 |
الأستاذ
فتحي أبو الورد |
أكد الأستاذ فتحي أبو الورد -مدير مكتب
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بالقاهرة- أن
سوء الفهم هو الذي أورد الأمة الإسلامية
موارد التهلكة، وهو الآفة الكبرى التي أُتيت
منها الأمة وأوقعتها في مشاكل جمة، داعيا جميع
أفراد المجتمع -والشباب منهم بخاصة- إلى
التحلي بأدب النفس، والفهم الصحيح، ونبذ
التعصب، وذلك إيثارا للوحدة والحب والألفة بين
الناس.
وفي المحاضرة التي ألقاها أبو الورد مساء أمس
الأربعاء 14 مايو بمقر مكتب الاتحاد (الأمانة
العامة) في إطار موسمه الثقافي الحالي تناول
أبو الورد بالتوضيح والبيان مفهوم "حسن الفهم"
باعتباره مفهوما أساسيا ينبغي أن يستوعبه
المسلم ويتحلى بما يدل عليه من معانٍ وأخلاق.
وأرشد إلى خصلتين لا بد أن يتصف بهما الشباب
المسلم حتى يُقْبلَ منه: الصفة الأولى هي أدب
النفس، والثانية هي حسن الفهم أو حسن الفقه.
وأوضح أن أدب النفس نعني به عدم انتقاص الآخر،
وعدم إهالة التراب على المخالف، وعدم تسفيه
آراء المخالفين أو اتهامهم، والتعامل مع الآخر
من منطلق إنساني حضاري، وعلى أساس أخلاقيات
الإسلام التي تحترم الآخر حتى إن كان مخالفا
في العقيدة، إن أدب النفس يفرض على الشباب
المسلم الالتزام حتى يصادف كلامهم القبول،
ويحظى حديثهم مع الناس بالفائدة المرجوة.
حسن الفهم
وقال أبو الورد مرشدا: إنه لا بد للشاب بعد
أن يستكمل أدب النفس أو يعيشه ويلتزم به أن
يتحلى بحسن الفهم، فلا يعترض على ما ليس من
حقه أن يعترض عليه؛ حتى يُقبل كلامه ولا يعرّض
نفسه للسخرية.
واستطرد: حسن الفهم قضية أُتي الإسلام منها
كثيرا، وهي التي عمت بها البلوى، وهي الآفة
الكبرى التي أُتيت منها الأمة المسلمة، ولفت
إلى أن الخوارج لم يؤتوا من باب الإخلاص،
وإنما أُتوا من باب الفهم، فكان سوء فهمهم هو
ما دفعهم إلى أن أساءوا وأفسدوا، وذلك مع كثرة
عبادتهم وتبتلهم.
مشيرا إلى أن الذي قتل علي بن أبي طالب كرم
الله وجهه قال ساعتئذ: فزت ورب الكعبة! أي فوز
هذا الذي يعتقده وقد قتل أحد العشرة المبشرين
بالجنة؟!.
وذكر قول الإمام ابن تيمية فيهم بأنهم: خرجوا
عن أهل السنة والجماعة مع كونهم من أهل الزهد
والعبادة والورع؛ لأنهم عبدوا الله بدون فهم.
واستشهد أبو الورد ببعض آراء السلف الصالح
وأقوالهم في هذه المسألة، مثل قول عمر بن عبد
العزيز رضي الله عنه: "من عمل في غير علم
أفسد أكثر مما يصلح".
وضرب أبو الورد مثلا آخر على سوء الفهم بميسرة
بن عبد ربه، ذلك الشاب الصالح الزاهد الذي
خرجت بغداد كلها تشيعه عقب وفاته، فرغم صلاحه
المشهود كان يضع الحديث.. سأله عبد الرحمن بن
مهدي رضي الله عنه: من أين أتيت بهذه
الأحاديث؟، فقال: وضعتها من عندي ترغيبا للناس
في القرآن!.
وأضاف: فقد أُتي هذا من باب سوء الفهم ولم
يؤتَ من باب الإخلاص، واستدرك بالقول: الإخلاص
أمر بيد الله سبحانه وتعالى، ونحن لا نظن أنه
كان غير مخلص.
وأكد أبو الورد أن سوء الفهم هو الذي أورد
الأمة موارد التهلكة، وأوقعها في مشاكل جمة،
وأوجد بين الناس خلافات كثيرة، وأدى إلى أن
فهموا الإسلام فهما خطيرا، إما مجتزأ وإما
مشوها وإما منقوصا، لافتا إلى خطورة مغزى قوله
صلى الله عليه وسلم: "نضّر الله امرأ سمع
منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه
إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه".
