ÇÊÍÇÏÚáãÇÁ ÇáãÓáãíä
 
Untitled-1

أبو الورد: الاجتهاد الجماعي يحقق أقوى مسالك الترجيح

22-5-2008

موقع الاتحاد

الأستاذ فتحي أبو الورد

أكد الأستاذ فتحي أبو الورد -مدير مكتب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بالقاهرة- أن "الاجتهاد الجماعي" يعد من أهم الوسائل التي تحقق للشريعة الإسلامية الغراء تجددها وصلاحيتها لكل زمان ومكان كما أن الكثرة تعد أقوى مسالك الترجيح، مشيرًا إلى أن المجامع الفقهية التي ظهرت في عصرنا الحديث تعد نماذج تطبيقية لهذا اللون من الاجتهاد. وغني عن البيان أن الاجتهاد الجماعي أساسه وجود الاجتهاد الفردي.

وفي المحاضرة التي ألقاها مساء الأربعاء 21 مايو بمقر المكتب (الأمانة العامة) في إطار موسمه الثقافي الحالي، وبحضور جمع من الطلبة والطالبات، ألقى أبو الورد الضوء على مفهوم الاجتهاد الجماعي، مُبينًا معناه وكيف نشأ، مع عرض نماذج عملية له.

وعَرَّف أبو الورد الاجتهاد الجماعي بأنه اجتماع المجتهدين وأهل المشورة لإبداء وجهة نظرهم في مسألة بعينها جَدَّتْ في حياة المسلمين، وظهرت الحاجة إلى الرأي فيها، مشيرًا إلى أن المجتهدين وأهل المشورة هم الذين تتوفر فيهم رجاحة العقل وبُعد النظر، ومعهم أهل الاختصاص (أهل الذكر المراد معرفة رأيهم في المسألة).

وقال: إن المسلمين عرفوا الاجتهاد الجماعي مبكرًا مع وجود أول خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ثم سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه من بعده؛ فقد كان الصديق يجمع رؤوس المسلمين وأهل الرأي فيهم ويستشيرهم في المسائل التي لم يجد فيها نصا من القرآن الكريم أو السنة المطهرة، فإذا اتفقوا على أمر أمضاه، وذلك مثلما فعل في حربه على مانعي الزكاة والمرتدين، وفي مسألة جمع القرآن.

وأضاف: وهكذا كان يفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث كان مجلسه يغص بالشباب إلى جوار الكهول، فقد كان يضم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما الذي كان شابا ومن أرجح الصحابة عقلاً، لافتًا إلى أن العبرة في أهل المشورة  ليست بكبر السن ولا بصغره، إنما بحسن الفهم والاستنباط وحسن الاستيعاب لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحسن الفهم للمسألة المعروضة لأخذ الرأي فيها.

وقال أبو الورد: إن الله تعالى أمر رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه على ما أوتي من الوحي، فقال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) [آل عمران: 159]، وقال في وصف المؤمنين: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [الشورى: 38]، لافتًا إلى أن هذا التشاور يكون في الأمور الاجتهادية التي ليس فيها نص قطعي، ومشيرًا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستشير، حتى قال رواة السيرة والسنة: ما كان أحد أكثر مشاورة لأصحابه من محمد صلى الله عليه وسلم، وفي هذا تعليم للمسلمين بأن يأخذوا بالشورى.

الإجماع السكوتي

وبَيَّن أبو الورد أنه بعد أن يتم التوصل إلى رأي في المسألة محل الاجتهاد يتم إمضاء ما اتفقت عليه الأكثرية، إن لم يتفقوا جميعًا، وقد يكون هناك آخرون لكن لم يتيسر لهم الحضور ولم يتيسر لهم أن يبدوا آراءهم في المسألة، وهذا ما يسميه الفقهاء والأصوليون بـ"الإجماع السكوتي"  أو عدم العلم بالمخالف وهو يعتبر أفضل طريق ممكن لإقرار التشريعات؛ لأن الكثرة أقوى مسالك الترجيح.

