ÇÊÍÇÏÚáãÇÁ ÇáãÓáãíä
 
Untitled-1

المسلمون والعنف السياسي.. نظرات تأصيلية

18-12-2007

موقع الإتحاد

 

أ.د يوسف القرضاوي*

مفهوما العنف.. والإرهاب

بين الجهاد المشروع والعنف الممنوع

العمليات الاستشهادية أعلى أنواع الجهاد

جماعات العنف المنسوبة إلى الإسلام.. ومناقشتها

مناقشة جماعات العنف في شرعيته وجدواه

"إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف". من هذا الحديث يمكن تعريف العنف بأنه -كما يقول الشيخ القرضاوي- "استخدام الشدة والغلظة، في غير موضعها، أو في غير أوانها، أو بأكثر مما يلزم، أو بغير حاجة إليها، أو بدون ضوابط استعمالها".

وإذا كان الإسلام يرفض العنف في القول، فأولى أن يرفض العنف في الفعل. بمعنى استخدام القوة المادية أو العسكرية في غير موضعها، أي بالحق والباطل، وفي العدل والظلم.

أما الإرهاب فهو -بحسب القرضاوي-: أن تستخدم العنف فيمن ليس بينك وبينه قضية، وإنما هو وسيلة لإرهاب الآخرين وتخويفهم وإيذائهم بوجه من الوجوه، وإجبارهم على أن يخضعوا لمطالبك، وإن كانت عادلة في رأيك.

بين الجهاد المشروع والعنف المذموم

من هنا يمكن التمييز بين الجهاد المشروع والعنف المذموم بأن الجهاد يتميز بوضوح هدفه، ووسائله، والتزامه بأحكام الشرع، ومكارم الأخلاق التي جاء بها الإسلام: قبل القتال، وأثناء القتال، وبعد القتال. أما (العنف) -كما يقوم به بعض الجماعات التي تنسب إلى الإسلام- فينقصه الوضوح في الرؤية، سواء للأهداف أم للوسائل، وللضوابط الشرعية.

ومما لا شك فيه -كما يقول القرضاوي-: أن أفضل أنواع الجهاد في عصرنا، وأولاها بالمشروعية والفضل: الجهاد لتحرير فلسطين. ومن البَيِّن أن قدرات الشعب الفلسطيني لا تستطيع قهر العدو الإسرائيلي فانتقل واجب الجهاد العيني إلى جيرانهم وأشقائهم من العرب، ومع عجزهم انتقل واجب الجهاد العيني إلى المسلمين كافة في أنحاء العالم، وهذا واجب المسلمين تجاه أي جزء من أرض الإسلام يحتله عدو غاز كافر.

ويتابع القرضاوي: فإذا تقاعست الحكومات عن هذا الواجب المقدس، فعلى الشعوب والجماهير المسلمة أن تضغط على حكامها بكل ما تستطيع، أمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر، بواسطة العلماء والدعاة والمفكرين، ورجال الصحافة والإعلام، وأهل الرأي والحكمة، وكل من يمكنه أن يقول كلمة حق، حتى تستجيب لهم الحكومات في النهاية.

العمليات الاستشهادية.. أعلى أنواع الجهاد

أما العمليات الاستشهادية التي تقوم بها فصائل المقاومة الفلسطينية لمقاومة الاحتلال الصهيوني، فهي لا تدخل في دائرة الإرهاب المجرّم والمحظور بحال من الأحوال، وإن كان من ضحاياها بعض المدنيين، وذلك لعدة أسباب يمكن تلخصيها من كلام الشيخ القرضاوي في الآتي:

- المجتمع الإسرائيلي مجتمع عسكري لحمًا ودمًا.

- المجتمع الإسرائيلي (مجتمع غزاة) قدموا من خارج المنطقة.

- هؤلاء هم الذين يسميهم الفقهاء (الحربيين)، ولهم في الفقه أحكامهم الخاصة بهم.

- إذا جاز قتل المسلمين الأبرياء المكرَهين -في حال تترس العدو بهم- للحفاظ على جماعة المسلمين الكبرى، فأن يجوز قتل غير المسلمين، لتحرير أرض المسلمين من محتليها الظالمين: أحق وأولى.

- الحرب المعاصرة تجند المجتمع كله.

- تلك العمليات هي ضرورة ماسة وقاهرة.

