|
د. عصام البشير*
مفاهيم "الخطاب" في السياقات
المختلفة
 |
د. عصام البشير |
للخطاب مفهومان.. المفهوم الأول أصيلٌ، ثابتٌ،
بسيطٌ غير مركّب، عرفته العرب وورد في القرآن
الكريم، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه و
سلم، وفي المعاجم اللغوية الأولى.
أما المفهوم الثاني ؛ فإنه معاصر وذو طبيعة
تركيبية يتعدَّى بها الدّلالةَ اللغوية، إلى
المدارك الفلسفية، والأبعاد السياسية،
والمرامي الإعلامية.
وتتوضح الفروق بين الدلالات حسب السياقات التي
تُورد فيها.
أولاً: على مستوى المفهوم اللغوي:
جاء في لسان العرب، الخطاب والمخاطبة: مراجعة
الكلام، وقد خاطبه بالكلام مخاطبةً وخطاباً،
وهما يتخاطبان. وفصل الخطاب: أن يفصل بين الحق
والباطل ويميّز بين الحكم وضده.
والخطاب كما قيل: هو الكلام الذي يُقصد به
الإفهام، إفهام من هو أهلٌ للفهم، والكلام
الذي لا يقصد به إفهام المستمع، فإنه لا يسمى
خطاباً.
ثانياً: على مستوى المفهوم القرآني:
وردت في القرآن الكريم مشتقات خَطْب تسع مرات،
وورد لفظ خطاب ثلاث مرات، والذي يعنينا منها
الآن مما يناسب المقام هو قوله تعالى: "وشددنا
ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب"(1).
ونلاحظ في سياق ورود لفظ "خطاب" في هذه الآية
الكريمة أن الخطاب مقرون بالحكمة.
وهنا مجالٌ فسيحٌ للتأمل والاستبصار والتدقيق
في اكتناه المعنى العميق للفظ "خطاب"، مما
يخرج به عن المفهوم اللغوي بحسبانه مراجعةً
للكلام، أو الكلام الذي يقصد به الإفهام،
ويرتقي به إلى مستوى أرفع شديد اللصوق بمعنى
الحكمة التي هي وضع الأمور في حاقِّ موضعها
وتدبيرها على ما ينبغي لها.
ويَتَلاقَى المفهومان اللغوي والقرآني، في
التأكيد على الدلالة السامية للخطاب، على
اعتبار أن "فصل الخطاب" لا يتم على الوجه
الأفضل، إلاَّ إذا اقترن بالحكمة، وكان القصد
منه تبيان وجه الحق على أكمل الوجوه وأتمها.
ثالثاً: على مستوى المفاهيم الحديثة:
الخطاب اصطلاح فلسفي، يقارب في الدلالة
"المقولةَ الفلسفية". فالخطاب الفلسفي لفلان،
هو منهاجه في التفكير والتصوّر وفي التعبير عن
أفكاره وتصوراته، وهذا الخطاب يَتَعَارَضُ أو
يَتَوَافَقُ مع الخطاب الفلسفي لـعِـلاَّن.
ودخل هذا المفهوم في الفكر السياسي المعاصر،
فصار الخطاب السياسي، منطوياً على المنظومة
الفكرية والمضمون الإيديولوجي، مما يجعل
الخطاب السياسي لهذه الجماعة معبراً عن
عقيدتها السياسية واختياراتها المذهبية،
فالخطاب في هذا المقام ليس مجرد أسلوب
للتبليغ، وطريقة للتعبير عن الرأي والموقف..
لكنه، أيضاً، الوعاء المعبّر عن العقيدة
والروح والفلسفة والمذهب.
وينطبق هذا المفهوم أيضاً، على الخطاب
الثقافي، والخطاب الأدبي، والخطاب الفني،
والخطاب الإعلامي، وإن كان الخطاب الإعلامي
أكثر استيعاباً للمضامين الواسعة، بحيث يمكن
أن يستوعب المستويات الخطابية جميعاً، فيكون
الخطاب الإعلامي الديني، والخطاب الإعلامي
الفلسفي، والخطاب الإعلامي السياسي... إلخ.
وإلى هذا المعنى تنصرف الأذهان عند الحديث عن
الخطاب الإسلامي، باعتبار أنّ المقصود هو
الوسيلة التي يخاطب بها المسلمون العالم،
والمنهاج الذي يصوغون من خلاله أفكارهم
وآراءهم ومواقفهم التي يريدون إيصالها إلى
القطاع الأوسع من الرأي العام العالمي، وذلك
عبر وسائط الإعلام والتواصل المختلفة، من
مقروءةٍ ومرئيـةٍ ومسموعة.
وبناءً على ذلك، فإننا نستطيع أن نقول إنّ
الخطاب الإسلامي هو الإطار الأوسع للدعوة
الإسلامية بالمفهوم العميق والشامل(2).
تعريف "الخطاب الإسلامي"
ويمكننا أن نعرف الخطاب الإسلامي تعريفاً
أوَّليًّا بأنه: الخطاب الذي يستند لمرجعية
إسلامية من أصول القرآن والسنة، وأيٍّ من سائر
الفروع الإسلامية الأخرى، سواء أكان منتج
الخطاب جماعة إسلامية أم مؤسسة دعوية رسمية أو
أهلية أم أفراداً متفرقين جمعهم الاستناد
للدين وأصوله مرجعيـةً لرؤاهم وأطروحاتهم،
ولإدارة الحياة السياسية والاجتماعية
والاقتصادية والثقافية التي يحيونها، أو
للتفاعل مع دوائر الـهُـويات القطرية أو
الأممية أو دوائر الحركة الوظيفية التي
يرتبطون بها ويتعاطون معها
(3).
الخطاب الإسلامي المعاصر بين
الثنائيات والتقابلات
مصادر المعرفة: الوحي.. والكون
يجب أن يجمع الخطاب الإسلامي المعاصر بين
مَـصادر المعرفة الشرعية والطبيعية: بين كتاب
الله المسطور (القرآن المجيد) وبين كتاب الله
المنظور (الكون وما فيه)، الذي هو ـ في
الخلاصة النهائية ـ جمعٌ بين علوم الشريعة
التى بها يستقيم الدين، وبين علوم الحياة التى
تستـقيم بها الدنيا.. ولابد من إقامة كليهما ؛
لأنهما من مِشكاةٍ واحدة، وقد أُمرنا بأن
نـقيم الوزنَ بالقِسْط وألَّا نـُـخْـسِر
الميزان!
وبهذا الجمع المتوازن يكون تحقيـقُ القراءتيـن
اللتيـن أمر اللهُ ـ عز وجل ـ بـهـمـا
نبـيـَّـه ـ صلواتُ الله عليه ـ أولَ ما أمر:
«اقرأْ باسم ربك الذي خلق. خَلق الإنسانَ من
عَـلَـق. اقرأْ.. وربـُّـك الأكرم. الذي
عَـلَّم بالقلم. عَـلَّم الإنسان ما لم يعلم»
(4).
المنهجية: المنهج.. والمذهب
يجب أن تكون منهجية الخطاب الإسلامي المعاصر
نابعـةً عن "منهج" الإسلام في أصوله التي
قررها سلفنا الصالح، لا أن تكون دائرةً مع
"مذهبٍ" من المذاهب (مع أهمية "المذهب" في
إطار الدراسة الأكاديمية المتخصصة، التي تكون
مدخلاً إلى التقويم والاختيار والاجتهاد).
والالتزام بمنهج سلف الأمة، أهلِ القرون
الفاضلة المشهود لها بالخير والإيمان، يكون في
كلياته ومنطلقاته ومرجعياته في النظر،
والاستدلال وتحقيق المناط (دون جزئياته
وفرعياته).. مع ضرورة إدراك أنه مهيعٌ متسع
وميدان فسيح، تنوعت فيه المدارس، وتعددت فيه
المذاهب، حيث وسع: رُخَـصَ ابن عباس، وعزائـمَ
ابن عمر، وأثريـةَ ابن حنبل، واجتهادَ أبي
حنيفة، وظاهريـةَ ابن حزم، ومقاصديـةَ الشاطبي،
ورقائق الجنيد، ومنطقية الغزالي، وموسوعية ابن
تيمية.
ومن الخطأ المنهجي أن ينحسر مدلول الانتماء
إلى هذا الكَـسْب المعرفي الذاخر المتراحب إلى
أن يكون مذهبيـةً ضيقـةً عنوانها اختياراتٌ
فقهية وفكرية لبعض الأعلام في الأعصر
المختلفة، دون رعايـةٍ لشمول المنهج، أو
إدراكٍ للسياقات الظرفية التي اقتضتها، والتي
هي ـ من جهـةٍ أخرى ـ تمثل لوناً من من
الاجتهاد البشري الذي يـرِدُ عليه ما يـرِدُ
على سائر المنجزات البشرية من عوارض الخطأ
والقصور.. مع ما فيه من جوانب الإجادة
والتوفيق.
وتلمذةُ المنهج هذه تؤكِّـد، من بعـدُ، ضرورةَ
ألا يتأخر جيلٌ عن أن يقدِّم كَسْبَه وإبداعَه
وخبرتَه الخاصة ؛ ليضيف إلى جُهد من سبقه،
مستفيداً من الخبرة المتراكمة، مجدِّداً في
الطرائق والوسائل، مقتحماً ـ بجراءةٍ وثقـةٍ..
ووعيٍ أيضاً ـ قضايا عصره ونوازله.
مستويات الخطاب: أمة الدعوة.. وأمة الإجابة
أُرسل النبي ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إلى
الثقلين جميعاً حتى قيام الساعة، فكل المكلفين
من لدن بعثته الشريفة وحتى آخر مكلف تقوم عليه
الساعة هم من "أمة الدعوة" باعتبار توجه خطاب
الإسلام إليهم. أما "أمة الإجابة" فهم من
استجاب للدعوة المحمدية وأسلم وجهه لله تعالى.
ولكـلٍّ من هؤلاء وأولئك أُرسل النبي الخاتم
رحمـةً: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالـمــيــن"(5).
وينبغي أن يكون لكـلٍّ أيضاً مستوىً ومضمونٌ
يخصه في الخطاب الإسلامي..
