمة الإسلامية الرائدة في العالم ، مشيرا إلى أن الذي تأثر بذلك هو الحركة الفقهية وحدها فيما استمرت الحركة الحضارية الإسلامية في مسيرتها .

رب ضارة نافعة

ولفت العوا إلى أنه كان لمسألة إغلاق باب الاجتهاد تأثير إيجابي ، وهو الذي يظهر في ما حدث من التبحر في صناعة المذاهب ، حيث استمرت حركة الاجتهاد داخل المذاهب إلى يوم الناس هذا ، فلولا دعوى قفل باب الاجتهاد لما استطاع علماء المذاهب أن يطوروا مذاهبهم بالصورة التي عرفناها اليوم . حيث نستطيع اليوم صناعة قانون متكامل من أحد المذاهب الأربعة .

وتابع : فالذي حدث أن علماء المذاهب اضطروا إلى بحث المسائل الجديدة وفق أقوال أئمتهم ، بل إن كثير من هؤلاء المجتهدين كانوا يقيسون على فتاوى السابقين ، حتى بلغوا في حرصهم أن جعلوا أقوال أئمتهم كما لو كانت قواعد يجوز القياس عليها ، وهذا نوع من أنواع التطور العلمي الهائل في الفقه الإسلامي وفي الفكر الإسلامي لم ينشئه إلا دعوى إقفال باب الاجتهاد .

وأضاف العوا أن هذا الغنى والتنوع والتعدد هو الذي يتيح لنا اليوم أن نختار القول المناسب للعصر ، وأن نختار القول المحقق لمصلحة الناس وأن نختار الأقرب إلى النص القرآني أو النبوي . فرب ضارة نافعة .. فهذا التطور سببه ادعاء باطل غير مقبول عقلا بإغلاق باب الاجتهاد .

ولفت العوا إلى أنه يجب أن نقف عند أمرين ، الأول : أن بطلان دعوى غلق باب الاجتهاد لا يتيح لغير المؤهلين أن يجتهدوا ، إنما تقول إنه على الأمة أن توجد في كل عصر مجتهدين ، مشيرا إلى جهود الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين في مشروع " علماء المستقبل" الذي يرمي إلى تخريج علماء قادرين على الاجتهاد لنفع أمة الإسلام .

وأكد العوا : نحن لا نريد أن يوجد مجتهد مطلق ينشيء مذهبا ينافس مذهب أبو حنيفة أو مذهب الشافعي ، إنما نريد مجتهد قادرا على إفتاء الناس بما يحقق لهم مصلحة حياتهم الدنيوية .

لا فكر بغير فقه

ولفت العوا إلى أن هناك فئة كبيرة جدا في المجتمعات المعاصرة تخدعك فتظن أن من حقها الاجتهاد وهي ليست كذلك وهي التي يطلق عليها " المفكرين" ، مؤكدا أنه : ليس عندنا في الإسلام فكر بغير فقه فمن ليس له فقه لا يستطيع أن يكون مفكرا إسلاميا معبرا عن الإسلام ، يمكن أن يعبر عن الفلسفة أو الجغرافيا لكن لا يعبر عن الإسلام ، الذي يعبر عن الإسلام لابد أن يجمع من الفقه قدرا صالحا يمكنه من أن يفهم حقيقة هذا الدين .

كما أشار إلى الصحفيين الذين يكتبون المقالات عن الإسلام متضمنه أحكام مثل الحرام ، والحلال ، والمباح ، والمندوب ، وذلك بدون أساس علمي وهذا كله لا يجوز ، فليس معنى عدم قفل باب الاجتهاد أن نفتح باب الفساد .

التجديد الذي نبحث عنه

وقال العوا إن من يستطيع الاجتهاد هم العلماء الذين درسوا هذا الدين دراسة منهجية ، ولا أقصد بالدراسة المنهجية الدراسة المدرسية أو دخول جامعة الأزهر أو الزيتونة ، إنما أقصد الدراسة العلمية التي تبدأ بالتعرف على القرآن ، والتعرف على السنة ، التعرف على اللغة ، التعرف على الفقه ، التعرف على الأصول ، التعرف على تاريخ التشريع والفقه .

وأضاف أن التجديد الفقهي الذي نبحث عنه هو التجديد المستند على إحياء ما نسيه الناس من الفقه ، التجديد المستند إلى الأصول التي تركت فعندما نتحدث عن التجديد لا نتحدث عن الإفساد والتبديد وتضييع الثروة الفقهية ، لا نتحدث عن إلغاء المذاهب الأربعة ، نحن لا نقبل إلغاء المذاهب نحن متمسكون بالمذاهب استمساكنا بالدين نفسه لأنها طرق التفكير العلمية الإسلامية التي جعلتنا نفهم هذا الدين .