ويرد الشيخ على شبهات المعارضين بأن الهدف مختلف تمامًا بين (الاستشهادي) وبين (المنتحر)، وأن الاستشهاديين لا يتعمدون قتل الأطفال، ولا يقصدون ذلك أصلاً، ولكن هذا يأتي تبعًا، وبحكم الضرورة التي لا يمكن تخطيها. وأن هذه العمليات هي "رد" على اعتداء إسرائيل، وأن العدوان "طبيعة" في إسرائيل، وما كان بالذات لا يتخلف، وبأننا لا ينبغي أن نضخم في أثر الضربات الإسرائيلية على الفلسطينيين، ونغفل آثار الضربات الاستشهادية في كيان بني صهيون.

أسباب العنف

وفيما يخص جماعات العنف المنسوبة للإسلام فالنظر بعمق إلى الأسباب التي أدت إلى هذه الظاهرة، يفضي إلى عدة أسباب، منها: الظلم الواقع على بلادنا من القوى العظمى، وما يقوم به الحكام في ديارنا العربية والإسلامية من مظالم، لكن الشيخ يرى وراءها -أيضًا- أسبابًا فكرية هي الأكبر تأثيرًا. ويقول: هناك خلل فكري في رؤيتهم للدين، ورؤيتهم للناس، ورؤيتهم للحياة. والخلل الفكري لا يواجه بالسجون والتعذيب والتنكيل، فإن هذا قد لا يزيدهم إلا تشددًا وتعصبًا لأفكارهم.

فلا بد من مواجهة فكرية علمية معهم، يقوم بها رجال ثقات في علمهم، ثقات في دينهم، وقد بعث سيدنا علي رضي الله عنه إلى الخوارج الذين ثاروا عليه: سيدنا عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، ليحاجهم ويحاورهم، وما زال يحاورهم ويجادلهم بالحجة والإقناع، حتى رجع منهم عدة آلاف، وبقي بعضهم مصرين على باطلهم.

ملامح فقه جماعات العنف

ويلخص الشيخ ملامح فقه جماعات العنف بالآتي:

- أنها كثيرًا ما تعتمد على المتشابهات وتدع المحكمات.

- تستند إلى الجزئيات وتهمل الكليات.

- تتمسك بالظواهر وتغفل المقاصد، كما تغفل ما يعارض هذه الظواهر من نصوص وقواعد.

- كثيرًا ما تضع الأدلة في غير موضعها، وتخرجها عن سياقها وإطارها.

مناقشة مبررات العنف

ويناقش الشيخ مبررات العنف لدى تلك الجماعات ويمكن تلخيصها بالآتي:

·   تكفير الحكومات القائمة: يذكر الشيخ وجود العديد من المظاهر الدينية، وأن الدساتير تنص على أن الشريعة مصدر رئيس أو المصدر الرئيس، ما يثبت إسلامية الدولة بوجه من الوجوه.

·   فتوى ابن تيمية حول قتال كل فئة تمتنع عن أداء شريعة ظاهرة متواترة من شرائع الإسلام: يجيب القرضاوي أن الذي يقاتل هذه الفئة الممتنعة: ولي الأمر، كما فعل سيدنا أبو بكر، وليس عموم الناس، وإلا أصبح الأمر فوضى!.

·   الأنظمة غير شرعية: يجيب القرضاوي التغلب هو إحدى طرائق الوصول إلى السلطة، إذا استقر له الوضع، ودان له الناس.

·   تغيير المنكر بالقوة في حال الاستطاعة: يجيب القرضاوي بأن هؤلاء يغفلون الضوابط والشروط اللازمة لتغيير المنكر بالقوة التي قررها العلماء.

وبعد أن يسرد فقه جماعات العنف باختصار يقول القرضاوي: "هو بلا ريب: فقه أعوج، وفهم أعرج، يعتوره الخلل والخطل من كل جانب. ويحتاج من فقهاء الأمة إلى وقفة علمية متأنية: لمناقشتهم في أفكارهم هذه، والرد عليهم فيما أخطئوا فيه: في ضوء الأدلة الشرعية من القرآن والسنة وإجماع الأمة.

مكامن الخلل لدى جماعات العنف

ويلخص الشيخ مكامن الخلل لدى تلك الجماعات بالآتي:

·   خلل في فقه الجهاد والنظرة إلى غير المسلمين.

·   خلل في العلاقة بأهل الذمة.

