|
القاهرة - أكد الأستاذ فتحي أبو الورد - مدير
مكتب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
بالقاهرة - أنه ليس لأحد كائنًا من كان أن
يحرم ما أحل الله سبحانه وتعالى ، معتبرًا أن
ذلك يمثل اعتداء على حق الله تبارك وتعالى وحق
رسوله صلى الله عليه وسلم .
جاء ذلك في المحاضرة التي ألقاها أبو الورد
الأربعاء 30 إبريل بمقر المكتب ، والتي علق
فيها على نص الوثيقة التي أصدرها مؤتمر اليورو
أوسطي الذي انتهت أعماله في اليونان في الـ 30 من مارس
الماضي ، ونصت على تجريم تعدد الزوجات ، حيث
أصبحت بذلك الدول المشاركة في المؤتمر والتي
وقعت على الوثيقة ملزمة بتجريم التعدد وسن
قوانين تعاقب عليه ، ومن الدول العربية
المشاركة : مصر ، سوريا ، ليبيا ، الجزائر ،
المغرب ، تونس .
وقال أبو الورد إن هذه الوثيقة تعد مخالفة
صريحة للنص القرآني الذي يبيح التعدد في قوله
تعالى " فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ
النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ "
(النساء : 3) ، مؤكدًا أنها ( الوثيقة) تعد
محاولة من محاولات الغرب الرامية إلى تفكيك
الأسرة المسلمة ، فالغرب عندما شاهد تماسك
الأسرة المسلمة في مقابل التشرذم الأسري عنده
، أراد لنا أن نقع فيما يعاني منه .
سوء التطبيق لا يعني إلغاء المبدأ
وبين أبو الورد أن الذي شرع الزواج هو الذي
شرع الطلاق ، وهو سبحانه الذي شرع التعدد ،
فكل من عند الله ، الذي يعلم ما يصلح المرأة
والرجل على حد سواء " أَلَا يَعْلَمُ مَنْ
خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" (الملك
:14) وقد أباح الإسلام التعدد بشرطي العدل
والقدرة.
وأضاف أبو الورد : والحق أن ظهور الحالات
السيئة في المجتمع من عدم رعاية الأطفال
وإهمال حقوق الزوجة ليس نتيجة للتعدد وإنما
نتيجة لسلوك الرجل الذي جاوز العدل ونكص عن
تحمل المسئولية ، لافتًا إلى أن التفكك الأسري
موجود في الأسر التي اكتفى فيها الزوج بزوجة
واحدة ، وموجود كذلك في الأسر التي عدد فيها
الزوج بأكثر من واحدة ، إذًا لا يصح أن نحصر
المشكلة في التعدد ، مؤكدًا أن هؤلاء الذين
أساءوا في حق أسرهم لم يعرفوا معنى الأسرة وقد
أخطئوا في حق أنفسهم وفي حق الإسلام ، مذكرًا بأن سوء التطبيق لا يعني
إلغاء المبدأ .
أين المصلحة في
تجريم التعدد؟!
وقال أبو الورد إن الفقهاء قرروا أن تصرف الإمام
على الرعية منوط بالمصلحة ولا يجد عاقل أو
عاقلة أي مصلحة للرجل أو المرأة أو المجتمع في
تجريم التعدد ، وإذا كان من مصلحة الزوجة
الأولى كما يقول العلامة الدكتور القرضاوي أن
تبقى وحدها على عرش الزوجية ورأت أنها ستتضرر
من زواج زوجها بأخرى فإن من مصلحة الزوج
التزوج بأخرى تحصنه عن الحرام أو تنجب له ذرية
يتطلع إليها ، وإن من مصلحة الزوجة الثانية
كذلك أن يكون لها نصف زوج تحيا في ظله وتعيش
في كنفه وكفالته ، بدلاً من أن تكون عانسًا أو
مطلقة محرومة طوال الحياة ، ومن مصلحة المجتمع
أن يصون رجاله ويستر على بناته بزواج حلال
يتحمل كل من الرجل والمرأة مسئوليته فيه عن
نفسه وصاحبه وما يرزقهما الله من ذرية .