وأشار أبو الورد إلى أن الفاروق عمر رضي الله عنه  لم يكن ينتظر حضور جميع أهل الشورى ليأخذ رأيهم، فقد كان منهم علماء وقادة للجيوش خارج المدينة في الفتوحات، فكان يكتفي بأخذ رأي من حضر من الصحابة، ثم إذا اتفقوا على رأي بعينه أخذ به؛ ولا ينتظر حتى يأتي الغائبون جميعًا لكي يبت في المسألة.  

وأضاف: وبهذا لا ينبغي أبدًا أن يؤجل الحكم في القضايا الاجتهادية حتى نأخذ برأي جميع المجتهدين، فإن في ذلك تضييعا لمصالح المسلمين ومشقة عليهم فضلا عن صعوبة تحقيق ذلك، ومن ثم كانت فكرة الإجماع السكوتي أو رأي الأغلبية الحاضرة هي أولى الآراء لأن يؤخذ بها في التشريع لحياتنا العامة، فيأخذ أهل كل بلد برأي الأكثرية أو الأغلبية من المجتهدين في المسائل الاجتهادية.  

شروط المجتهد

وقال أبو الورد: إن هناك شروطًا معينة حددها الأصوليون في المجتهد، وهذه الشروط هي: العلم بكتاب الله، والعلم بسنة رسول الله، والعلم باللغة العربية، وفهم مقاصد الشريعة، ومعرفة مواضع الإجماع ومواضع الخلاف، بالإضافة إلى صحة النية وسلامة الاعتقاد؛ لأن النية المعوجة تجعل الفكر معوجا.

وأكد أن دائرة الاجتهاد محدودة بالأحكام الظنية أو المسائل المسكوت عنها، حيث لا مجال للاجتهاد في المسائل القطعية، مشيرًا إلى أن ظهور المجامع الفقهية في عصرنا يعد من تطبيقات الاجتهاد الجماعي مثل: المجمع الفقهي في جدة التابع لرابطة العالم الإسلامي، والمجمع الفقهي في مكة التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ومجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف في مصر، والمجلس الأوروبي للإفتاء الذي يرأسه العلامة الدكتور يوسف القرضاوي.  

توسيع المسعى

وقدم المحاضر نموذجًا مصغرًا للاجتهاد الجماعي تم تطبيقه الشهر الجاري، عندما عقد أحد المراكز البحثية ندوة حول "توسعة المسعى" في الصفا والمروة، حيث تم مناقشة 15 بحثًا حول المسألة التي دعت إليها الحاجة والواقع، ودفعت أولي الأمر في المملكة لطلب رأي العلماء فيها، والذين أفتى أكثرهم بجواز التوسعة "عَرْضِيًّا" وقد تمثلت المشقة في أداء السعي بين الصفا والمروة للحجاج والمعتمرين على النحو التالي:

-       الازدحام الشديد الذي قد يؤدي على إغماء البعض أو وفاتهم.

-       التقارب الشديد بين الرجال والنساء والذي يصل لحد الملاصقة والملامسة

-       السرقات التي تتم في ظل هذا الازدحام.

وقد جاءت الشريعة وسائر الشرائع السماوية لحفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وهو ما بعرف بالكليات الخمس، ومبنى الشريعة وأساسها قائم على رعاية المصالح ورفع الحرج ومنع الضيق والتيسير لا التعسير.

وذكر أبو الورد أن 14 بحثًا من بحوث الندوة قالت بجواز التوسعة، فيما قال بعدم الجواز بحث واحد، مبينًا وشارحًا أن جمهور العلماء في هذه المسألة يرون جواز التوسعة استنادًا إلى أدلة عدة، منها:  

قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) [البقرة:158]، فقد حددت الآية طول المسعى ولم تحدد العرض، إذًا هذه مسألة من المسكوت عنه، والمسكوت عنه فيه سعة للأمة،  كما أنه لم يرد نص بالمنع، إضافة إلى أن القول بالجواز يستند إلى بعض القواعد الفقهية مثل: "المشقة تجلب التيسير"، و"الأمر إذا ضاق اتسع"، و"تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة"، و"الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص بالتحريم".

 وخلص إلى أن قضية توسعة المسعى قضية مصلحية، أساس النظر فيها جلب المنفعة ودفع المضرة.

   

Untitled Document

تم تطوير الموقع بواسطة ميديا إنترناشيونال