مبادئ أمة الدعوة
أما "أمة الدعوة" فلها هذه المبادئ:
-
الاعتراف أن الاختلاف بين بني البشر في
الدين واقع بمشيئة الله تعالى، فقد منح
الله البشر الحرية والاختيار في أن يفعل
ويدع، أن يؤمن أو يكفر.
-
وحدة الأصل الإنساني و الكرامة الآدمية:
انطلاقاً من قوله سبحانه وتعالى: "يا أيها
الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم
شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند
الله اتقاكم"(6)،
وقوله: "ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في
البرّ والبحر ورزقناهم من الطيّبات"
(7).
-
التعارف: لقوله سبحانه وتعالى: "يا أيها
الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم
شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند
الله اتقاكم" (سورة الحجرات، الآية 13)،
وكما ورد في الحديث: "وأشهد أن العباد
-كلهم – إخوة"
(8), فالتعارف أساس دعا إليه القرآن،
وضرورة أملتها ظروف المشاركة في الدار أو
الوطن بالتعبير العصري، وإعمال لروح
الأخوة الإنسانية بدلاً من إهمالها.
-
التعايش: إذ أن حياة المتشاركين لا تقوم
بغير تعايش سمح: بيعاً وشراء.. قضاء
واقتضاء..ظعناً وإقامة. وتاريخ المسلمين
حافل بصور التعامل الراقي مع غير
المسلمين. وقد حدّد الله سبحانه وتعالى
أساس هذا التعايش بقوله: "لا ينهاكم الله
عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم
يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا
إليهم إنّ الله يحب المقسطين"
(9).
-
التعاون: كثير من القضايا العامة تشكل
قاسماً مشتركاً بين المسلمين و غيرهم،
ويمكن التعاون فيها، كما أن الأخطار التي
تتهددهم معاً ليست قليلة، ويمكن أن تشكل
هذه القواسم المشتركة منطلقاً للتعايش
والتعاون..
وهذه تفصيلات فيما يخص العلاقة بين المسلمين
وأمة الدعوة (بما فيها وضع المسلمين في البلاد
غير الإسلامية) والتي يجب على الخطاب الإسلامي
أن يرعاها حق رعايتها..
-
الإيمان بالتعددية الحضارية الثقافية
التشريعية والسياسية والاجتماعية: "لكلٍّ
جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً. ولو شاء الله
لجعلكم أمة واحدة! ولكن.. ليبلوكم فيما آتاكم"(10).
-
العمل على تنمية آفاق التواصل الحضاري
ومن ذلك الإفادة من الحضارة الغربية في المنهج
العلمي في الكونيات والنظم الإدارية المتقدمة
و تجديد الإحساس بقيمة الوقت وقيمة العدل في
ظل مناخ كريم والدعوة الى قيام شراكة إنسانية
صحيحة وقويمة – التبادل العادل للمصالح –
والسعي الجاد لخفض أصوات الغلاة من الطرفين.
-
الاهتمام بالكتابات التي تقدم لغير
المسلمين ويركز فيها على الحجة العقلية لا
النصوص الشرعية.
-
الدعوة إلى تأسيس فقه الأقليات المسلمة
في مجتمع غير المسلمين على قاعدة ( لا تكليف الا بمقدور ) أي على قدر الوسع و الطاقة بما
يحقق للمسلمين الحفاظ على هويتهم دون انكفاء و
تفاعلهم دون ذوبان.
-
التركيز على المنظومة القيمية في
علاقاتنا مع الغرب والقائمة على وحدة الأصل
الانساني ومنطلق التكريم الإلهي للإنسان.. كما
سبقت الإشارة.
-
العمل على إيجاد القواسم المشتركة
والإعلاء من شأن الأنساق المتفقة فالحضارات
تتقاسم أقداراً من القيم مثل العدل و المساواة
و الحرية.. الخ و أهل الحكمة من كل ملة
يستحقون الشكر و العرفان.
-
عدم التعامل مع الغرب على أنه كتلة
واحدة، بل على أساس أنه دائرة واسعة الأرجاء،
متعددة المنافذ، يمكن مخاطبتها بموضوعية
لرعاية المصالح والمنافع المتبادلة دون حيف أو
ظلم لتحقيق الأمن والسلام العالميين.
-
تأكيد الالتزام الواضح بالحرية وحقوق
الإنسان ومشروعية الخلاف الفكري والتعدد
الديني والثقافي والتداول السلمي للسلطة
ويدافع عنها بوصفها أساساً من مبادئ الإسلام،
وينبذ العنف في العمل السياسي ولا يخلطه
بالجهاد.
-
الدعوة إلى إحياء مبدأ التساكن الحضاري
واستكمال التوازن المفقود في الحضارة الغربية
بالأساس الأخلاقي عبر قدوة ومصداقية يتطابق
فيها المثال و الواقع و يكون بدلالة الحال
أبلغ من دلالة المقال.
-
الدعوة إلى مخاطبة
الرأي العام الغربي من منطلق إنساني تجاه مآسي
المسلمين – بإعلام قوي – و الإفادة من ذلك في
دفع عجلة الحوار و التفاهم.
-
تشجيع فكرة
المواطنة للجاليات الاسلامية في الغرب مع
رعاية مستلزماتها.
-
يتعين على الأقلية
المسلمة أن تراعي المواثيق لدار العهد
التزاماً بالقوانين وانضباطاً بأحكامها:
"وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً"(11).
-
العمل على الإسهام
في علاج مشكلات المجتمع الغربي و إفرازات
الحضارة.. من انحلال أسري وتفكك اجتماعي
وانهيار أخلاقي وانحراف جنسي وتعصب عرقي،
والعمل على إبراز تلك الإسهامات.
وأما "أمة الإجابة" فيتلخص ما يجب أن ينصرف
إليه الخطاب الإسلامي المعاصر بخصوصها في
كلمـةٍ: "المصالحة"!
-
المصالحة بين العاملين في الحقل الإسلامي.
-
المصالحة بين جماعات العمل الإسلامي
والتيارات الوطنية والقومية.
-
المصالحة بين المؤسسات الرسمية والشعبية.
-
المصالحة بين الشعوب والأنظمة.
ولنا، بإذن الله تعالى، إلى هذه "المصالحات"
الواجبة عـودٌ في عند حديثنا عن "آفاق الخطاب
الإسلامي المعاصر".
امتداد الخطاب: النخبة.. والجمهور
إن تأمل قول الله تعالى: "وما أرسلنا من رسول
إلا بلسان قومه ليبـيـن لهم " (سورة إبراهيم،
الآية 4) يدل بوضوحٍ على أهمية تخير "اللسان"
المناسب لكل قوم ولكل خطاب. فليس ما يصلح
تعليماً وتربيـةً لـ "أمة الإجابة" صالحاً
بالضرورة داعياً وهادياً لـ "أمة الدعوة".
وكذلك.. ما يصلح مثاقفـةً وتأملاً لـ "النخبة"
من أهل الفكر والرأي والسلطة يصلح بالضرورة
خطاباً عامًّا للجمهور.
ولا يعني هذا إحداث نوع من الفصام بين
"النخبة" و"الجمهور".. فدين الله تعالى واحد،
بيد أن لكلٍّ منه نصيبٌ مقدورٌ من الفهم
والوعي والتمثل. وفي المأثور عن الإمام علي ـ
رضي الله عنه ـ: "حـدِّثوا الناس بما يعرفون..
أتريدون أن يُـكَـذَّب اللهُ ورسولُـه ؟!"،
ومثله ما رُوي عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ
بسند صحيح: "ما أنت بمحـدِّثٍ قوماً حديثاً لا
تبلغه عقولُـهم إلا كان لبعضهم فتنة!".
مضمون الخطاب
الظاهر والباطن: خطاب التزكية
يجب أن يحرص الخطاب الإسلامي المعاصر على
مراعاة تلازم بين الظاهر والباطن وتكاملهما..
بإقامة الشعائر والمناسك الظاهرة، ومراقبة
الخواطر والمشاعر الباطنة.. وهذا ما يجعل
المسلم سائراً إلى ربه سَيـْـراً صحيحاً
موافقاً للمطلوب منه: ظاهراً وباطناً، بحيث
يتوازن كمالُ الـهَـيئات الظاهرة مع جمال
الـكَيفيات الباطنة، بمراعاةٍ تامة
لـفِـقْـهَـي الظاهر والباطن وأعمال القلوب
والجوارح.. تزكيـةً وإحساناً.
والأمر في هذا هو كما يقول الإمامُ المربي
ابنُ عَـطاءالله الـسَّـكَنْدَريُّ: «الأعمالُ
صُوَرٌ قائمةٌ، وأرواحُـها: وجودُ سِـرِّ
الإخلاص (وما إليه من معانٍ وأخلاقٍ رفيعة)
فيها!». وهذا من مكارم الأخلاق العالية التي
لم يُـبعث النبى الأكرم ـ صلى الله عليه وسلم
ـ إلا لـيُـتمِّـمَها (كما رَوى البخاريُّ فى
«الأدب الـمُفرَد» وأحمدُ وغيـرُهما بأسانيدَ
صحيحة).
ويتصل بهذا.. ضرورة أن يعمل الخطاب الإسلامي
المعاصر على إزالة حال الفصام النكد الذي لازم
أقواماً من أهل الرقاق غير المتحققين
بالاقتداء بالهدي المشروع، وأقواماً من مدعي
الاتباع الخالين من التزكية للروح والجوهر.
التنزيل والتأويل: خطاب الدين.. خطاب التدين
أدَّى الخللُ في إنزال الدين (المطلَق
الإلهي/المثالي/الكُلِّي) على واقع الناس
الـمَـعيش (الـنـِّـسْبي/الواقعي/الـجُـزئي)
إلى طَـرَفي نقيض: من خَفَتت في نفوسهم دواعي
الدين وكاد يتلاشَى حضورُه في حياتهم اليومية،
ومن ازداد استمساكُهم بأحكامه الظاهرة من غير
منهجٍ متَّزنٍ..
وإذْ يقع الاتفاقُ على أن «الدين» محفوظٌ
بكَفالة الله تعالى («إنـَّـا نحن نـزَّلنا
الـذِّكْر وإنـَّـا له لحافظون»
(12)؛ يبقى الأمر في الكيفية التي تكون
بها إثارةُ النزوع إلى «التدين» وتفجـيـرُ
ينابيعه في النفس البشرية، ومن ثَـمَّ.. تقويم
السلوك الفَردي والاجتماعي بنَـهْج الدين
القويم.