·   خلل في فقه تغيير المنكر بالقوة.

·   خلل في فقه الخروج على الحكام.

ويختم دراسته ببيان أمرين مهمين:

أحدهما: حول مدى شرعية العنف بالصورة التي تمارسها تلك الجماعات، ويشهدها الناس، وأنها لا تستند إلى محكمات الشرع لا في نصوصه البينة، ولا في مقاصده الكلية.

والثاني: مدى جدوى هذا العنف، لو افترضنا شرعيته: هل غيّر وضعًا فاسدًا؟ أو أقام حكمًا عادلاً؟ أو حقق هدفًا من الأهداف الكبرى للأمة؟

مفهوما العنف والإرهاب

كلمة العنف تتضمن معنى الشدة والغلظة. وقد جاءت بعض الأحاديث النبوية تقابل الرفق بالعنف؛ فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف".[1] وقد اشتهرت كلمة (العنف) في عصرنا، وأصبحت مصطلحا شائعا مجرَّما ومذموما، وهو يشمل مجالات عدة، وأكثر ما اشتهر العنف في عصرنا في المجال السياسي، وهو المقصود بالحديث عند الإطلاق. وقد اشتد النكير عليه، والتجريم له في الآونة الأخيرة، وإن لم يحدده من أطلقوه وجرموه.

وأكثر من يُتَّهم بالعنف المسلمون، وأكثر من يتهمهم به الغربيون. والواقع يقول: إن الغربيين هم أكثر الناس عنفا، وإن المسلمين في العالم كله هم ضحايا هذا العنف، ودماؤهم وحرماتهم مستباحة في كل مكان.

مفهوم العنف

العنف في المفهوم الشائع هو: استخدام القوة المادية أو العسكرية لقهر الخصوم بلا ضابط من شرع أو خلق أو قانون، وبلا مبالاة بما يحدث من جرائها من أضرار. وقد يحدث هذا العنف من الأفراد، أو من الجماعات، أو من الحكومات. ولكنا نلاحظ -عند التطبيق- أن بعض الجماعات تتهم بالعنف، وهي منه براء.

ولكن العنف -فيما أرى- هو استخدام الشدة والغلظة في غير موضعها، أو في غير أوانها، أو بأكثر مما يلزم، أو بغير حاجة إليها، أو بدون ضوابط استعمالها.

وإنما قلت: (الشدة)، ولم أقل: استخدام القوة المادية أو العسكرية كما هو الشائع والمقصود لدى الكثيرين؛ لأن العنف -في نظر الإسلام- لا يقتصر على القوة المادية أو العسكرية؛ بل العنف يشمل -فيما يشمل- الكلام والجدال، والإسلام يرفض العنف بلا مبرر، سواء كان في القول أم في الفعل.

ولهذا كان منهج الدعوة في الإسلام قائما على الرفق لا على العنف، كما قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125). وقال تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} (الإسراء: 53).

فأمر عباده المؤمنين أن يتحروا في خطابهم لغيرهم الكلمة التي هي أحسن، وليس مجرد الكلمة الحسنة، فإذا كانت هناك كلمتان أو عبارتان إحداهما حسنة، والأخرى أحسن منها، فعلى عباده أن يختاروا التي هي أحسن.

وهكذا يجب أن يتحرى المسلم (الأحسن) في خطابه وفي جداله، وفي دفعه لسيئة غيره، كما قال سبحانه: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت: 34).

وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الأسوة الحسنة التي تتجسد فيها المعاني والمثل العليا التي جاء بها القرآن، فقد كان خلقه القرآن.

روى البخاري في صحيحه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "استأذن رهط من اليهود على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا (أي في تحيتهم للنبي): السام عليك (أي الموت والهلاك عليك) قلت: بل عليكم السام واللعنة! فقال: "يا عائشة؛ إن الله يحب الرفق في الأمر كله" قلت: أولم تسمع ما قالوا؟! قال: "قلت: وعليكم".[2]

فهؤلاء اليهود الخبثاء لم يراعوا أدب الخطاب مع الرسول الكريم، بل لوّوا ألسنتهم، وحرفوا الكلم عن مواضعه، فبدل أن يقولوا: السلام عليكم يا محمد، قالوا: السام عليك! أي الهلاك والموت. ولكن الرسول الكريم لم يشأ أن يجعل من ذلك معركة، ورد عليهم قائلا: وعليكم؛ أي الموت يكون علينا وعليكم، وعلَّم زوجه عائشة الشابة المتحمسة الرفق في الأمر كله.

