|
القاهرة – أكد العلامة الدكتور محمد سليم
العوا – الأمين العام للإتحاد العالمي لعلماء
المسلمين – أن أحكام النظام السياسي للدولة
الإسلامية ليس فيها شيء قطعي الدلالة، يجب
الوقوف عنده إلى يوم القيامة، وإنما هي تضم
مجموعة من القيم القطعية التي دلت عليها نصوص
لا يمكن أن يدخلها النسخ أو التأويل.
وفي بداية المحاضرة، التي ألقاها العوا مساء
الأربعاء 7 مايو بمقر الإتحاد بالقاهرة، في
إطار موسمة الثقافي الحالي، قال د. العوا إن
كلا منا لديه أمانة يؤديها تجاه الرسالة
الإسلامية على قدر ما يستطيع، منا من يؤديها
في مليون فرد، ومنا من يؤديها في ألف فرد،
ومنا من يؤديها في فرد واحد. وكلهم على نفس
القدر من الأهمية، وذَكَّر بقوله صلى الله
عليه وسلم : "لأن يهدي الله بك رجلا واحدًا
خير لك من حمر النعم"، لكن السؤال هو: كيف
يعمل المسلم.. الداعية، المعلم أو المرشد؟.
وبين د. العوا أن المرشد لديه مجموعة مناهج
يستطيع أن يختار بينها .. فالعصر يفرض منهجًا،
والتربية التي نشأ عليها تفرض منهجًا آخر،
والمخاطبون إذا كانوا من عامة الناس أو من
رجال العلم أو من متوسطي العمر يفرضون بدورهم
منهجا ثالثًا.. فأي هذه المناهج ينبغي عليه أن يتبع؟.
واستطرد بالقول: سنقف هذه المرة وفي المرات
القادمة إن شاء الله لنتحدث عن المنهج الفكري
الذي يسلكه الداعية.. كيف يعمل من الناحية
الفكرية في أوساط الذين يتلقون عنه؟.
وقال العوا إن عمر الإسلام الآن أكثر من 1400
سنة، فهو دين عبارة عن مجموعة عقائد وشرائع
وسلوك وأخلاق وتراث وحضارة، لا بد أنه قد ترك
ملايين البصمات في عقول الأجيال، وهذه البصمات
موروثة في المكتوب وفي المروي شفهيًا، وموروثة
في التقاليد دون أن تكون مكتوبة، ودون أن نعرف
أنها تقاليد إسلامية.
لو بدأنا بالتقاليد.. أنت تتلقى ممن علموك
وتربيت عليهم أنواعًا من الخُلق .. تتلقى من
بعضهم الشدة والعنف، وتتلقى من بعضهم الرفق
واللين، وتتلقى التوسط في الأمور، وتتلقى
الحدية التي لا تقبل منك دون ما هو غاية
المنتهى فيما تريد أن تصل إليه.
وتابع العوا: هذه المناهج يتلقاها
الإنسان في طفولته وشبابه وحال طلبه للعلم،
وعندما يتكون عالم أو مشروع عالم يأخذ من كل
جانب بطرف.. بعضنا يميل إلى هذا المنهج، وثان
يميل إلى منهج آخر... وخيرنا من أخذ من كل
منهج بطرف.. لكنه يحتاج أن يكون أحيانًا من
طلاب الغاية والنهاية، ويحتاج أحيانًا أخرى أن
يكلف الناس ما وسعهم من التوسط والإتيان بما
يستطيعون وعدم إرهاقهم من أمرهم عسرًا، ويحتاج
أحيانًا إلى أن يكون مغرقًا في التفاصيل حتى
ينقل ما عنده إلى من يعلمهم، ويحتاج أحيانًا
إلى أن يكتفي بالقواعد العامة؛ لأن الناس
عندهم من البداهة والقدرة العقلية ما يمكنهم
من أن يستجيبوا لهذه الكليات وينطلقوا منها
إلى الجزئيات.
للمناهج عمود فقري
ولفت العوا إلى أن المناهج المختلفة في
التعامل مع المدعويين والمكلمين والمُرَبين
في البيت أو المسجد أو المدرسة، لها عمود فقري
أو ناظم ينظمها كلها، هذا الناظم فيه رأيان:
الأول يتمثل هذه الآية : "إِنَّا وَجَدْنَا
آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى
آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ" (الزخرف:22) ،
ومنطقهم يقول إنه لا جديد في الدنيا، كل شيء
قديم ومعروف ومستقر، وعليكم أن تعرفوه.