من هنا تأتي أهمية التفات الخطاب الإسلامي إلى
«فقه التدين» (منهج تنزيل الدين في واقع
الحياة اليومية. يسميه الشاطبي: «الاجتهاد
المتعلِّق بتحقيق الـمَـناط») بموازاة
الاهتمام بـ «فقه الدين» (منهج فهم النصوص
الدينية واستنباط الأحكام الشرعية منها:
عِلمَي الفقه والأصول)، وذلك دفعاً للعبث في
التعامل مع الأحكام الشرعية بالتهاون بها.. من
جهة، أو بتنزيلها على غير مَـحالِّـها.. من
جهةٍ أخرى. وبمثل هذا التوازن في النظر والعمل
يتعافَى المسلم من عِلَل «التدين المغشوش»
(كما كان يسمِّـيـه الشيخ محمد الغزالي رحمه
الله) التي لَـحِـقت بالأمم السابقة: تفريطاً
وإفراطاً، وَكساً وشططاً، إسرافاً وتقتيراً.
تراث السلف ومعارف الخلف: خطاب الأصل والعصر
يجب أن يؤكد الخطاب الإسلامي على ضرورة
احترامِ تراث الأمة بوصفه إنجازاً بشريًّا
حاول فيه أسلافُنا تقديمَ أفضل ما عرفوه ورأوه
نافعاً للفرد والأمة فى زمانهم، والتعامل معه
دون تقديسٍ ولا تبخيس، ودون الاستنامة إليه أو
القطيعة معه. بل.. بالنظر الفاحص، والتأمل
الواعي، والقراءة الناقدة.. تقديراً للجهود
المبذولة فيه، وتسديداً لخطئها، وإكمالاً
لنقصها، ولنبنـيَ عليها من ثَـمَّ ـ بما يناسب
تغـيُّـرَ الزمان والأحوال ـ ثقافةً معاصرةً
تحقق مقاصد الشرع، وترعى مصالح الخلق.
ويقتضي هذا التوسطَ بين الجمود على الموروث
وإيجابِ التقليد وغَـلْق باب الاجتهاد ـ
نظريـًّا أو عمليٍّا ـ، وبين جحود الموروث
والخروج عن المذاهب جملةً وفتح مصاريع باب
الاجتهاد لكل من هَـبَّ ودَرَج!
بل (وبِـنـاءً على ما سبق في «المنهجية:
المنهج.. والمذهب»).. احترامُ المذاهب
الـمـتَّـبَـعة والمدارس العلمية المخدومة دون
إغلاق باب الانتقاد الجاد والتجديد الواجب،
وإيجابُ الاجتهاد على أهله وإيقاعُـه في
محلِّه وتنظيمُ ما يتعلق بالمصالح والمقاصد
الكبرى فى هيئاتٍ وهياكلَ منتظمة، ولَـجْـمُ
العوام عن التصدُّر في أمور الأمة العامة.
والارتباط بالأصل يقتضي الالتزامَ بالوحي
الإلهي مصدراً معرفـيًّا حاكماً، واتباعَ
الشرع الحنيف فيما أَمَـر ونَـهَـى، وتحقيق
مراد الله تعالى في الظواهر والبواطن (كل ذلك
عبرَ منهجٍ علميٍّ موثـَّـقٍ استغرق تأصيلُه
وضبطُه أعمارَ وجهودَ علماءٍ أَثـْـباتٍ
مخلصين على مَـرِّ القرون).
والاتصالُ بالعصر يقتضي كذلك: استحصالَ رُوح
العصر، وتحصيلَ أسباب الـرُّقِـيِّ الماديِّ
والتـقدُّم الحضاريّ، والضربَ في بناء
الإنسانية بكل ما يمكننا ـ وهو كثيرٌ! ـ من
سِـهام.
التجديد والتبديد: خطاب الوعـي
يتعين تجديد الخطاب الإسلامي، وإعادة النظر في
كثير من قضاياه الفكرية ومفاهيمه الحاكمة،
والممارسات السلوكية المرتبطة به، ولكن ليس
لأن مصلحة قوىً مهيمنـةً هنا أو هناك تدعو إلى
ذلك من خلال تبديد دور الإسلام وحضوره في
المجتمعات المسلمة، وليس استجابة لدعوات
الاغتراب الحضاري وعلمنة الإسلام وتفريغه من
محتواه الكفاحي. ذلك.. أن التجديد الديني سنة
كونية وقانون تاريخي على مر القرون السابقة،
ولأن الدواعي الموضوعية تدفع إلى التجديد، كي
يستعيد الإسلام فعاليته العميقة في إصلاح
المجتمعات الإسلامية، وحل المشكلات المعاصرة
التي تواجه المجتمعات والإنسان المسلم.
التجديد لا يعني الهدم والتبديد. التجديد يعني
الإبقاء على الطابع الأصيل والخصائص المميزة
والأسس الثابتة. ولنتذكر كلمة الأمير شكيب
أرسلان بهذا الصدد: "إنما يضيع الدين بين جامد
وجاحد.. ذلك ينفر الناس منه بجموده، وهذا
يضلهم عنه بجحوده!".. ومن لم يتجددْ ؛ يتبددْ!
ومن لم يتقدمْ ؛ يتقادمْ!
المقاصدية والـحَـرْفيـَّـة: خطاب الإبداع
والاتباع
الأصل في الدينيات: التوقيفُ واتـِّـباعُ ما
جاء به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ..
التزاماً بما بـه أمـر، وامتناعاً عما عنه
نَـهَى: «وما آتـاكم الرسولُ ؛ فخذوه، وما
نهاكم عنه ؛ فانتهوا»
(13).
والأصل فى الدُّنـْيـَويـَّات وأمور الـمَـعاش
والحياة: الإبداعُ والتجديدُ، وعدمُ الركون
إلى ما سبق علـمُه أو إنجازُه. وقد قال
النبيُّ الأكرمُ ـ صلوات الله عليه ـ عندما
التزم أصحابـُـه حَـرْفِـيـَّـةَ إشارته إلى
أمرٍ من أمور النَّخْـل فـقَلَّت جَـودتُه:
«إذا أمرتُكم بشىءٍ من دينكم ؛ فخُـذُوا به،
وإذا أمرتُكم بشىءٍ من رأْيٍ ؛ فإنما أنا
بَـشَـرٌ»، وفي الواقعة ذاتها قال أيضاً:
«أنتم أعلمُ بأمور دنياكم»
(14).
وبناءً على هذا.. يجب على الخطاب الإسلامي
إيلاء مَـقاصِد الـشَّرع الـحَـنيـف أهميـةً
قصوى. فهي التي تحدِّد اتجاهَ الفقيـهِ عند
الاجتهاد، والمفتي عند الإفتاء، والباحثِ عند
إبداء الرأي.. لا سيما فى النوازل التي لم
تُـعهَـد قبلُ ؛ لأن من لم يُـحكِم ضَـبْـطَ
الـكُـلِّـيـَّـات يضطرب ولا يُحسِن فهمَ
وعلاجَ الـجُـزئيـَّـات وإنزالَـها على الواقع
المتجدد.
والأمر في هذا يتلخَّص فيما قاله ابنُ
قَـيـِّـم الـجَـوزيـَّـة محـقِّـقاً:
«الشريعةُ مَـبْـناها وأساسها على الحِكَمِ
ومَصالِـحِ العِـبادِ في الـمَـعاشِ
والـمَـعاد. وهي عَدْلٌ كُلُّها، ورَحْـمـةٌ
كُلُّها، ومَصَالِـحُ كُلُّها، وحِكْمَـةٌ
كُلُّها. فـكُلُّ مَسْألـةٍ خَرَجَتْ عن
العَدْلِ إلى الـجَـوْر، وعن الرَّحْمـةِ إلى
ضِدِّها، وعن المصلَحةِ إلى المـفسَدة، وعن
الحكْمـةِ إلى العَـبَث ؛ فليستْ من
الشَّرِيعـةِ وإنْ أُدْخِلَتْ فيها
بِالتَّـأويل. فالشَّرِيعـةُ عَـدْلُ الله بين
عباده، ورَحْـمـتُـه بين خَـلْـقه، وظِـلُّـه
في أَرْضِـه، وحِكْمَـتُـه الـدَّالَّـةُ
عليـه وعلى صِدْقِ رَسوله ـ صلَّى الله عليه
وسلَّم ـ أَتـمَّ دلالةٍ وأَصدقَـها».
التهوين والتهويل: خطاب التوازن
يجب على الخطاب الإسلامي احترام الحقيقة،
وتجنب الإغراق في المبالغة.. فالمبالغة دوماً
قبيحة تشوِّه الحقيقة: تقرِّب البعيد، وتُبعِد
القريب، وتُظهِر غبشًا في الرؤية على الطريق،
إنها استخفاف بعقل السامع، وسخرية من وِجدانه.
الإغراق في المبالغة سلبية في حياة عامة
الناس، وهي ظاهرة في سلوك المجتمع والأسرة
والفرد، فكيف إذا اتسم بها خطابٌ فكريٌّ أو
دعوي ؟!
وفي المقابل.. يجب على الخطاب الإسلامي
المحافظة على الوسطية في تناول جميع القضايا،
فالمشكلة دوماً في طرفين:
طرفٍ منسحـقٍ بضغط التهويل من كيد الأعداء
ومكرهم، والإغراق في "عقلية المؤامرة" إغراقاً
أقعدهم عن العمل يأساً!
وطرفٍ مستـفَـزٍّ بآلام جَـلْـد الذات
استفزازاً يدفعهم إلى العمل غير المتروِّي
حماسـةً غيـرَ منضبطة!
وواجب الأمة التي تحمل أمانة الخطاب الإسلامي
أن تكون في مسار الفعل لا ردود الفعل، وهذا
يستلزم الاقتدار والإعداد لردع الظلم، ومقاومة
العدوان، ونشر العدل ورسالة الحقوق.