وإذا كان الإسلام يرفض العنف في القول، فأولى أن يرفض العنف في الفعل، بمعنى: استخدام القوة المادية أو العسكرية في غير موضعها، أي بالحق والباطل، وفي العدل والظلم.

بين العنف والإرهاب

هل العنف والإرهاب شيء واحد أم بينهما فرق؟ بعض الذين تحدثوا في الموضوع لم يجعلوا بينهما فرقا. ورأيي: أن بينهما عموما وخصوصا، كما يقول أهل المنطق؛ فكل إرهاب عنف، وليس كل عنف إرهابا؛ إذ العنف -فيما رأينا- أن تستخدم فئة من الناس القوة المادية في غير موضعها، وتستخدمها بغير ضابط من خُلُق أو شرع أو قانون.

ومعنى (في غير موضعها): أن تستخدم القوة حيث يمكن أن تستخدم الحجة أو الإقناع بالكلمة والدعوة والحوار بالتي هي أحسن، وهي حين تستخدم القوة لا تبالي من تقتل من الناس، ولا تسأل نفسها: أيجوز قتلهم أم لا؟ وهي تعطي نفسها سلطة المفتي والقاضي والشرطي، هذا هو العنف الذي نجرمه.

أما الإرهاب، فهو أن تستخدم العنف فيمن ليس بينك وبينه قضية، وإنما هو وسيلة لإرهاب الآخرين وتخويفهم وإيذائهم بوجه من الوجوه، وإجبارهم على أن يخضعوا لمطالبك، وإن كانت عادلة في رأيك. ويدخل في ذلك: خطف الطائرات، فليس بين الخاطف وركاب الطائرة عادة أية قضية، ولا خلاف بينه وبينهم، إنما يتخذهم وسيلة للضغط على جهة معينة؛ مثل: حكومة الطائرة المخطوفة، أو حكومة الركاب المخطوفين لتحقيق مطالب له؛ كإطلاق مساجين أو دفع فدية، أو نحو ذلك، وإلا قتلوا من قتلوا من ركاب الطائرة، أو فجروها بمن فيها.

كما يدخل في ذلك احتجاز رهائن لديه، لا يعرفهم ولا يعرفونه، ولكن يتخذهم وسيلة ضغط لتحقيق مطالبه أو يقتل منهم من يقتل، كما تفعل جماعة أبو سياف في جنوب الفلبين وغيرهم من الجماعات المماثلة.

ومن ذلك: قتل السياح في مصر، كما في مذبحة الأقصر؛ لضرب الاقتصاد المصري، للضغط على الحكومة المصرية.

ومن ذلك: ما حدث في 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، من اختطاف الطائرات المدنية بركابها من المدنيين الذين ليس بينهم وبين خاطفيها مشكلة أو نزاع، واستخدامها (آلة هجوم) وتفجيرها بمن فيها؛ للضغط والتأثير على السياسة الأمريكية.

وكذلك ضرب المدنيين البرآء في برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وهم أناس ليس بينهم وبين ضاربي البرجين مشكلة، ولا علاقة لهم بصنع القرار السياسي، وكلهم موظفون عاديون يؤدون عملهم اليومي الذي يعيشون منه، ومنهم مسلمون وغيرهم.

وإذا كنا ندين العنف بصفة عامة، فنحن ندين الإرهاب بصفة خاصة؛ لما فيه من اعتداء على أناس ليس لهم أدنى ذنب يؤاخذون به. والقاعدة التي جاء بها القرآن وكتب السماء: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (النجم: 38)، ولما فيه من ترويع البرآء الآمنين، وترويعهم في نظر الإسلام ظلم عظيم.

وقد أصدرت فتوى -منذ بضعة عشر عاما- بتحريم خطف الطائرات، وذلك بعد حادثة خطف الطائرة الكويتية، وبقاء ركابها فيها محبوسين ستة عشر يوما، كما قتلوا واحدا أو اثنين من ركابها.

كما أفتيت بتحريم حجز الرهائن والتهديد بقتلهم؛ إنكارا على ما اقترفته جماعة (أبو سياف) في الفلبين، فهؤلاء الرهائن لا جرم لهم، إلا أن القدر أوقعهم في أيديهم.