والرأي الثاني يقول بأن لكل زمان أذانا، لكل
عصر طرقا من الاجتهاد ينبغي أن نسلكها، لكل
جيل أنواعا وطرقا من التعليم يحتاجها، لكل فئة
من الناس وسائل تناسبهم لنقلهم مما هم فيه إلى
ما هو أحسن مما هم فيه ..
وتلك القضية يسميها أهل الثقافة والفلسفة
"الأصالة والتجديد".. لقد شهد كل عصر تنافسًا
بين القديم والجديد.
الإسلام يشمل الإنسانية
وقال العوا: كثيرًا ما أقول لإخواني وزملائي
إن الإسلام عباءة ضخمة تشمل المجدد والمقلد،
الذي يسأل عن الحكم فيتبعه، والعامي والعالم،
عباءة تشمل جميع المسلمين بمختلف مذاهبهم،
طائعهم ومذنبهم؛ حيث يدل العاصي إلى طريق
الطاعة، والطائع يوصله لمزيد من الطاعة.
فعندما ننتمي إلى هذه العباءة ينبغي أن نوقن
أولاً أنها تسع الجميع، بل تسع غير المسلمين..
تسع الإنسانية كلها لأن الرسول صلى الله عليه
وسلم بعث إلى الناس كافة؛ بل بعث إلى الثقلين
الإنس والجن، وتشمل غير المسلمين لأنهم أهل
الدعوة.. فالدعوة تكون لغير المسلمين.. أما ما
يقال في المساجد فهو وعظ، وتعليم وإرشاد.
وهنا يتساءل العوا: عندما أدعو تحت هذه
العباءة هل يجوز لي أن أتقيد ولا أتزحزح قيد
شعره عما قاله الأولون، أم يجب عليّ أن أكون
كذلك في بعض الأحيان وألا أكون كذلك في أحيان
أخرى؟
لو نظرنا مثلا إلى العقائد الإسلامية، التي دل
عليها حديث جبريل، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا
يوما للناس فأتاه جبريل فقال: ما الإيمان
قال الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه
وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث، قال ما الإسلام
قال الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا
وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم
رمضان، قال ما الإحسان قال أن تعبد الله كأنك
تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال متى
الساعة قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل
وسأخبرك عن أشراطها إذا ولدت الأمة
ربها وإذا تطاول رعاة الإبل
البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا
الله ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم :
إن الله عنده علم الساعة
الآية ثم أدبر فقال ردوه فلم يروا شيئا
فقال هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم .
(رواه البخاري)
هذا الحديث – يقول العوا - يضع أصول الإسلام
.. فإذا قال أحد المسلمين : أنا لن أدفع
الزكاة، فهذا أمر يخرجه من الملة، أما إذا قال
أنا فقير ليس علي زكاة فهذا أمر لا يخرجه من
الملة... لا يستطيع أحد أن يجدد في أصول الدين
التي ذكرها الحديث، لا يصح لأحد أن يقرر أن
يصلي ثلاث صلوات بدلاً من خمسة مثلا ...
واستطرد : بعض الناس يقولون إن إخواننا الشيعة
يصلون ثلاث صلوات فقط في اليوم، وهذا ليس
صحيحًا، فهم يأخذون برخصة، حيث يرون الجمع بين
الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، أخذًا
بحديث عبد الله بن عباس: صليت مع رسول الله
سبعًا جميعًا وثمانية جميعًا في غير خوف ولا
سفر وفي رواية ولا مطر، وهذا ليس معناه أنهم
ألغوا صلاة من الصلوات، فقد أخذوا بهذه الرخصة
تخفيفًا على أنفسهم، واعتبروها أصلاً لا
استثناء كما نعتبرها نحن، ويصلون بالفعل خمسة
فروض.
وقال العوا مؤكدا : "لا يجوز أن ينقص في
هذه الأركان أو يزاد عليها" وقل مثل ذلك في
الزكاة، الصيام ، الحج ، الإيمان.
الثابت والمتغير
ولفت العوا إلى أنه أحيانًا ما يقال الثابت
والمتغير في الإسلام ، فأوضح أنه
لا يوجد ثابت أومتغير في الإسلام.. يوجد ثابت
فقط . والثاني لا يتغير حكمه ، واجتهاد
المجتهدين فيه هو الذي يتغير.. نظرة الناس
إليه هي التي تتغير، لكنه يظل موجودًا كما هو.