وتابع: نجد كثيرين يحفظون لكن لا يفهمون ما
يحفظون، والحفظ شيء جيد، لكن الفهم هو روحه،
فالحفظ هو الجسد، والفهم هو الروح الذي يحيا
به الحفظ، ولذلك فضل الله بقضية الفهم نبيا
على نبي، فقد فُضِّلَ سليمان على داود
(فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ
آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) [الأنبياء: 79]،
لقد اشترك النبيان عليهما السلام في الحكم
والعلم، ولكن الذي فُضِّلَ به سليمان هو
الفهم، الأمر الذي يلفت النظر إلى مدى خطورة
قضية الفهم.
وذكر أبو الورد جواب إياس بن معاوية على رجل
سأله: علمني القضاء، فقال: القضاء لا يعلم،
إنما القضاء فهم، ولكن قل: علمني العلم.. وقال
عمر رضي الله عنه: "فقيه واحد أشد على الشيطان
من ألف عابد".
وبيّن المحاضر أن التفكير في الإسلام عبادة،
مشيرا إلى كتاب الأديب الكبير الراحل عباس
محمود العقاد حول المسألة، والذي عنوانه:
"التفكير فريضة إسلامية"، كما دلل على عظم
الفهم كذلك بقول ابن القيم رحمه الله: صحة
الفهم نعمة، بل إنها من كبرى النعم التي أنعم
الله عز وجل بها على العبد.
وقال أبو الورد موجها الشباب: إذا فهمت أفلحت
وأصلحت وأنرت السبيل لغيرك، ودللت الناس على
دينهم، وأرشدت الناس إلى ما ينفعهم في دينهم
ودنياهم؛ أما إذا أخطأت الفهم فربما ارتكبت
جريمة في حق نفسك أو في حق الآخرين.
حجارة ودرَّاجات
وضرب المحاضر الأمثلة على سوء الفهم، فقد روى
أن العلامة الدكتور يوسف القرضاوي عندما كان
في زيارة لإحدى الدول الآسيوية، وبعد الصلاة
في أحد المساجد، اصطحب المضيفون
فضيلته لتفقد المسجد الجديد الجميل المعمار،
ولكنه فوجئ بوجود أحجار كثيرة في دورات
المياه، فتعجب من ذلك، وسأل: لِمَ كل هذه
الأحجار؟!، فقالوا: نريد أن نحيي السنة فنتطهر
بعد قضاء الحاجة بالأحجار مثلما كان يفعل
الصحابة، فأرشدهم الشيخ، وبين لهم أن هذا ليس
من السنة، فالصحابة لو أتيح لهم الماء ما
تركوه.
وعلق أبو الورد بقوله: فهؤلاء لم يفرقوا بين
الهدف الثابت والوسيلة المتغيرة، فالهدف
الثابت هو الطهارة، وإذا ما وجد ما هو أفضل من
الحجارة فهو أفضل وأولى بالجواز.
وذكر أبو الورد موقفا طريفا لمجموعة من الشباب
الذين دُعوا إلى وليمة في بيت أحد الشيوخ،
ولكنهم عندما وجدوا الطعام موضوعا على مائدة
قاموا بفكها ووضعوها على الأرض بدعوى أن الأكل
على الموائد بدعة، وأن رسول الله صلى الله
عليه وسلم لم يأكل على خوان قط.. وعندما
انتهوا من الطعام والزيارة وهموا بالانصراف،
وكانوا قد جاءوا على دراجات، وجدوا أن أجزاء
كبيرة من دراجاتهم قد قام الشيخ بتفكيكها،
فاندهشوا وانزعجوا، وحينها قال لهم الشيخ:
لِمَ الانزعاج؟، إن رسول الله صلى الله عليه
وسلم لم يركب دراجة قط!.
تقديم وتأخير
وبين المحاضر أن حسن الفهم تتحلى به العقول
التي تقدم ما يستحق التقديم وتؤخر ما يستحق
التأخير، العقول التي توازن بين المفاسد
والمصالح، وتوازن بين المصالح بعضها وبعض،
وبين المفاسد بعضها وبعض، وترتكب الأخف ضررا
درءا للأشد ضررا، وتقدم الأهم في المصلحة على
الأقل في المصلحة.