العدل المطلق أم العدل الممكن؟!
وقال أبو الورد إنه قد يستدل البعض على تجريم
التعدد بقوله تعالى " وَلَن تَسْتَطِيعُواْ
أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ
حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ
فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ " (النساء
:29) وذلك لاستحالة تحقيق العدل، فبين أن
هؤلاء لم يفهموا الآية أو أنهم يحرفون الكلم
عن مواضعه ، وكان يكون استدلالهم صحيحا لو قال
تعالى " وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ
بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ "
ولم يزد على ذلك ، كما يقول الشيخ رشيد رضا في
تفسير المنار . ولكنه لما قال "فَلاَ تَمِيلُواْ
كُلَّ الْمَيْلِ" فعلم أن المراد بغير
المستطاع من العدل هو العدل الكامل ، الذي
يحرص عليه أهل الدين والورع ، وهو ظاهر من
قوله تعالى "وَلَوْ حَرَصْتُمْ "؛ فبين سبحانه
أن المراد من العدل هو العدل الممكن وليس
العدل الكامل الذي يعم أعمال القلوب والجوارح
وهذا هو المستطاع ، ولا يكلف الله نفسًا إلا
وسعها .
وأضاف المحاضر أن العدل المطلق الذي يقتضي
المساواة بين الزوجات في كل شيء حتى في الميل
القلبي والحب غير ممكن وغير مستطاع، وقد كان
النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه في
النفقة والملبس والمبيت ثم يقول: اللهم هذا
قسمي فيما أملك فلا تلمني في ما تملك ولا أملك
، يعني أمر القلب.
ما البديل عن التعدد؟
وتساءل أبو الورد عن البديل عن
التعدد، وأجاب بالقول: والبديل عن التعدد هو
انتشار العلاقات غير المشروعة وما يسمى
بالزواج السري والعرفي وغيرهما، وهذا ما يراد
الوصول إليه وقد نظر الشيخ الغزالي نظرة عقلية
إلى موضوع التعدد، حيث قال رحمه الله إنه إذا
كان عدد الرجال مساويا لعدد النساء في بلد ما
فهنا لا توجد مشكلة ، وإذا كان عدد الرجال
أكبر من عدد النساء أيضا لا توجد مشكلة . أما
إذا كان عدد النساء أكبر فهنا توجد المشكلة لا
ريب، وإذا لم نقبل بالتعدد الشريف بضوابطه
الشرعية، فلا مناص من التعدد الموجود الآن في
أوروبا والغرب عامة، وحين نضيق دائرة الحلال فلا
مفر من توسيع دائرة الحرام.
التعدد ليس صناعة إسلامية المنشأ
ولفت أبو الورد إلى أن التعدد كان موجودًا قبل
الإسلام فقد أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة
فأسلمن معه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن
يختار منهن أربعة ويفارق الأخريات، وأسلم
عميرة الأسدي وتحته ثماني نسوة، وأسلم نوفل بن
معاوية وتحته خمس نسوة فأمرهما النبي بمثل ما
أمر به غيلان الثقفي . فلم يكن التعدد بصناعة
إسلامية المنشأ وإنما كان موقف الإسلام تجاه
التعدد هو الضبط والتهذيب والترشيد .
أختاه آن لكي أن تغاري على دينك
وأكد أبو الورد أن مشكلة المرأة اليوم ليست مع
زوجها الذي يريد أن يتزوج بأخرى عليها، وإنما
مشكلتها مع الذي يريد تحريف الكلم عن مواضعه
وتبديل شريعة الرحمن .
وأضاف : آن للأخت المسلمة أن تغار على دينها
في هذا الموضوع ، وتقول : إن التعدد جزء من
النظام التشريعي للأسرة في الإسلام أومن به
وأعتقد إباحته حتى وإن كنت لا أتمنى أن
يشاركني في زوجي امرأة أخرى.
وختم أبو الورد محاضرته بقوله: وأخيرًا يبقى
التعدد بضوابطه الشرعية كالدواء في الصيدلية
يطلبه من يحتاجه.
|