وتابع: طبعًا هناك ثوابت كثيرة ذكرت في القرآن
الكريم والسنة النبوية لكنها لا تدخل في
الأركان ولا في أصول الإيمان، تدخل في الفروع،
ومنها غطاء المرأة المسلمة لكل جسمها ما عدا
وجهها وكفيها، هذا دلت عليه الأدلة التي لا
تحصى ودلت عليه آيات القرآن : "يَا أَيُّهَا
النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ
وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ
عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ
أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا "
(الأحزاب : 59)
فهذا واجب تركته كثيرات من المحترمات، فهذا
الترك مأخذ ومعصية، وفعل لا نحبه، لكنه لا
يخرجهن من الملة، فلا يصح أن نوسع من دائرة
الحكم الصغير إلى أن نجعله حكمًا كبيرًا ولا
الحكم الكبير نضيق من قاعدته فنجعله حكمًا
صغيرًا.
أين تكمن المشكلة؟
وقال العوا: يقابل الواعظ (أو الفقيه
أوالداعية أو المبلغ أو المرشد) الكثير من ذوي
الإيمان الفطري، الذين يسألون عن أمور دينهم
المعتادة، مثل أحكام العبادات، وهنا لا توجد
مشكلة، لكن المشكلة تظهر في الأسئلة المتعلقة بـ افعل ولا تفعل، والحلال والحرام، المتعلقة
بما يجوز أن أفعله أو لا يجوز أن أفعله، بما
ينبغي أن أفعله وما لا ينبغي أن أفعله، وما
يحرم أن أفعله وما يكره أن أفعله.... هذه
الأسئلة هي ما يجري فيها ما نسميه في الفقه
الإسلامي بـ " الاجتهاد"، المطلوب من العالم
فيها بذل منتهى وسعه في المسألة... فإن أصاب
فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد.
ولفت العوا إلى أن هذه القاعدة الإسلامية لا
توجد في أي نظام فكري في الدنيا .. فكل نظام
فكري يقول للمخطئ أخطأت وستعاقب، ولا يقول له
لك أجر.
وتابع: عندما يسأل أحدهم الواعظ : هل يجوز
التصويت في الانتخابات؟، فإذا أجابه بالإيجاب،
تساءل السائل عن كيفية ذلك مع عدم وجود خليفة،
ووجود دولة لا تطبق الشريعة الإسلامية، وهنا
يرتبك الواعظ لأنه ليس عنده إجابة عن هذه
الأسئلة ...
وبين العوا أن العالم لا يستطيع أن يجيب عن
مثل هذا السؤال إلا إذا كان لديه من تحصيله
وعلمه الشرعي اجتهاد متعلق بشكل الدولة
الإسلامية... فإذا كان اجتهاده أنه يجب على
المسلمين أن يقيموا دولة على منهاج النبوة كما
أقامها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بعد
وفاته وأن أي نظام حكم آخر يعتبر نظام حكم غير
إسلامي، فسيجيب السائل: لا تصوت في
الانتخابات، لا تنتمِ للأحزاب، لا تشارك في
العمل العام أو العمل النقابي، لأنه لم يكن
هناك عمل عام أو عمل نقابي في زمن الصحابة!
وبالتالي كل هذا باطل.
وأضاف العوا شارحًا: لو كانت فكرة هذا العالم
عن الدولة الإسلامية ونظامها أنها مسألة
اجتهادية ليست من أصول العقائد ولا الإيمان،
وإنما هي من فروع الفقه، وأن الصحابة
قداجتهدوا فيها اجتهادًا نفعهم في أيامهم وفي
عصور مديدة بعدهم ثم تغير الزمان، وتغيرت نظم
الدول وتغيرت طرق الحكم، وتغيرت – وهذا هو
الأهم – وسائل الاتصال، فلا يمكن أن أحكم في
عصر فيه طائرات، وفضائيات، وإنترنت، وصواريخ
عابرة للقارات، وقوات مسلحة منقولة جوًا
وبحرًا تستطيع في يومين احتلال أرض دولة أخرى
وتأخذ خيراتها وتستعبد أهلها ... بنفس الطريقة
التي أحكم بها عندما كنت أستغرق الأيام
والشهور في السفر على ظهور الإبل والجياد
والبغال والحمير ... لا يمكن أن أطبق نفس
المعايير، المعيار هو تحقيق مصالح الناس، أي
نظام يحقق مصالح الناس ومصالح المحكومين سواء
كانوا مسلمين أو غير مسلمين ، نظام يقبله
الإسلام بشرط عدم مخالفة المسلمات المنصوص
عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية.