وكذلك أصدرت بيانا عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر أدنْتُ فيه هذا العمل ومقترفيه، أيا كان دينهم، أو جنسهم أو وطنهم.

وليس هذا موقفا شخصيا مني، ولكني استمددته من الإسلام ومصادره؛ من قرآنه وسنته، وفقه شريعته على اختلاف مذاهبه.

بين الجهاد المشروع والعنف الممنوع

ومن اللازم هنا أن نميز بوضوح بين (الجهاد) الذي فرضه الإسلام دفاعا عن الدين أو الدار (الوطن) أو الحرمات والمقدسات.. وبين (العنف) الذي ندينه ونجرمه. فكل من الجهاد والعنف يستخدم القوة المادية في تحقيق هدفه.

الجهاد يتميز بوضوح هدفه، ووضوح وسائله، والتزامه بأحكام الشرع، ومكارم الأخلاق التي جاء بها الإسلام: قبل القتال، وأثناء القتال، وبعد القتال.

أما (العنف) ـ كما يقوم به بعض الجماعات التي تنسب إلى الإسلام ـ فينقصه الوضوح في الرؤية، سواء للأهداف أم للوسائل، أم للضوابط الشرعية، وعامة من يقوم به من الشباب المتحمس، الذي لم يتسلح بفقه الشرع، ولا بفقه الواقع، وتغلب عاطفته عقله، وحماسته علمه، ويرى الناس الحياة بمنظار أسود، فيغلب سوء الظن، ويسارع بالاتهام بالفسوق، بل بالكفر الصريح، والكفر الأكبر المخرج من الملة.

فالجهاد يستخدم القوة في موضعها، وفي أوانها، وبقدر ما توجبه ضرورة الجهاد، ومع الأعداء الذين احتلوا أرضه، وانتهكوا حرماته، وداسوا مقدساته، عملا بقول الله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) البقرة: 190.

مشروعية الجهاد في فلسطين

ومما لا شك فيه: أن أفضل أنواع الجهاد في عصرنا، وأولاها بالمشروعية والفضل: الجهاد لتحرير فلسطين، أرض الإسراء والمعراج، وأرض المسجد الأقصى أولى القبلتين، وثالث المسجدين العظيمين، الذي ربطه الله بالمسجد الحرام، فهذا مبتدأ الإسراء، وهذا منتهاه (من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) الإسراء: 1.

هذه الأرض المقدسة ابتليت بأخبث وأفجر وأشرس أنواع الاستعمار، وهو: الاستعمار الصهيوني العنصري الاستيطاني الإحلالي الإرهابي الوحشي،[1] الذي لا يرعى لإنسان كرامة ولا حرمة، ولا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة، ولا يعرف في تعامله عدلا ولا رحمة.

هذا الاستعمار فرض نفسه ـ بالأسلوب الدموي والعنف الوحشي ـ على منطقة ليست له، ولم يكن له فيها وجود قبل أقل من قرن من الزمان، واستطاع بالقوة والكيد ومساعدة الغرب ـ بريطانيا أولا وأمريكا ثانيا ـ أن ينتصر على أهل الديار، وأن يشتتهم في الآفاق.

ومن المقرر فقها: أن على المسلمين في فلسطين أن ينفروا خفافا وثقالا، لطرد العدو الكافر، الذي احتل ديارهم، فهذا فرض عين على جميعهم، كل بما يقدر عليه، وتسقط هنا الحقوق الفردية، حتى إن المرأة لتخرج للجهاد والمقاومة بغير إذن زوجها، والابن بغير إذن أبيه، والخادم بغير إذن سيده، لأن حق الجماعة في بقائها والحفاظ عليها ـ أي على حريتها وسيادتها ـ مقدم على حقوق الأفراد من الأزواج والآباء والسادة.

فإن عجز أهل فلسطين عن طرد العدو وتحرير الأرض ـ أو تقاعسوا عن ذلك وجبنوا ـ كان على أقرب الجيران إليهم أن يقاتلوا بجوارهم ـ أو يحلوا محلهم عند قعودهم ـ حتى يطردوا العدو الغازي الكافر.

فإن عجز الجيران أو تقاعسوا عن مقاومة العدو ـ كما هو الحاصل في دول الطوق ـ وجب على من يليهم، ثم من يليهم حتى يشمل المسلمين كافة. هذا ما تفرضه أحكام الشريعة، وما يقرره الفقه الإسلامي.