وروي أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما
تولى الخلافة أرسل إليه حجبة البيت الحرام
يطلبون أن يأمر بإرسال كسوة للكعبة، لكن عمر
أرسل إليهم يقول: "إني رأيت أن أجعل هذه
الأموال وهذه الصدقات في الأكباد الجائعة، فإن
الأكباد الجائعة أولى بالصدقات من كسوة البيت
الحرام".
وأكد أبو الورد أنه في ظل الغلاء الذي يعيش
فيه الناس اليوم ينبغي أن تقدم الأموال في
قضاء حوائجهم، في هذه الأزمات ينبغي أن تقدم
الأموال على الحج النافلة والعمرة النافلة، إن
حاجات الناس أولى من هذه النوافل.. (أيها
الغني) ادفع هذه الأموال لتحفظ على المسلمين
دينهم، ففي بعض بلاد أفريقيا يقول المنصرون
للجوعى: "اخلع عنك الإسلام ونحن نخلع عنك
الجوع"، ينبغي لهؤلاء أن يقدموا ما يستحق
التقديم، ويؤخروا ما يستحق التأخير، ويرتبوا
الأولويات ترتيبا صحيحا، وهذا من الفقه ومن
الفهم، فما تعدى نفعه إلى الغير أولى مما عاد
نفعه عليك وحدك.
لا إنكار في المختلف فيه
ولفت أبو الورد إلى قضية أخرى وثيقة الصلة
بالفهم، وهي ما أصله الأصوليون والفقهاء بأن
"لا إنكار في المختلف فيه"، فالمسائل التي
اختلف فيها الفقهاء لا يجوز أن تنكر على الغير
فيها أو على مخالفك فيها، فإذا اعتقدت رأيا
وظننت أنه صواب، وغيرك اعتقد رأيا آخر وظن
بدوره أنه على صواب، فلا يجوز عندئذ أن تنكر
عليه، فهذه مسائل خلافية، وذلك حتى تتجنب
البغض والقطيعة والخصومة بينك وبين الغير الذي
يعيش معك في الوطن الواحد، أو في البيت
الواحد، أو في العمل، أو في الحي، أو في
المسجد.
وبين أن هناك إجماعا من الفقهاء على أن
المختلف فيه لا ينكر عليه، مستشهدا بقول
الإمام سفيان الثوري: "إذا رأيت الرجل يعمل
العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا
تنهه"، وبقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله:
"على الداعية ألا يجهد نفسه في إقناع الناس
بالقناعات الشخصية له"، وكذلك بقول الإمام
النووي: "العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه
الأئمة، وأما المختلف فيه فلا إنكار فيه"، فمن
شروط المنكر الذي يُنكر أن يكون مجمعا عليه
بين العلماء أنه منكر.
وأضاف أبو الورد: إنه في بعض المسائل التي رأى
الحنابلة أنه يجوز الإنكار على من اختلف فيها
نجدهم قد قالوا بهذا في الآراء الشديدة الضعف،
ويكون الإنكار هنا ببيان وجه الضعف، وفي ثوب
النصيحة.
تحضر السلف
وقدم المحاضر أمثلة من السلوك الراقي المتحضر
لسلفنا الصالح، وكيف كانوا يتعاملون في مواقف
الخلاف، فروى أن الإمام أبا يوسف -أحد أئمة
الأحناف وقاضي الدولة العباسية- كان يرى أن
الحجامة أمر يستلزم إعادة الوضوء؛ وذات مرة
كان مع الخليفة هارون الرشيد وقد احتجم
(الرشيد)، وكان مالك أفتاه بأن لا وضوء عليه
بعد الحجامة؛ وتقدم الرشيد فأم الناس للصلاة،
فصلى خلفه أبو يوسف ولم ينكر عليه، وقال رجل
لأحمد بن حنبل: ماذا تقول لو أن إماما احتجم وخرج
منه الدم ثم صلى بالناس، أتصلي خلفه؟،
قال: كيف تقول يا رجل؟، كيف لا أصلي خلف مالك
وسعيد بن المسيب؟!، يعني أن هذا هو رأي مالك
وابن المسيب، رضي الله عنهم جميعا.
وروي أن هارون الرشيد لما رأى كتاب "الموطأ"
للإمام مالك ورأى فيه علما وفقها وأدبا أعجب
به، وأراد أن يحمل الناس على العمل به، فقال
له الإمام مالك رضي الله عنه: يا أمير
المؤمنين، لا تفعل، فإن صحابة رسول الله صلى
الله عليه وسلم قد تفرقوا في الأمصار، وقد
أحدثوا في كل مصر علما، وأخشى أن تحمل الناس
على الموطأ فيكون من ذلك فتنة.