وبذلك يمكن أن أشارك بصوتي في الانتخابات
العامة، ويمكن أن يكون رئيس الدولة ملكًا،
ويمكن أن يكون رئيسًا مؤقتًا، بل يجب أن يكون
مؤقتًا ونفتي بذلك الآن، وذلك حتى يتسنى للشعب
محاسبته ومحاكمته إذا خالف القانون والدستور.
وأضاف العوا أنه يمكن أن يكون رئيس الدولة
رئيسًا منتخبًا بغير بيعة مباشرة، تلك التي
كانت تتم بالمصافحة المباشرة وبالقول: بايعتك
على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخلفاء
الراشدين من بعده . فالآن يكفي أن أضع صوتي في
صندوق الانتخاب سواء بالقبول أو الرفض، عندها
أكون قد أديت أمانتي، أما الذين يتدخلون في
هذا الصوت بدون وجه حق فسيحاسبون أمام الله
تبارك وتعالى.
القاعدة الخلاصية
وأكد العوا أن القاعدة الخلاصية في القضية هي
أن يفهم العالم أن جميع المسائل المتعلقة
بنظام الحكم مسائل اجتهادية، بمعنى ليس فيها
نص ملزم لا من القرآن الكريم ولا من السنة النبوية،
وأن ما فيها هو قاعدة عامة تقول : ما حقق
مصالح الناس يجب عمله، وما حقق مفاسد للناس
يجب منعه.
وتابع : ولذلك يقول الإمام الجويني في كتابه
غياث الأمم، عبارة خطيرة جدًا: "ومعظم مسالك
الإمامة خلية عن مدارك القطع، عارية عن مدارك
اليقين" أي إن معظم المسائل التي تتكلم عن
القضايا التي يخوض فيها الناس بشأن رئاسة
الدولة، لا يوجد بها طريقة تمكنك من أن تقول
هذا صواب وهذا خطأ، فكلها مسائل متروكة
للاجتهاد، لا يستطيع أحد بعد أن يجتهد ويستفرغ
وسعه أن يقول مثلاً : الشورى ملزمة يقينًا،
وإنما يقول : الشورى ملزمة في غالب اجتهادي،
أو الشورى معلمة في غالب اجتهادي، أو يقول
الحاكم يجوز أن يؤقت في غالب اجتهادي؛ لكن لا
يستطيع أحد في مسائل السياسة أو في المسائل
المتعلقة بنظام الدولة أن يقطع بأنه وصل إلى
الحق بيقين.
إذًا عندما تكون مسائل الإمامة كلها اجتهادية
فلا يجوز أن نقول فيها بالحل أو الحرمة، فهي
مسائل ليست يقينية أو قطعية.. إذًا يجوز
للواعظ أو المرشد أن يجيب السائل بقوله: انتخب
أو انضم للأحزاب السياسية...
وأضاف العوا : إننا سنجد أنه من مصلحة
المسلمين أن يذهبوا إلى قسم الشرطة لاستخراج
بطاقة الانتخاب، حتى تغلب أصوات الصالحين
وتستطيع الإتيان بالحاكم الصالح، وحتى لا تسود
أصوات غير الصالحين.
لا اجتهاد في الأصول
وقال العوا إن ما نريد أن نصل إليه في هذا
الباب أن الواعظ ، والداعية أو المعلم ,
والمرشد .. إلخ لا يجوز له أن يجتهد اجتهادًا
جديدًا في أصول الإسلام ، وكل أمر مبني على
الاجتهاد ليس فيه دليل قطعي من القرآن الكريم
أو من السنة النبوية يجب على أهل كل عصر أن
يجددوا فيه اجتهادًا. ولا أقول يجوز بل يجب..