العقلانية والخرافية: خطاب السُّـنَـنيـَّـة
جعل الله تعالى السننَ والأسبابَ والنواميسَ
والقوانينَ مطَّردةً وموِصِلـةً إلى تحقيق
المقاصد وإدراك النتائج، وطَـلب من الإنسان
استيعابَ هذه السنن والأسباب بعد أن شَـرَعها
له وخاطبه بها، ودلَّـل على فاعليتها
بالـعِـبْـرة التاريخية والـحُـجَّـة
المنطقيـة والبرهان الـمُـحَـسّ، وناط النجاحَ
في الدنيا والفوزَ في الآخرة بالقدرة على
استيعاب هذه الأسباب وحُـسْـن تسخيرها
والتعامل معها.
إننا، بني الإنسان، باعتبارٍ ما.. شئٌ من
الماضي، ومظهرٌ من مظاهر تحـقُّـقـه. ورؤيةُ
سنن الله تعالى المـطَّـردة هي ما يُـضـفِي
التنظيم والمنطقية على أحداث التاريخ.
ومع وجوب الإيمان بـقَـدَره ـ سبحانه ـ.. فقد
حض الشارعُ الحكيمَ على مدافعة الأقدار
بأضدادها، وهذا ما أشار إليه عبد القادر
الكيلاني في كلمته العالية: «كثيرٌ من الناس
إذا دخلوا القضاءَ والـقَـدَرَ أمسكوا (أي:
امتنعوا عن الكلام فيهما).. وأنا انفتحت لي
فيه رَوْزَنـةٌ (أي: نافذةَ معرفة) ؛ فنازعتُ
أقدارَ الحقِّ بالحقِّ للحقّ. والـوَلـيُّ من
يكون منازِعاً للـقَـدَر.. لا من يكون
موافِـقاً له!».. وعلَّق عليها ابنُ تيمية
بكلامٍ نفيس: «وهذا الذي قاله الشيخُ تكلَّم
به على لسان المحمدية. أي أن المسلم مأمورٌ أن
يفعل ما أمر الله به، ويدفعَ ما نَـهَـى الله
عنه، وإن كانت أسبابـُـه قد قُـدِّرت.. فيدفعَ
قَـدَرَ الله بـقَـدَر الله (...). فقد قيل
لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول
الله.. أرأيتَ أدويـةً نتداوى بها، ورُقـىً
نَـسْتـرقى بها، وتُـقـي نَـتَّـقيـها.. هل
تَـرُدُّ من قَـدَر الله شيئاً ؟ ؛ فقال:
«هُـنَّ من قَـدَر الله»
(15).
المضمون والأسلوب: خطاب الجمال
ينبغي أن يكون مضمون الخطاب الإسلامي مبنيًّا
على التأصيل المنهجي المعتبر لدى أهل العلم،
والعرض ينبغي أن يكون بأساليب تناسب الأشخاص
والأحوال. فلا يُـغني كونُ الفكرة حـقًّا
وخيراً عن ضرورة مراعاة جماليات عَـرضها
وطَـرحها، وإلا.. فكم من حَـقٍّ ضَيـَّـعه
أهلُه بسوء عرضه! وكم من خيـرٍ لم يَـلْـقَ
مُجيباً بـقُـبْح الدعوة إليه!
والأمر في هذا يتلخَّـص فيما قال الحكماء: «من
حُـسْن القيام: مراعاةُ المقام».
ومن هنا.. لابد للخطاب الإسلامي من أن يكون
متنوعاً: يروي ظمأَ أهل الوجدان، ويشفي غُـلةَ
أرباب العقل، ويستوعب طاقة الرياضيين.
يجب أن يخاطب الروح والعقل والجوارح جميعاً..
بالتركيز على إظهار القيم الجمالية في الإسلام
وربطها بالعقيدة، وتبيان مظاهر الجمال والزينة
في كل أرجاء الكون.. من سماء ذات أبراج، وأرض
ذات فجاج، و حيوانات ذات جمال، ونباتات ذات
بهجة ؛ إذ أن خالق الكون جميل يحب الجمال..
خلق فأحسن، وصور فأبدع، وقدر فهدى.
حيوية الخطاب
الثابت والمتغير: خطاب المرونة
يمكننا أن نـرُدَّ مكونات الخطاب الإسلامي إلى
نوعين:
المكون الشرعي: وهو ما جاء به الوحي الإلهي من
قرآن وسنة نبوية صحيحة.. وهو أصل الخطاب
الإسلامي ومنطلقه ومرجعيته الثابتة الدائمة ؛
لكونه صادراً عن الله سبحانه الذي أبدع الوجود
كله.
والمكون البشري: وهو ما فهمه واستنبطه البشر
من النصوص الشرعية وما نتج عن ذلك فكراً كان
أو فقهاً أو علوماً وأدباً. لذلك فهو فرعٌ
للمكون الأول ومؤسس منه وإليه.
وبما أن المكوّن الشرعي قد أكسبه مصدره
الرباني خصائص الربانية والشمول والثبات
والتوازن والمرونة والصلاحية لكل زمان ومكان ؛
فباستطاعتنا أن نكتشف بمعاييره كلَّ خلل
واضطراب في واقع الحياة القائم.
وإذا كان الخطاب الإنساني ـ بوجـهٍ عامَ ـ
عُـرْضةً للتطوير والتبديل ؛ فإن لخطابنا
الإسلامي سمـةً خاصـةً، فهو لا يتغير ولا
يتبدَّل في جوهره، أي في ثوابته الأساسية
المرتكزة على مكونه الشرعي مهما تغيرت عوارض
الزمان والمكان والأحوال والأشخاص. أما
المكوّن الآخر ؛ ففيه يكون الاجتهاد والتطوير
بما يراعي المخاطبين وظروفهم العامة والخاصة
زماناً ومكاناً وأحوالاًَ.. يقول شيخنا
العلاَّمة الدكتور يوسف القرضاوي: "وإذا كان
المحققون من أئمة الدين وفقهائه قد قرَّروا أن
الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال،
والفتوى تتعلق بأحكام الشرع ؛ فإن هذا المنطق
ذاته يقول: إن تغيير الدعوة أو الخطاب يتغير
بتغير الزمان والمكان والعرف والحال أحق
وأولى".
المبدئي والمرحلي: خطاب الحكمة
يجب على الخطاب الإسلامي أن يميز بين المبدئي
والمرحلي، وهذا على مستوييه: الفكري والعملي
جميعاً.
وقد أدى عدم التمييز بين هذين المعنيين
الحيويين إلى كثير من السلبيات التي عاقت تطور
الخطاب الإسلامي، كما عاقت من الوصول به إلى
حد التطبيق الواقعي القابل حياةً طبيعيـةً
مستقرة.
فقد قاست "الصحوة الإسلامية" خلال عقود طويلة
مما لحق" الإسلام الحركي" في نزاله السياسي مع
بعض السلطات القائمة في بلاد إسلامية عدة،
ولقد نالت سياسة تجفيف المنابع الدينية من
مواطن التدين في عدد من المجتمعات الإسلامية،
وفتكت بأوصاله وألحقت به أوجاعا وضربات كادت
تودي به!
ولابد للخطاب الإسلامي أن يركز في سعيه إلى
إبلاغ رسالة الله تعالى للعالمين على المبدئي
من الثوابت والأصول التي تمثل "هُـوية
الإسلام" (والتي سبقت الإشارة إليها في تضاعيف
ما سبق)، وأن يضع في تصوراته "المرحليات"
الـمـرِنة التي يجب أن يجتازها ويتكيف معها في
جميع مستويات البلاغ على وَفْـق سنة الله
تعالى في الخلق والشرع. كما يجب أن يُـبتـنَى
هذا وذاك على رؤىً موضوعية ودراسات علمية..
تنظر إلى الشرع الحنيف بعين، وإلى الواقع
المعيش بالأخرى.
وعليه أن ينطلق من قاعدة الـثـَّبـات في
الأهداف، والـمُرونة في الوسائل.. فالأهداف
ثابتـةٌ لثبات مصادرها وتَـحدُّدها، والوسائل
مَـرِنةٌ لارتباطها بالزمان المتغير والبيئة
المختلفة.
فالأهداف الكبرى هي: إقرارُ الإيمان، واحترامُ
الإنسان، وتوطيدُ الـعُـمْـران. وكلُّ ما
أدَّى إلى تحقيقها ؛ وجب اتخاذُه ؛ إذْ يجب ما
لا يتم الواجبُ إلا به، وكلُّ ما تقاصر عن
توفيتها ؛ فلا قُـدْسيةَ له.. بل يجب تجاوزُه
إلى الأصلح والأنفع.
الإصلاح الكلي والتغيير الجزئي: خطاب النهضة
الشريعة الإسلامية ـ كما يقول شيخ الإسلام ابن
تيمية ـ مبنية على تحصيل المصالح وتكميلها،
ودرء المفاسد وتعطيلها أو تقليلها. ولذا.. فإن
من القواعد المهمة في الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر اعتبار المصالح، فيشترط في الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ألا يؤدي إل مفسدة
أعظم من المنكر أو مثله. فإن كان إنكار المنكر
يستلزم حصول منكر أعظم منه ؛ فإنه يسقط وجوب
الإنكار، بل لا يسوغ الإنكار في هذه الحالة.
وهذا ليس في باب الأمر والنهي وحسب. بل.. إنه
القاعدة في باب "الإصلاح" بوجـهٍ عام.
وفي هذا.. يجب على الخطاب الإسلامي أن يجعل
على رأس أولوياته الأمهات الحفاظَ على الثوابت
الشرعية، والسعيَ إلى إصلاح ما يعتور الطريق
أحياناً من زَللٍ أو تقصيـرٍ أو تجاوز.. مع
إقرار سِـلْم الكلمة والممارسة، وعدم الانزلاق
إلى أيٍّ من أشكال الـعـنْـف.
والدعوة المستمرة إلى الحق والخير دون
استعلاءٍ أو وِصاية متوهَّـمة. مُـبْـتَـغىً
فى هذا كله وجهُ الله تعالى أولاً وأخيراً،
والقيامُ بواجب الأمر بالمعروف والنهى عن
المنكر لصالح البلاد والعباد والنهوض العام.