وهذا هو الواقع بالنسبة لفلسطين، فقد بذل الفلسطينيون أقصى ما عندهم، وقدموا أروع البطولات في الصمود، والعمليات الاستشهادية، والمقاومات الاستبسالية في المدن والقرى والمخيمات، برغم قلة إمكاناتهم من السلاح العتاد والمال، رغم ضربهم بالصواريخ والدبابات والطائرات، وتدمير منازلهم، وإحراق مزارعهم، وتهجيرهم من مساكنهم، والتصميم على حصارهم وتجويعهم، حتى يركعوا ويستسلموا للعدو الصهيوني الغاشم. ومع هذا لم تلن لهذا الشعب قناة، ولم يطأطئ رأسا، ولم ينحن له ظهر. ولكن من البَيِّن: أن قدرات الشعب الفلسطيني لا تستطيع قهر العدو الإسرائيلي الذي غدا اليوم يملك ترسانة هائلة من الأسلحة، بما فيها السلاح النووي المحظور ملكه على العرب أجمعين.

وهنا قد انتقل واجب الجهاد العيني على جيرانهم وأشقائهم من العرب، ولكن للأسف الشديد عجز العرب من حول الفلسطينيين أو قل: استخذوا ووهنوا واستكانوا، وتركوا الفلسطينيين وحدهم بإمكاناتهم المحدودة يواجهون أكبر قوة ضاربة في الشرق الأوسط، مؤيدة بإمكانات أعظم قوة عالمية في الأرض، وهي قوة الولايات المتحدة الأمريكية. على حين خاض العرب حرب فلسطين سنة 1948م، وكانت الجامعة العربية وليدة ـ بنت ثلاث سنوات ـ ولم تترك الأمر للفلسطينيين.

وهنا ينتقل واجب الجهاد العيني إلى المسلمين كافة في أنحاء العالم، عليهم أن ينفروا خفافا وثقالا، ويجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، كل بما يقدر عليه. وهذا واجب المسلمين تجاه أي جزء من أرض الإسلام يحتله عدو غاز كافر، فكيف إذا كان هذا الجزء هو أولى القبلتين وأرض الإسراء والمعراج والمسجد الأقصى؟ هنا يتأكد الوجوب على الأمة؛ إنقاذا للمسجد الأقصى ولمقدسات الأمة في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، كما وصفها القرآن الكريم.

فإذا تقاعست الحكومات عن هذا الواجب المقدس، فعلى الشعوب والجماهير المسلمة: أن تضغط على حكامها بكل ما تستطيع، أمرا بالمعروف، ونهيا عن المنكر، بواسطة العلماء والدعاة والمفكرين، ورجال الصحافة والإعلام، وأهل الرأي والحكمة، وكل من يمكنه أن يقول كلمة حق، حتى تستجيب لهم الحكومات في النهاية، فإنها لا تستطيع أن تنفصل عن شعوبها انفصالا تاما، لأنه أشبه بانفصال الجسد عن الروح. وعلى الأقل: تتيح الفرصة للقادرين والراغبين من أبناء شعوبنا في الجهاد والاستشهاد، بفتح الطريق لهم ليحققوا آمالهم. ولن تزال طائفة من هذه الأمة قائمة على الحق حتى يأتي أمر الله، حتى يقاتل عصابة في آخر هذه الأمة الدجال.

ولا تزال الأمة تأمل في رجال أحرار مؤمنين يقودون الأمة إلى الجهاد، ويلبون أشواقها إلى التحرر، مثل الدور الذي قام به من قبل: عماد الدين زنكي وابنه البطل نور الدين محمود الشهيد، وتلميذه صلاح الدين الأيوبي، الذي حقق الله النصر الأول على يديه.

فهذا الجهاد مشروع بلا ريب، بل مفروض على أهل فلسطين خاصة، وعلى  المسلمين عامة، وهم آثمون إذا قصروا أو تهاونوا فيه.