كل أمر اجتهادي يجب على أهل كل عصر، علماء كل
عصر، مفتين كل عصر، مجددي كل عصر أن يجددوا
فيه اجتهادًا؛ لأنهم هم الأدرى بمصالح الناس
في عصرهم ، وهم الأدرى بالعادات والتقاليد
والعرف في عصرهم ، وهم الأدرى بما يؤدي إلى
تقدم الإسلام في عصرهم أو بما يؤدي إلى تأخره.
واستطرد العوا: وعلى هذه الأشياء كلها يجب أن
يجري الاجتهاد ، ليس على النصوص فقط .. النصوص
تفهم على أوجه كثيرة؛ لأن اللغة نفسها تفهم
على أوجه كثيرة، لكن كيف يفهم النص في وقت
معين بما يؤدي إلى تحقيق المفسدة فأمنع
المفسدة وآتي بالمصلحة .. هذه مسألة متغيرة من
زمان لزمان، ومن مكان لمكان في الزمان
الواحد...
وضرب العوا أمثلة على اختلاف الفتوى باختلاف
الأوضاع لاعتبارات ديمغرافية أو اجتماعية،
فمثلاً ما حدث في لبنان بين عامي 2000 و 2006
من حروب كثر فيها القتلى وبالذات من المسلمين
وعلى وجه الخصوص من المسلمين الشيعة ، الأمر
الذي أدى إلى ترمل أعداد كبيرة من النساء ، في
مقابل تراجع أعداد الرجال، فكانت الفتوى
الشيعية الواجبة أن الناس القادرين على تعدد
الزوجات لابد - وليس يجوز - أن يتزوجوا،
وذلك حتى لا تتأيم النساء ويتناقص عدد
المسلمين.
وقال العوا: الفتوى في بلد مثل مصر فيها 80
مليونًا تقريبًا ، يزدادون مولودين كل خمس ثوان
حسب أحد الإحصاءات، فهنا يمكن أن تكون الفتوى
مختلفة، فيمكن أن نضع أنواعًا من الزواج لا
تؤدي إلى كثرة الإنجاب، ومن الممكن أن نفتي
بطرق لمنع زيادة النسل، إذا كانت الدولة محتاجة إلى هذا، والأمر كله يتوقف على المصلحة
وليس فيه نص قطعي.
وأضاف: إنه إذا اعترض أحدهم هنا مستشهدًا بقول
الرسول صلى الله عليه وسلم: تناكحوا تناسلوا
فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة...
نرد عليه بالقول: هذا صحيح، لكن يوجد ظرف محلي
أدى إلى تخصيص هذا الحديث العام.
وقدم العوا مثلاً آخر يتعلق بالاجتهاد في
مسألة تعدد لزوجات، فعندما قال الله تعالى :
"وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ
النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ
كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا
كَالْمُعَلَّقَةِ ..." ( النساء : 129)
فقد أجاز الجمع مع نفي العدل القلبي، وحذر من
أن يكون هذا النفي للعدل مطلقا فقال: "فَلاَ
تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ" والميل مسألة
قلبية... لا يستطيع أحد أن يقول ممنوع تعدد
الزوجات، لكن أقدر أنظم المسألة، منع التعدد
ينافي النص، تنظيم التعدد لا ينافي النص ...
إيجاب التعدد على الناس في حالة وجود عدد كبير
من النساء بغير أزواج أو من الأرامل بعد أن
قتل أزواجهن في الحرب .. حكم شرعي فقهي يجتهد
فيه المجتهدون، أما منع مثل هذا الأمر مثلما
هو حادث في تونس فمخالف للشرع، أما مثلما هو
في الأردن بإذن القاضي أو في مصر بجواز طلب
الزوجة للطلاق خلال سنة إذا تضررت من زواج
زوجها بأخرى ... كل هذه التنظيمات والاجتهادات
جائزة شرعًا، لكن المنع المطلق غير جائز
شرعًا...
ولفت العوا إلى أن هذا هو الفرق الدقيق بين
مسألة يجوز فيها الاجتهاد، ومسألة لا يجوز
فيها الاجتهاد... فإذا كانت من المسائل
الأصلية لا يجوز فيها الاجتهاد أصلاً (التي
ذكرناها في حديث جبريل) إذا كانت من مسائل
الفروع يجب فيها الاجتهاد .. وهذا الاجتهاد
يتغيا تحقيق المصلحة ومنع المفسدة.