كما يجب أن يبشر بالنهضة الحضارية الشاملة ؛
فيعتمد العناصرَ الأَوَّليةَ اللازمةَ لفعل
النهوض، وهي ـ بحسَب مالك بن نبي رحمه الله ـ:
الإنسان، الثقافة، التراب، الوقت.. ليمتد من
«عالم الأشياء» إلى تحقيق مجمل الشروط المادية
والمعنوية الواجب استيفاؤها في الفعل الإنساني
من أجل تحقيـق التغيير إلى الأفضل: «إنَّ الله
لا يـغيـِّـر ما بـقومٍ.. حتى يغيـِّـروا ما
بأنفسهم»(16)،
ثم تمتد أيضاً من «مزرعة الدنيا» واجبـةِ
الرعاية والتنمية إلى «جنـة الآخرة» الموعودة:
«وما خلقتُ الجـنَّ والإنـسَ إلا ليعبدونِ»
(17).
التنظير والتطبيق: خطاب الواقعية
يجب على الخطاب الإسلامي أن يبني تصوراته
ورؤاه على أسسٍ متينة من الواقع، وعليه أن
يتجنب الاستغناء بالتنظير عن التطبيق، كما أن
عليه ـ بالضرورة ـ ألا يطرح إلا ما هو قابلٌ
للتحقق بحسَـب سنن الله تعالى في الخلق وفي
الأنفس.
ومن مقتضيات هذا:
-
استيعاب الواقع المعاصر استيعاباً سليماً
من خلال منهج علمي موضوعي، يتتبع جذور هذا
الواقع ومساره، ويكشف جوهره و روحه، ويميز
حقائقه الموضوعية عن أوهامه الخيالية أو
المؤقتة، ويستشرف آفاقه وتوجهاته
المستقبلية.
-
بلورة معالجة مناسبة للواقع المعاصر
والتنظير له فقهاً وفكراً، بناء على قراءة
مباشرة لأصول الشرع الحنيف ووفق مناهج
الاستنباط المعتبرة.
الخصوصية والكونية: خطاب العالمية
كانت "عالمية الدعوة الإسلامية" واضحة الملامح
منذ سنوات الدعوة النبوية الأولى، منذ أُمر
النبي الأعظم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بأن
يتجاوز مرحلتي السرية ودعوة العشيرة الأقربين،
ليتوجه برحمة الرسالة الإسلامية إلى العالمين
ـ وحتى قيام الساعة ـ: "وما أرسلناك إلا
كافـةً للناس: بشيراً ونذيراً"
(18)، "قل يا أيها الناس إني رسول الله
إليكم جميعاً"
(19)، "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"
(20).
وبناءً على هذا.. على الخطاب الإسلامي المعاصر
أن يوازن بين خصوصية كل بيئة ومتعلقاتها
الظرفية وبين عموم الرسالة، وذلك بإعادة بعث
نوعية جديدة من الخطاب العالمي، الكامن أساساً
في بنية الخطاب الديني الإسلامي العالمي، الذي
يستطيع تخطي حدود العالمية الإسلامية، إلى
العالمية الكوكبية باتجاه الآخرين من غير
المسلمين.
وعليه بالضرورة أن يعرف كيف يجتذب "الآخر"
إليه، ليرتبط به على قاعدة القناعة التي ترتكز
على الفكر والإحساس.
العَـلاقات البَيـْنيـَّة
فقه الائتلاف وأدب الاختلاف: خطاب الإعذار
يجب أن يؤسس الخطاب الإسلامي المعاصر في حياة
المسلمين اليومية فقه الائتلاف الذي يعمل على
تعميق المشترك، وتعزيز الجوامع، وتوسيع قاعدة
المتفق عليه.. تحقيقاً لموجبات الوحدة،
والتضامِّ الاجتماعي، والوئام المدني،
والسـِّـلم الأهلي.
كما أن عليه أن يكـرِّس أدبَ الاختلاف..
انطلاقاً من مبدأ إقرار حقِّ كلِّ صاحب مذهبٍ
أو رأيٍ معتبـرٍ فى تَـبَـنـِّـيه والدعوة
إليه ـ وَفْـقَ الأصول العلمية والعملية ـ، مع
مراعاة أن «الحقَّ يُـقْـبَـلُ من كل من تكلم
به» (كما قال ابن تيميةَ رحمه الله)، ومع
ملاحظة أن «البصيرَ الصادقَ يضرب في كل
غَـنيمـةٍ بـسَـهمٍ، ويُعاشِـر كلَّ طائفةٍ
على أحسن ما معها» (كما قال ابن الـقَـيـِّـم
رحمه الله).. مع رعاية رحم الأخوة، وحفظ
الحرمات، وعدم التشنيع على المخالف والسعي
بالنجوى والإرجاف.
ويبقى الأمرُ فى هذا على ما أخبر النبيُّ
الأكرم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ من ثبوت
ثوابيـنِ للمجتهد المصيب وثوابٍ كاملٍ للمجتهد
المخطىء(21)،
وفي هذا يوجِـز ابنُ تيميةَ ـ رحمه الله ـ:
«لا يَـحِـلُّ التشنيعُ والإرجافُ بسبب مسائلَ
تحتمل وجوهاً فى الـفَـهم ومـتَّـسعاً من
الرأي (...). فمن كان من المؤمنين مجتهداً في
طلب الحق وأخطأ ؛ فإن الله يغفر خطأه كائناً
ما كان.. سواءٌ أكان فى المسائل النظرية
العلمية، أم المسائل الفروعية العملية. هذا
الذي عليه أصحابُ النبي وجماهيـرُ أمة
الإسلام».
وحي الـوجدان.. ووازع السلطان: خطاب
الـقِـيـَـم
لابد أن ينزع الخطاب الإسلامي المعاصر إلى
تغليب قيمة الضمير على حكم القانون، وإلى
تقديم ضوابط المجتمع على قبضة الدولة، وإلى
الاهتمام بالإصلاح قبل الردع والعقاب، وإلى
التأليف قبل التعريف.
لقد خلق الله سبحانه وتعالى النفس البشرية وهي
تحمل نوازع الخير والشر: "وَنَفْسٍ وَمَا
سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا
وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا.
وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا"
(22) وجعل سبحانه الفلاح والخيبة مرهونة
بسعي الإنسان لتزكية نفسه أو الانحطاط بها،
والإنسان منذ بدء الخليقة خُيّر بين طريقين
طريق الخير ام طريق الشر، ومن ذلك تبدأ رحلة
المعاناة التي يعيشها الإنسان بين نوازع الخير
والشر في نفسه.
وإذا أصبح الإنسان رقباً على نفسه كان أبعـدَ
عن الحرام شرعاً، والممنوع قانوناً، والمعيب
عرفاً. إنه لا يغدو ملاكاً معصوماً.. ولكنه
يصير إنساناً ربانيًّا متحققاً: يخطئ.. لكنه
لا يُـصـرّ، يتعثر.. لكنه ينهض، يذنب.. لكنه
يستغفر!
النقد والتقويم.. الانتقاص والتخوين: خطاب
المراجعة
هذا بابٌ عظيم مما يجب على الخطاب الإسلامي أن
يتبناه بقوةٍ.. والأصل فيه إنزالُ الناس
منازلَـهم دون بَـخْسٍ أو شَـطَـط، وتقديـرُهم
بما يستحقون دون إفراطٍ ولا تفريط.. بِـنـاءً
على قول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا..
كونوا قَـوَّامين لله، شُـهَـداءَ بالـقِـسْط.
ولا يَـجْـرِمَـنـَّـكم شَـنَـآنُ قومٍ على
أَلاَّ تَـعْـدِلوا. اعْـدِلوا.. هو أقربُ
للتـقوى. واتـقوا الله.. إن الله خبـيـرٌ بما
تعملون»
(23)، مع التـنـبُّـه إلى أنْ ليس مما
يَـحْـسُـن أن يشغل الـمَـرْءُ نفسَه بمراقبة
الناس ليحكم عليهم سَـلْـباً أو إيجاباً، فمما
رُوي من كتب الأنبياء السابقين ـ عليهم وعلى
نبينا الصلاةُ والسلام ـ أن «على العاقل أن
يكون بصيراً بزمانِـه، مقبلاً على شانِـه،
حافظاً للسانِـه. ومن حَـسَـب كلامَـه من عمله
؛ قَـلَّ كلامُـه إلا فيما يَـعنيه!».
وإذا لم يكن بُـدٌّ من انتقاد شخصٍ أو جماعةٍ
أو فكرةٍ ؛ فليكن بالإنصاف والاعتدال، ومعرفةِ
الرجال والأفكار بالحق ـ لا العكس ـ،
والانطلاق من أنه لا معصومَ إلا مَـن عَـصَم
اللهُ ـ تبارك وتعالى ـ.
ومع أن عندنا ـ نحن المسلمين ـ منهجاً
إلهيًّا، وهدياً نبويًّا، وسيرةً تاريخية
طويلة توضح لنا كيف نتعرف على الخطأ في أنفسنا
أو في غيرنا، وكيف نستطيع تصحيح الخطأ ؟ سواء
أكان خطأنا نحن أم خطأ الآخرين.. فإن من
المؤسف جدًّا أن هذا المنهج القويم أفاد منه
الغرب - في الناحية الدنيوية- أكثر مما أفدنا
نحن! فأرسوا قواعد النقد بين الحاكم والمحكوم،
ووضعوا أسسه وضوابطه (سواء في المجال
الإعلامي، أو الاقتصادي، أو السياسي، أو غيرها
من المجالات).. بحيث أصبح كل فرد منهم يعرف:
كيف ينتقد ؟ وكيف يوجِّـه ؟ وكيف يشارك برأيه
في كل قضية صغرت أم كبرت دقَّت أم عظمت؟ فأصبح
كل إنسان منهم يُحَث على أن يشارك مشاركة
فاعلة في إدارة دفة المجتمع، وفي تصحيح
الأخطاء، وفي توجيه الناس.
أما المسلمون ؛ فإن كثيرًا من المنتسبين إلى
الإسلام أقرب ما يكونون إلى سلوك من يدعي
امتلاك الحقيقة المطلقة.