وقال أبو الورد: إن الفقهاء يقولون: إن
الاجتهاد يُرَد إذا كان مبنيا على معرفة بشرية
خاطئة، ثم ظهر نقيضه من حقيقة علمية صحيحة،
ومَثَّل لذلك بالذين كانوا يقولون في الماضي
إن أقصى مدة لحمل المرأة قد تصل إلى أربع أو
ست سنوات، ولا ريب أنه يمكننا رد هذا الاجتهاد
الآن بعد أن أثبت العلم الحديث أن ذلك أمر
مستبعد جدا.
وأرشد المحاضر إلى أن علاج داء الخلاف يكمن في
أن نفهم جميعا أن الخلاف الفقهي يكون في
الفروع وليس في الأصول، الأمر الذي لا يعد
سببا للتفرق في الدين، ولا للبغضاء أو الخصومة
أو العداوة، ولكل مجتهد أجره، وإذا وجدت قضية
خلافية فلا مانع من التحقيق العلمي النزيه
فيها، ولكن في ظل الحب والأخوة في الله؛ بغية
الوصول إلى الحقيقة.
التعصب الممقوت
ولفت أبو الورد إلى أمر آخر خطير مرتبط بقضية
الفهم، ألا وهو سلوك "التعصب الممقوت"، مرجعا
سبب ميل بعض الشباب للغلو والتعصب
إلى أسباب عدة، أهمها سببان:
السبب الأول: هو أن كثيرا من هؤلاء الشباب
درسوا -أو حُملوا على أن يدرسوا- مذهبا واحدا
فقط، في حين لم يتعرفوا على المذاهب الأخرى،
وعندما سمعوا آراء أخرى تخالف ما تعلموه ظنوها
خاطئة، مذكرا بما قاله الفقهاء: "من
لم يعرف اختلاف الفقهاء لم يشم أنفه رائحة
الفقه".
والسبب الآخر: استخدام بعض المفتين صيغة القطع
عند تقديم فتواهم، وذلك في عبارات مثل: حكم
الله في المسألة كذا، ورأي الدين في المسألة
كذا... فعندما يسمع العامة هذا الكلام يظنون
أن هذا هو الحكم النهائي في المسألة، فإذا ما
سمعوا رأيا آخر يقولون بخطئه؛ لأنهم ما عرفوا
إلا رأيا واحدا، والإنسان عدو ما يجهل.
وبين أبو الورد أنه نتيجة لذلك حدث نوع من
التمزق بين الأمة، كل يتعصب لمذهب معين، وهكذا
تفشت الخصومة والقطيعة بين الناس في أمر فيه
سعة، ولو فهموه لكانوا في غنى عن كل ذلك.
وقدم مثالا على هذا التعصب الغريب بأن
الشافعية يقولون
بجواز أن يقول المؤمن: أنا مؤمن إن شاء الله،
في حين يقول الأحناف: إنه لا يجوز أن تقول: إن
شاء الله؛ لأن هذا شكّ بنظرهم، فقد نظر
الشافعية إلى المآل، ونظر الأحناف إلى الحال.
وبناء على ذلك تساءل بعض غلاة الأحناف: هل
يجوز لحنفي أن يتزوج بشافعية؟!، فأجاب صاحب له
بالنفي قائلا: لا، فهي تشك في إيمانها، فقال
له الآخر معتقدا أنه توصل إلى حل المسألة:
يجوز أن يتزوجها قياسا على الكتابية!.
إيثارا للوحدة والحب
وقال أبو الورد: إن المشكلة ليست في إصرار
المتعصب على رأيه، ولكنها في إقدامه على تخطئة
الآخر، والعيب على سلوكه، وهو يظن بذلك أنه
يدافع عن السنة.
وفي ختام محاضرته دعا أبو الورد إلى وجوب أن
نتجاوز هذا التعصب الممقوت، وأن ننفتح على
الآراء الأخرى، وألا ننكر على الآخرين فيما
فيه سعة، وذلك إيثارا للوحدة والحب والألفة
بين الناس ما دام الأمر فرعيا، ولا يترتب عليه
الوقوع في المعصية أو الخروج من الملة.. فيجب
أن يتحلى شبابنا اليوم ورجالنا ونساؤنا وطلبة
العلم بهذين الأمرين: أدب النفس، وحسن الفهم،
وهذا ما كان يركز عليه ويذكر به دائما الشيخ
محمد الغزالي رحمه الله.
|