وتابع : نريد من الناس أن يفهموا الدين على هذا النحو الصحيح ويجتهدوا اجتهادا مناسبا للعصر ، اجتهادا يعيد إلى الدين مجده ، ويجدد النصوص التي تركت . فهناك مسائل لا تحصى تركنا فيها النص الأصلي ولجأنا إلى النص الفقهي .

شهادة المرأة

وأورد العوا مثالا على الاجتهاد الخاطيء ، ما أذيع في التلفاز ونشر في الصحف مؤخرا من جدل أثير في ندوة حول شهادة المرأة في الإسلام ، حيث تكلم أحد علماء الأزهر وقال بنتيجة صحيحة لكنه أتى بأدلة خاطئة ، فقد قال بأنه ليس في الإسلام إلا شهادة واحدة للمرأة ، ولا يوجد شهادة امرأتين ، مشيرا إلى أن نص الآية الكريمة " فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى " ( البقرة : 282) لا شأن له بالشهادة ، والدليل : وجود أحاديث كثيرة جدا في البخاري الراوي فيها امرأة واحدة من الصحابيات أو التابعيات أو من شيخات البخاري .

وقال العوا معقبا : هذا ليس دليلا على الإطلاق ، فنحن هنا في باب الرواية ، والرواية تقتضي نقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى النقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا فرق بين المرأة والرجل في العدالة والضبط ، مشيرا إلى إفراد الإمام القرافي فصلا في كتاب "الفرق" باب "الفرق بين الشهادة والرواية " دل على أن الشهادة شيء والرواية شيء مختلف عنها تماما ، ففي القضاء الإسلامي ومنذ أن عرف الناس الإسلام ،

إذا حضر أمام القاضي للشهادة رجل وامرأتين فيقول القاضي لهما أيتكما الشاهدة وأيتكما المذكرة ، ثم يسأل الشاهدة فإن أجابت إجابة سليمة لا تتكلم المذكرة ، وإن أجابت إجابة فيها التباس تستأذن الأخرى للكلام معقبه على كلام الشاهدة . والقاضي يوازن بين القولين ويرجح بخبرته القضائية بين قوليهما .

وأضاف العوا موضحا أنه هنا لا يوجد واحدة تغلب الأخرى ، فإن اتفقتا صارت شهادة واحدة وإن اختلفتا فالترجيح للقاضي ، غاية ما في الأمر أن الشاهد الرجل إذا قال أنه غير متأكد من شهادته تبطل شهادته . أما المرأة فتستطيع أن تقول بأنها غير متأكدة أو تخطأ في شهادتها فتصحح لها المذكرة ويقبل القاضي هذا التصحيح ويعتبر الشهادة شهادة الشاهدة وحدها ، شهادة كاملة غير ناقصة .

وحول الحكمة من هذه المسألة الخاصة بالمرأة في الفقه الإسلامي قال العوا : إن هذا تخفيف من ربكم ورحمة ، تخفيف راعى فيه ربنا تبارك وتعالى الطبيعة الانفعالية للمرأة التي يمكن أن تؤدي إلى أن يغلب على ذاكرتها النسيان حيث نعطيها الفرصة للاستعانة بأخرى . هذه الأخرى جزء من القضية تسألها المحكمة وتأخذ بكلامها إذا كان يمس جوهر المسألة ولا تلقي بالا له إذا كان ثانويا أو لا قيمة له . لقد أعطى الإسلام للمرأة مكنة ومزية ودرجة على الرجل في مسألة الشهادة ترتفع وتتميز بها .

واختتم العوا حديثه بالقول : عندما نتكلم عن الاجتهاد نحن نريد أن نجدد مثل هذا المعنى ، نريد أن نجدد المعنى الذي جاء به الشرع " أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى " لا أن نحولها على شهادتين دون أن يكون هناك نص شرعي أو نلغي المذكرة فنحرم المرأة من مزية من المزايا العظيمة التي أعطاها لها الإسلام . هذا الموقف المتوائم المتوازن بين الدليل الشرعي وبين الواقع العملي هو الذي يجب أن ننتبه إليه عندما نتكلم عن الاجتهاد وعن تجديد الفقه الإسلامي .

   

Untitled Document

تم تطوير الموقع بواسطة ميديا إنترناشيونال