التواصل.. لا التقاطع، التكامل.. لا الذوبان:
خطاب التعارف
يجب أن يؤسس ويعمق الخطاب الإسلامي العالمي
لخطاب "التعارف الإنساني"، الذي مبدؤه:
الإيقانُ بأن الله ـ تباركت أسماؤه ـ خلق
كَـوْنـَـه متـنـوِّعاً، وفَـطَـر خَـلْـقَـه
على الاختلاف الحميدِ أصلُه: «ولو شاء ربـُّـك
؛ لجعل الناسَ أمةً واحدةً. ولا يزالون
مختلفين.. إلا مَن رحم ربـُّـك. ولذلك
خَلَقهم»(24).
وليس هذا التنوع مقصوراً فيما بين الدوائر
الحضارية، بل إن من القِسط الإقرارَ بأن
الدائرة الحضارية الواحدة تنطوي على قَدْرٍ
غير قليل من التنوع والتعدد. ولذا.. فإن أية
محاولة لتنميط الكيانات الحضارية ضمن قوالبَ
أحادية جامدة، وتجاهُلِ ما تضم الحضارةُ
الواحدة من تفاعلات متعددة.. هي نوعٌ من
التعسف، الذي يقود حتماً إلى مغالطات في
التصور، وتجاوزات فيما يتفرع عن هذا التصور
المغلوط من أحكام وقرارات وسياسات.
ومن شأن هذا الاختلاف المتـنوِّع أن يعاظِـمَ
من ضرورة توثيق عُـرَى التعارف والتكامل بين
خلق الله جميعاً: «يا أيها الناس.. إنـَّـا
خلقناكم من ذَكَـرٍ وأنثى، وجعلناكم شُعوباً
وقبائلَ ؛ لتَعـارفوا. إن أكرمَـكم عند الله
أتـْـقـاكم. إن الله عليمٌ خَبـيـر»
(25).
وأحد أهم الاشتراطات التي ينبغي تحقيقُها في
واقع التفاعل المتبادل بين الحضارات هو السعي
إلى تحقيق «التكافُـؤ» و«الـنـِّـدِّيـَّـة»
(غير المصادِمة ولا المهيمنة) بين الأطراف
الحضارية الفاعلة.
ويعني هذا التكافُـؤ وهذه الـنـِّـدِّيـَّـة
أن يسود الاعتقاد بأن هذه الأطراف كافـةً
شريكةٌ في الإرْث الإنساني العامّ، وأن
بـوُسْعها جميعاً المساهمةَ بجدارةٍ في صنع
الحاضر والمستقبل، وأن يتم التفاعل بمقتضى هذه
الحقيقة ـ دون إلغاءٍ أو إقصاء أو تهميش ـ
باعتبارها إثراءً للتجـرِبة الإنسانية
المشتركة.
فالتواصل بين خلق الله كافةً واجبٌ.. لكن دون
استعلاءِ طَـرَف وذَوَبانِ آخر. واعتزازُ كلٍّ
بـهُـوِيـَّـتِـه مطلوبٌ.. لكن دون تقوقـعٍ
ولا انغلاق. والتسامحُ بين الشعوب، فيما وقع
خلال التاريخ من مثالبَ وأخطاءٍ، مستحبٌّ..
لكن دون تهاونٍ فى الحقوق ونسيانٍ للدروس
الإيجابية
من سلبيات الخطاب الإسلامي
المعاصر
أزمة ضبط المصطلحات وفقهها
مما ينبغي أن يكون في صلب أولويات الخطاب
الإسلامي المعاصر العمل على تحديد المفاهيم
وضبط الاصطلاحات ؛ لأنها عملية في صميم قضية
الـهُـوية.
فالاصطلاحات ـ كانعكاسٍ للجوهر الحضاري ـ ليست
سوى منظومة فكرية يفترض فيها الانسجام
والتكامل. وذلك لأن الإنسان ـ بوصفه فردًا،
وباعتباره جزءاً من مجتمعه وأمته ـ يعبر عن
رؤيته للواقع والوقائع من خلال اللغة، وطريقة
تعبيره تؤثر بدورها في الرؤية. فنحن كما نخلق
طريقة تعبيرنا نتأثر كذلك بالنظام الإشاري
الذي نستخدمه.
وإذا كان الحوار بمختـلِـف صوره (حوار
المسلمين فيما بينهم، وحوارهم مع غيرهم) هو
طريق النجاة من الاستقطاب الفكري المدمـِّـر ؛
فإن تحرير مضامين المصطلحات، واكتشاف مناطق
التمايز في المعاني والمفاهيم مهمـةٌ أساسيـةٌ
وأوَّليـةٌ بالنسبة لأي حوار جادٍّ يروم إنقاذ
حياتنا الفكرية من خطر التعصب والاستقطاب،
ويوجد بين الفرقاء والمتحاورين لغـةً فكريـةً
مستقيمـة.
وتحرير المصطلحات هذا واجبٌ أيضاً لِـما
يَـعـرِض لها من سوء الاستخدام (كالاحتلال،
والاختلال!).. فمعرفة هذا مهمٌّ جدًّا لفهم
عصرنا وإدراك توجهاته الآتية والمستقبلية ,
حيث إن الفهم العميق هو مفتاح التعامل الراشد
, وأساس اختيار الموقف الصحيح.
وعدم العناية الكافية بهذا الباب من أبرز
سلبيات الخطاب الإسلامي المعاصر.. وقد أورث
هذا أخطاءً فادحـةً في الفكر والحركة جميعاً!
فالاختلال في فهم مصطلح "الحاكمية" أدى إلى
الوقوع في براثن تكفير الأنظمة بإطلاق، دون
تفريق بين "الحاكمية القدرية" و"الشرعية
المطلقة" للخالق ـ جل وعلا ـ، وبين حاكمية
سلطة الاجتهاد فيما لا نص فيه أو فيما جعله
الشارع الحكيم محلاًّ للاجتهاد.
كما أن الغلو في مصطلح "الجاهلية" أدى إلى
تكفير المجتمعات، دون مراعاة للحد الفاصل بين
"جاهلية الاعتقاد" و"جاهلية العمل".
كما غدا الغلو في فهم مصطلحات "الفرقة
الناجية" و"الطائفة الظاهرة" و"الجماعة
المسلمة" منطلقاً للتكفير المذهبي، دون
اعتبارٍ لسياقات النصوص وإنزالها حسب مراد
الشرع الحنيف.
وساهم التنطع في مصطلحي "الجهاد" و"الحسبة"
إلى إيقاع العنف الفكري والسلوكي، والذي كان
حصاده ـ ولا يزال ـ مُـرًّا وباهظ الكُـلْـفة.
وسنحاول في هذه الورقة الإطلالة على بعض هذه
المصطلحات التي أدى اختلال ضبط مفاهيمها إلى
ما ذكرنا من أخطاءٍ فادحة في الفكر والحركة..
وهي مجرد نماذج على ما وراءها مما لا يسمح به
المقام.
الموالاة والمحآدَّة:
إن القرآن الكريم يزخر بنصوص تنهى عن موالاة
غير المسلمين، وتقرر أن الولاء عندما يقع
النزاع إنما يكون لله و لرسوله، غير أن هذا
الأصل محاط بضوابط تحول دون تحوله إلى عداوة
دينية أو بغضاء محتدمة أو فتنة طائفية مثل:
-
النهي ليس عن اتخاذ المخالفين في الدين
أولياء بوصفهم شركاء وطن أو جيران دار أو
زملاء حياة، وإنما هو عن توليهم بوصفهم
جماعة معادية للمسلمين تحآد الله ورسوله،
لذلك تكررت في القرآن عبارة (من دون
المؤمنين) للدلالة على أن المنهي عنه هو
الموالاة التي يترتب عليها انحياز المؤمن
إلى معسكر اعداء دينه وعقيدته.
-
المودة المنهي عنها هي مودة المحآدين لله
ورسوله الذين "يخرجون الرسول وإياكم أن
تؤمنوا بالله ربكم"(26)
لا مجرد المخالفين ولو كانوا سلماً
للمسلمين.
-
غير المسلم الذي لا يحارب الإسلام قد تكون
مودته واجبة كما في شأن الزوجة الكتابية
وأهلها الذين هم أخوال الأبناء المسلمين..
فمودتهم قربة وقطيعتهم ذنب.
-
الإسلام يعلي من شأن الرابطة الدينية
ويجعلها أعلى من كل رابطة سواها ولكن ذلك
لا يعني أن يرفع المسلم راية العداوة في
وجه كل غير مسلم لمجرد المخالفة في الدين
أو المغايرة في العقيدة.
الجــزية:
و هي ضريبة سنوية على الرؤوس تتمثل في مقدار
زهيد من المال يُفرض على الرجال البالغين
القادرين، على حسب ثرواتهم، والجزية لم تكن
ملازمة لعقد الذمة في كل حال كما يظن بعضهم،
بل استفاضت أقوال الفقهاء في تعليلها وقالوا
إنها بدل عن اشتراك غير المسلمين في الدفاع عن
دار الإسلام، لذلك أسقطها الصحابة و التابعون
عمن قبل منهم الاشتراك في الدفاع عنها، فعل
ذلك سراقة بن عمرو مع أهل أرمينية سنة 22 هـ
وحبيب بن مسلمة الفهري مع أهل انطاكية، ووقع
مثل ذلك مع الجراجمة – وهم أهل مدينة تركية -
في عهد عمر رضي الله عنه وابرم الصلح مندوب
أبي عبيدة بن الجراح وأقره أبو عبيدة فيمن معه
من الصحابة، وصالح المسلمون أهل النوبة على
عهد الصحابي عبد الله بن أبي السرح على غير
جزية بل على هدايا تتبادل في كل عام، وصالحوا
أهل قبرص في زمن معاوية على خراج وحياد بين
المسلمين والروم.
غير المسلمين من المواطنين الذين يؤدون واجب
الجندية، ويسهمون في حماية دار الإسلام لا تجب
عليهم الجزية.و الصغار الوارد في آية التوبة
يقصد به خضوعهم لحكم القانون وسلطان الدولة
فوضى الشعار.. وداء التعميم!!
وهذه من أخطر مشكلات الفكر بوجـهٍ عام،
وتتزايد خطورتها إذ توسم بصفة "الإسلامية" ؛
لأنها تختلط حينذاك بمقـرَّرات الدين اختلاطَ
مفهومي "الدين" والتدين" الذي سبق الحديث عنه!