هل المصلحة والمفسدة دائمتان؟
وتساءل العوا: هل المصلحة والمفسدة دائمتان؟
وأجاب بقوله : لا، متغيران من يوم ليوم، ومن
زمن لزمن، ومن مكان لمكان في نفس الزمان؛ لذلك
قال القرافي : "إذا جاءك مستفت يستفتيك فلا
تجره على عرف بلدك والمسطور في كتبك، ولكن
اسأله عن عرف بلده والمعمول به في قومه فإن
الجمود على المنقولات (في الكتب) ضلال في
الدين" .
وأضاف : الخلاصة أريد أن أقول إن النظام
السياسي للدولة الإسلامية ليس فيه شيء قطعي
الدلالة، قطعي الورود يجب الوقوف عنده إلى يوم
القيامة، وإنما فيه قيم مثل العدل، والمساواة،
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. هذه القيم
قطعية دلت عليها مجموعات من النصوص لا يمكن أن
يدخلها النسخ أو التأويل، لكن ليس فيه حكم
تفصيلي جزئي لا يجوز مخالفته .. لماذا؟ لأن
جميع الأحكام التفصيلية الجزئية كما قال
الجويني : خلية عن مدارك القطع عارية عن مسالك
اليقين، فلا يجوز لأحد أن يدعي فيها أنه بلغ
درجة القطع أو درجة اليقين.
وتوصل العوا إلى نتيجة مؤداها أنه: لما نأخذ
هذه المسألة السياسية فستدلنا على الأحزاب،
وتدلنا على مدة الحاكم واختصاصاته، تدلنا على
الدستور، تدلنا على حكم أن تكون المرأة رئيسة
لدولة عصرية أم لا، تتولى القضاء أم لا، تتولى
الوزارة والسفارة أم لا، تدلنا على موقف
المرأة من العمل العام... كل هذا وعشرات
المسائل الأخرى سنخرج بها من رحم سؤال واحد:
هل في النظام السياسي الإسلامي حكم قطعي لا
يجوز مخالفته، أم أن أحكام النظام السياسي
الإسلامي أحكام اجتهادية؟.
وأكد العوا أن: الذي يصل إلى ما وصلنا إليه من
أنها أحكام اجتهادية سيفتح باب الاجتهاد
واسعًا لكل بلد وشعب وإمام ولكل قادر على
التفكير في عصره، والذي يصل إلى أنها أحكام
تقليدية لا يجوز مخالفتها ونص عليها الإمام
أبو يعلى والإمام الماوردي وابن جماعة في
كتبهم، الذي يقول إنها تقليدية، وينبغي أن
نقلد فيها هؤلاء العلماء لن يجتهد في أي شيء..
وهذا نقل ما كان في الماضي إلى الحاضر بغير
بينة، وهذا لا يجوز.. الذي يجوز هو أن يجتهد
المجتهد في ضوء الأحكام العامة الكلية التي
تأمر (باختصار شديد جدًا) بتحقيق المصلحة ودرء
المفسدة.
وتابع العوا: لذلك فالإمام العز بن عبد السلام
وهو يؤلف كتابه " قواعد الأحكام في مصالح
الأنام" قال هذه العبارة : "كل تصرف تقاعد عن
تحصيل مقصودة فهو باطل" ... أي تصرف تعمله، أي
رأي تصل إليه، أو فتوى تفتيها لا تؤدي النتيجة
التي تريدها يكون كلامك باطلا . وباطل هنا لا
يعني حرامًا لكن يعني : مردودا على صاحبه،
عاطلا عن العمل ، لا يؤدي إلى نتيجة .. الباطل
في الشريعة : ما لا أثر له.
واختتم د.سليم العوا محاضرته بقوله: نحن نفكر
في مسألة الاجتهاد والتجديد من هذا الباب، باب
تحقيق مصالح المسلمين ودرء المفاسد عنهم، من
باب أن كثيرًا من الأحكام الشرعية ليس فيها نص
قطعي وإنما فيها قيمة كلية ، فعلينًا أن نحافظ
على القيمة الكلية، وليس علينا حرج إن خالفنا
النصوص الجزئية لأنها نصوص ليست قطعية الورود أو ليست
قطعية الدلالة أو ليست قطعية فيهما معا ..
وبهذه الطريقة نفكر في كثير من المسائل
الاجتهادية التي سنتحدث فيها إن شاء الله في
المرات القادمة حتى نهاية هذا الموسم الثقافي
.
استمع إلى سلسلة
"قضايا معاصرة":
|