وسوف نكتفي بضرب عددٍ من الأمثلة التي تشير
إلى ما وراءها من شعارات زاعقة لا تحوي مضامين
علمية ذات مصداقية، وتعميمات خاطئة لا تستند
إلى واقع مختبـَـر!
1. الكفر كـلُّـه ملـةٌ واحدة:
هذه العبارة صحيحة في مآل الكفر فهو مله واحدة
من حيث العاقبة، لكن ذلك لا يعني أن كفر أهل
الكتاب مثل كفر الوثنيين.
2. خذوا الإسلام جملـةً أو دعوه جملـةً:
هذه العبارة صحيحة في مجال الاعتقاد والتصور
فلا يجوز أخذ العقيدة تفاريق، لكن في جانب
تطبيق الأحكام وتنـزيلها إلى أرض الواقع لابد
من المرحلية والتدرج.
3. العولمة شـرٌّ محض::
هذه العبارة لا تصح لأن العولمة - على كثرة ما
بها من شرور – لا تخلو من جوانب عظيمة الفائدة
للدعوة الإسلامية.
آفـاقُ الخطاب الإسلامي
المعاصر: آمـالٌ وواجبـاتت
يجب على الخطاب الإسلامي المعاصر أن يسعى إلى
سد الفراغ، وتكثيف الجهود، وجبر النقصان في
عددٍ من القضايا الملحة، والتي لا تحتمل
تسويفاً أو إبطاءً.. ومن أهم هذه القضايا
الكبرى ما يلي..
فثمة جُـفاةٌ يريدون الإسلام عقيدةً بلا
شريعة، وديناً بلا دولة، وفقهاً بلا حدود،
وعبادةً بلا معاملة، وحقًّا بلا قوة، وجهاداً
بلا قتال، ورحمـةً بلا حسم، وتسامحاً بل عزة،
وحواراً بلا تكافؤ، وانفتاحاً بلا خصوصية..
وهكذا تتجاذب الأمةَ محاولاتُ التفريق
والتفتيت التي تهدف إلى تخليتها عن ثوابتها
وخصوصياتها الثقافية وهُويتها الحضارية، فى
ظلِّ دعاوَى كَفالة الحريات وتعميم الحداثة
واللَحاق بـرَكْب العولمة!
فيجب صون الفكر الإسلامي عن الفهم السقيم بسبب
خرافاتٍ في العقيدة، ومبتدعاتٍ في العبادة،
وسلبياتٍ في التربية، وجمودٍ في الفكر،
وتقليـدٍ في الفقه، وتفريـطٍ في السنن..
ولا شئ يتصدى للوقاية من هذه الأدواء جميعاً
وعلاجِـها غيـرُ المنهج الوسطي الذى يكفُل
للأمة أن تعيش زمانَـها وأن تتكيفَ مع واقعها،
من غير أن تذوب هُـويـَّـتُـها أو أن تتخلَّـى
عن حقها فى أن تكون لها شخصيتُها الحضاريـةُ
المستـقلِّـة.
إن استعادة الريادة الحضارية والسيادة
العالمية لأمة الإسلام تتطلب المصالحة الشاملة
بين فعاليات الأمة، والتعاون التام بين دوائر
النفوذ فيها، ويشمل هذا:
أولاً: المصالحة بين العاملين في الحقل
الإسلامي
يمكن لجماعات العمل الاسلامي أن تعمل على
توحيد الكلمة وفق الموجهات التالية:
1. الإجماع على أمر واحد في فروع الدين
مطلب مستحيل بل هو يتنافى مع طبيعة هذا الدين.
و الاختلاف ضرورة واقعة تتطلب منا::
-
رد التنازع الى الله و رسوله.
-
الإيقان بأنه لا عصمة لأحد إلا
للنبي صلى الله عليه وسلم، وكل أحد يؤخذ من
قوله ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم..
-
تصحيح النية وتحري أن يكون القصد هو
وضوح الحق وبلوغ الصواب.
-
إحسان الظن بعلماء الأمة و توقيرهم
والتماس العذر لهم.
ضرورة الجمع بين النصوص والأقوال
قبل القطع بالحكم عليها من خلال نص واحد مع
مراعاة السياق اللفظي والمعنوي والظرفي. فيحمل
المبهم الخفي على الواضح الجلي، والمشكل على
المفسر، والمجمل على المفصل والعام على الخاص
والمطلق على المقيد ويرجح المنطوق على المفهوم
والعبارة على الإشارة والمتأخر على المتقدم
وذلك تحقيقاً للإنصاف.
ضرورة حمل الكلام على أحسن المحامل ان اتسع لها التأويل، وساغ لها الفهم. ومسالك
الأئمة كثيرة في هذا المعنى.
لا يحل التشنيع و الإرجاف على طائفة
ما بسبب مسائل تحتمل وجوهاً في الفهم ومتسعا
للرأي ومسرحاً للنظر ولا يحل التضليل والتكفير
لخطورتهما..
إدراك أن الاتفاق العام على أصول
المنهج لا يلزم منه الاتفاق على تفاصيله
والمخالفة الفرعية لا تخرج المرء عن أصول
المنهج ومن ذلك اختلاف السلف في بعض فروع
العقيدة كمسألة رؤية الرسول صلى الله عليه
وسلم ربه في المعراج وتفاضل الصحابة و نحو
ذلك.
ضرورة التوسط والاعتدال حتى عند
شنئان العداوة واستحكام الخلاف فلا بد من
الإنصاف والنظر بعين العدل.
الأئمة والدعاة المشهود لهم
بالإمامة في الدين تنغمر سيئاتهم في خضم
حسناتهم وفضائلهم، فلا ينبغي الحرص على تتبع
سقطات الأعلام و عثرات الهداة، بل نثبت لأهل
الفضل والسابقة فضلهم وسابقتهم.
2. إن لم تتضح الحجة عند الاختلاف عذر كل
أخاه و وكل سريرته الى الله عز وجل و داوم على
أخوته. فنعمل فيما اتفقنا عليه من الأصول
والكليات والقطعيات والمحكمات، ويعذر بعضنا
بعضاً في الفروع مما للاجتهاد فيه نصيب وللنظر
فيه مسرح وللرأي فيه متسع – أي بضابط إمكان
الاجتهاد- في مثل هذا القدر من الخلاف الذي
يسمح به المنهاج.
3. القبول بمبدأ التعددية الحركية وأن
تسعى كل جماعة لما وهبت نفسها له..
4. إبقاء الإلفة والأخوة و رعاية الحقوق و
صون الحرمات.
5. الوقوف في خندق واحد إزاء قضايا الأمة
الكبرى وهمومها المصيرية.
6. تجنب ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة في
فهم النصوص وتنـزيلها على الواقع.
7. إحياء فقه الاجتهاد الجماعي المركب من
فقه النصوص ومقاصدها وفقه الوقائع و مآلاتها.
ثانياً: المصالحة بين جماعات العمل الاسلامي
والتيارات الوطنية والقومية
يمكن لجماعات العمل الإسلامي والتيارات
الوطنية والقومية أن تجتمع على الآتي::
8. المحافظة على الهوية والثوابت: خاصة
وأنه في ظل العولمة الثقافية والفكرية تسعى
دوائر كثيرة لتمييع ثوابتنا وأبعاد أجيالنا عن
هويتها الحقيقية.
9. تأمين الأمن والاستقرار: ذلك أن عدم
وجود الأمن في ربوع أوطاننا يؤدي الى تضييع
الطاقات وتهجير الكوادر وخروج رؤوس الأموال
وتعطيل التنمية.
10. إرساء قواعد
الحوار وممارسته: ذلك لأهمية الحوار وممارسته
حيث أنه توجد قواسم مشتركة ومن ثم فان الأمة
تحتاج مزيداً من الحوار وممارسته سواء بين
مكونات المجتمع المدني أو بين الهيئات
الرسمية..
11. تفعيل العمل
الشعبي: إن أهم قوة لدينا كتيارين هو الالتفاف
الشعبي بمشروع الأمة الذي نحمله، ولذلك كان
لزاماً علينا أن نفعل العمل الشعبي في أطره
المختلفة سواء فيما يتعلق بالهوية والثوابت أو
في التصدي للمشروع الصهيوني والمشروع التغريبي
أو فيما يتعلق بوحدة الأمة وبعث الأمل.
12. بعث التنمية
وتحقيق العدالة الاجتماعية: إن الأمة تحتاج
وفي كل الأوطان الى بعث التنمية في جوانبها
المختلفة خاصة وأن الهوة بيننا وبين غيرنا
عميق والبون شاسع لذا يتعين بذل الاهتمام
لتفعيل قدرات الأمة التنموية والارتقاء بها،
وتقليل الفوارق الاجتماعية بين الطبقات.
ثالثاً: المصالحة بين المؤسسات الرسمية
والشعبيةة
إن خطابنا الإسلامي يكون قاصراً إن تجاهل –
بَلْه استعدى – المؤسسات الرسمية التي تؤثر
بإصداراتها ونشاطاتها في عدد كبير من أفـراد
الشعب، بل.. وربما تؤثـر على الحكومات
وقراراتها. لذلك.. ينبغي أن يـبذل لها من
التقدير والاحترام ما يليق بمكانتها العلمية،
وأن يدأب على نقاشها ومحاورتها مستهدين بما
يلي:
13. هناك عدد مقدر من
العلماء الذين لا ينتمون للجماعات الإسلامية
لأسباب عديدة منها ما هو إداري ومنها ما هو
فكري يتعلق بوجوب الانتماء للجماعات الإسلامية
و عدمه. وإساءة الظن بهم لا تجوز شرعاً.
14. شعار "نتعاون فيما
اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا
فيه" يشمل كل المسلمين ولا شك أنـِّه يجمع بين
المؤسسات الشعبية والرسمية.
رابعاً: المصالحة بين الشعوب والأنظمة
تختلف الحكومات في قربها وبعدها من الاسلام
بقدر ما تطبقه من شريعة الله، وتختلف كذلك في
أسباب عدم تطبيقها لشرع الله كاملاً، ومهما
يكن من أمر فإن المواجهة بين جماعات العمل
الاسلامي والحكومات لا تثمر الا في زيادة في
تمزق الأمة، و فتحاً للباب للتدخل الأجنبي.
لذلك لا بد من أيجاد مصالحة بين الشعوب
والأنظمة للأسباب الآتية::
-
التعاون والتفاهم يوفر المناخ المناسب
للأمن والاستقرار الذي تحتاجه الأمة
الاسلامية لتحقيق التنمية وتوفير سبل
العيش الكريم.
-
التدرج في تطبيق أحكام الاسلام يوفر
الوقت المطلوب لإزالة شكوك المتشككين
ولإيجاد مؤسسات إسلامية بديلة، الأمر
الذي يؤمن نجاح التجربة.
-
التعاون التفاهم يسقط دعوى من يتهمون
جماعات العمل الاسلامي بالتطرف والعنف
ويوفر الطاقات لمواجهة الأعداء
الحقيقيين.
-
التعاون والتفاهم يجعل الشعوب
والأنظمة في صعيد واحد الأمر الذي
يؤمن معرفة كل طرف للآخر وللأسباب
التي تحول دون أسلمة المجتمع، وللقوى
التي تعمل على زرع الخلاف و إهدار
طاقات الأمة، ويجعل الطرفين يعملان
معاً لتجاوز هذه العقبات.
مشروع النهضة الشاملة
تصورُنا لنهضة أمتنا الحضارية الوسطية الشاملة
يعتمد العناصرَ الأَوَّليةَ اللازمةَ لفعل
النهوض، وهي ـ بحسَب مالك بن نبي رحمه الله ـ:
الإنسان، الثقافة، التراب، الوقت.. ليمتد من
«عالم الأشياء» إلى تحقيق مجمل الشروط
الماديـة والمعنويـة الواجب استيفاؤها في
الفعل الإنساني من أجل تحقيق التغيـير إلى
الأفضل: «إنَّ الله لا يغيـِّـر ما بقومٍ..
حتى يغيـِّـروا ما بأنفسهم»
(27)، ثم تمتد أيضاً من «مزرعة الدنيا»
واجبـةِ الرعاية والتنمية إلى «جنـة الآخرة»
الموعودة: «وما خلقتُ الجـنَّ والإنـسَ إلا
ليعبدونِ»
(28).
نهضتُنا المنشودةُ: ولادةٌ جديدةٌ للأمة
المسلمة ـ بَـدءاً ـ في جميع المجالات، بروحٍ
تجمع بين كلٍّ من: الإيجابية،
الـجِـدِّيـَّـة، الإتقان، استثمار الأوقات،
استغلال الموارد الطبيعية والبشرية، التخطيط
العلمي. ولا بُـدَّ في هذا السياق من تحويل
الأفكار العظيمة إلى مشروعات، والآمال
الطَّـموحة إلى خطط وبرامج.
لا بُـدَّ من توفر شروط تحقيق «أمل النهضة» كي
لا يبقى «حُـلُـماً تاريخـيًّا»!
من الدمـوع.. إلى الـشـموع!
إن من أعظم ما يجب أن ينشغل به الخطاب
الإسلامي العمل على ترجمة الأهداف المبتغاة
والنتائج المرجُـوَّة إلى مشاريعَ عملية
وبرامجَ تنفيذية.. نرابط ـ بالاشتغال بها ـ
على ثغور الأمة المختلفة وجبهاتها المتعددة ؛
لتتحصن الأمة بـمَـصـدَّاتٍ واقيـةٍ، تعكس
بصراً بالواقع واستشرافاً لغـدٍ مشرقٍ مأمول.
ولا يكون هذا ـ على النحو الأجود ـ إلا
باعتماد مبادئ العمل الجماعي بروح الفريق
الضامنـةِ فاعليةَ المؤسسة: استمراراً
واستقراراً، قدرةً وفاعليـةً، كفاءةً
وجَـدارةً.. عبرَ وضع الاستراتيجيات، وتخطيط
البرامج، واحتضان الكفاءات المتخصصة والمتميزة
في مختلف مجالات العمل.
وبهذا ـ فقط ـ يحين أوان الانتقال من الدموع
إلى الشموع، ومن المحنة إلى المنحة، ومن
الشعارات إلى البرامج!
ومن أهم ما يمكن أن يتوجه إليه الاهتمام في
هذا السياق هذه المشاريع الحيوية والعاجلة..
1. تقوية مسار الإصلاح الشامل في الأمة:
وذلك بتحقيق الحكم الرشيد القائم على نهج
الشورى، وكفالة الحريات، وصون الحقوق، وشراكة
الأمة، والارتقاء بمناهج التعليم وأوعية
الثقافة، وتقويم رسالة الإعلام، والعمل ـ في
الجملة ـ على نهضة المجتمع وإزالة الأمية
الحضارية.
2. تحقيق التنمية المستدامة:
والتي يُقصد بها التنمية التي تفي باحتياجات
الجيل الحالي دون المساس بقدرة الأجيال
القادمة على الوفاء باحتياجاتهم. فمن المعلوم
أن التنمية في كثير من الدول تعمل على إهلاك
الموارد الاقتصادية، الأمر الذي سيلقي تبعاته
الثقيلة على الأجيال القادمة.
3. بسط العدالة الاجتماعية:
إن الخطاب الإسلامي يكون قاصراً إن تجاهل "
العدالة الاجتماعية" التي تحدث عنها القرآن في
بحر آياته العديدة وأرسى قواعدها، ووضح أسسها،
و رمي إلى تكوين المجتمع العادل... فالعدل
أساس في البناء السياسي والقضائي والاقتصادي،
وأساس في تثبيت الحقوق والواجبات واصول
التّعامل والعلاقات بين الناس.
4. القضاء على البطالة:
إن الناظر لزيادة معدلات البطالة في العالم
يدرك لا شك عمق المشكلة التي تواجه المجتمعات
التي تنشد الرفاهية المعيشية وتطمح إلى تحسين
الأوضاع الاجتماعية و تطبيق التنمية
المستدامة.
كما يدرك عظم المشاكل الاجتماعية الناجمة عنها
وعظم الدور المنوط بالخطاب الإسلامي.
5. إصحاح البيئة:
إن الخطاب الإسلامي لا يغفل مشاكل البيئة التي
أدت إليها الثورة الصناعية المعاصرة فأحدثت
خللا كبيراً في البيئة، فالمصانع التي تنفث
مداخنها مواداً مضرة بالبيئة أدت إلى حدوث
الأمطار الحمضية التي أضرت بالغطاء النباتي و
عوادم السيارات التي زادت من نسبة ثاني أكسيد
الكربون في الجو أدت إلى زيادة درجة حرارة
الغلاف الجوي فيما يعرف باثر البيت الزجاجي و
هددت حياة كثير من الكائنات، كما أن رحلات
المركبات الفضائية ساهمت في إنقاص نسبة غاز
الأزون مما يهدد بنفاذ الأشعة فوق البنفسجية
التي لها أضرار عديدة.
الخــاتــمــة
يمكننا تلخيص دور الخطاب الإسلامي المعاصر
ومهمته في أنه يجب عليه تقديمُ الإسلام منهجاً
مرتبطاً بالزمان والمكان والإنسان، موصولاً
بالواقع، مشروحاً بلغة العصر، جامعاً بين
النقل الصحيح والعقل الصريح، منفتحاً على
الاجتهاد والتجديد وَفْـقَ مِنهاج النظر
والاستدلال المعتبَـر عند أهل العلم، ثابتاً
في الكُـلِّـيـَّـات والأصول، مَـرِناً في
الـجُـزئيـَّـات والفروع، محافظاً في الأهداف،
متطوراً في الوسائل، مرحِّباً بكل قديـمٍ
صالح، منتفعاً بكل جديدٍ نافع، منفتحاً على
الحضارات بلا ذَوَبان، مراعياً الخصوصياتِ بلا
انكفاء، ملتمساً الحكمـةَ من أي وِعاءٍ خرجت،
عاملاً على تعزيز المشترك الحضاريِّ
والإنسانيّ.. مرتبطاً بالأصل.. ومتصلاً
بالعصر.
والحـقُّ.. أن هذه رسالة جليلة، ومهمـةٌ
خطيرة.. لكن لا محيص عن القيام عليها والنهوض
بها.. فهي مقتضى خيرية الأمة.. والله تعالى
الموفق والمعين.. ولا حول ولا قوة إلا به
سبحانه وتعالى.
والحمد لله رب العالمين.
وزير الأوقاف والشئون الإسلامية
الأسبق في السودان، وأمين عام المركز العالمي
للوسطية بالكويت
(1) (سورة ص ، الآية 20).
(2) انظر : الخطاب الإسلامي بين الأصالة
والمعاصرة ، د. عبد العزيز التويجري ، موقع
المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة :
http://www.isesco.org.ma/pub/arabic/Khitab/P2.htm
(3) انظر : الخطاب الإسلامي .. الماهية
ودلالات التجديد ، وسام فؤاد :
http://wessamfauad.modawanati.co/
(4) (سورة العَـلَـق : الآيات 1 : 5).
(5) (سورة الأنبياء ، الآية 107).
(6) (سورة الحجرات ، الآية 13).
(7) (سورة الإسراء ، الآية 70).
(8) سنن أبي داود ، ج 2 ، ص 83
(9) (سورة الممتحنة ، الآية 8).
(10) (سورة المائدة ، الآية 48).
(11) (سورة الإسراء ، الآية 34).
(12) سورة الـحِـجْـر ، الآية 9).
(13) (سورة الـحَـشر ، الآية 7).
(14) (رواهما مسلم).
(15) (رواه الترمذي ، وقال : حَـسَنٌ
صحيح).
(16) (سورة الرعد ، الآية 11).
(17) (سورة الذاريات ، الآية 56).
(18) (سورة سبأ ، الآية 28).
(19) (سورة الأعراف ، الآية 158).
(20) (سورة الأنبياء ، الآية 107).
(21) (رواه البخاري ومسلم وغيرهما).
(22) (سورة الشمس ، الآيات 10:6).
(23) (سورة المائدة ، الآية 8).
(24) (سورة هود ، الآيتان 118 ، 119).
(25) (سورة الـحُـجُـرات ، الآية 13).
(26) (سورة الممتحنة ، الآية 1).
(27) (سورة الرعد ، الآية 11).
(28) (سورة الذاريات ، الآية 56).
|