أما العمليات الاستشهادية التي تقوم بها فصائل المقاومة الفلسطينية لمقاومة الاحتلال الصهيوني، فهي لا تدخل في دائرة الإرهاب المجرّم والمحظور بحال من الأحوال، وإن كان من ضحاياها بعض المدنيين، وذلك لعدة أسباب:

أولا: إن المجتمع الإسرائيلي -بحكم تكوينه الاستعماري الاستيطاني الإحلالي العنصري الاغتصابي- مجتمع عسكري لحما ودما، مجتمع عسكري كله، أي أن كل من جاوز سنّ الطفولة منه، من رجل أو امرأة، مجند في جيش إسرائيل، كل إسرائيلي جندي في الجيش، إما بالفعل، وإما بالقوة، أي هو جندي احتياط، يمكن أن يستدعى في أي وقت للحرب. وهذه حقيقة ماثلة للعيان، وليست مجرد دعوى تحتاج إلى برهان. وهؤلاء الذين يسمونهم (مدنيين) هم في حقيقة أمرهم (عساكر) في جيش بني صهيون بالفعل أو القوة. وخصوصا سكان (المستوطنات) منهم التي أقاموها بالعنف، وأنشئوها قلاعا للعدوان.

ثانيا: إن المجتمع الإسرائيلي له خصوصية تميزه عن غيره من سائر المجتمعات البشرية، فهو – بالنسبة لأهل فلسطين – (مجتمع غزاة) قدموا من خارج المنطقة - من روسيا أو من أمريكا، أو من أوربا أو من بلاد الشرق- ليحتلوا وطنا ليس لهم، ويطردوا شعبه منه، أي ليحتلوا فلسطين ويستعمروها، ويطردوا أهلها، ويخرجوهم من ديارهم بالإرهاب المسلح، ويشتتوهم في آفاق الأرض، ويحلوا محلهم في ديارهم، وأموالهم. ومن حق المغزو أن يحارب غزاته بكل ما يستطيع من وسائل، ليخرجهم من داره، ويردهم إلى ديارهم التي جاءوا منها، ولا عليه أن يصيب دفاعه رجالهم أو نساءهم، كبارهم أو صغارهم، فهذا الجهاد (جهاد اضطرار) كما يسميه الفقهاء لا جهاد اختيار، جهاد دفع لا جهاد طلب. ومن سقط من الأطفال والبرآء فليس مقصودا، إنما سقط تبعا لا قصدا، ولضرورة الحرب.

ومرور الزمن لا يسقط عن الصهاينة: صفة الغزاة المحتلين المستعمرين، فإن مضيّ السنين لا يغير الحقائق، ولا يُحل الحرام، ولا يبرر الجريمة، ولا يعطي الاغتصاب صيغة الملكية المشروعة بحال. فهؤلاء الذين يسمون (المدنيين) لم  يفارقهم وصفهم الحقيقي: وصف الغزاة البغاة الطغاة الظالمين. (ألا لعنة الله على الظالمين).

ثالثا: يؤكد هذا أن الشريعة الإسلامية -التي هي مرجعنا الأوحد في شئوننا كلها- تصف غير المسلمين بأحد وصفين لا ثالث لهما، وهما: مسالم ومحارب. فأما المسالم، فالمطلوب منا أن نبره ونقسط إليه، وأما المحارب فالمطلوب منا أن نحاربه، ونقابل عدوانه بمثله. كما قال تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ فَإِنِ انْتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) [البقرة: 190-193].

وهؤلاء هم الذين يسميهم الفقهاء (الحربيين)، ولهم في الفقه أحكامهم الخاصة بهم.

ومن المقرر شرعا أن (الحربي) لم يعد معصوم الدم والمال، فقد أسقط بحربه وعدوانه على المسلمين عصمة دمه وماله.

رابعا: يؤكد ذلك أن فقهاء المسلمين: اتفقوا -أو اتفق جمهورهم- على جواز قتل المسلمين إذا تترس بهم الجيش المهاجم للمسلمين، أي اتخذ العدو منهم تروسا ودروعا بشرية يحتمي بها، ويضعها في المقدمة، ليكونوا أول من تصيبهم نيران المسلمين أو سهامهم وحرابهم، فأجاز الفقهاء للمسلمين المدافعين أن يقتلوا هؤلاء المسلمين البرآء، الذين أكرهوا على أن يوضعوا في مقدمة جيش عدوهم –لأنهم أسرى عنده أو أقلية ضعيفة، أو غير ذلك- إذ لم يكن لهم بد من ذلك، وإلا دخل عليهم الجيش الغازي، وأهلك حرثهم ونسلهم. فكان لا بد من التضحية بالبعض، مقابل المحافظة على الكل، وهو من باب (فقه الموازنات) بين المصالح والمفاسد بعضها وبعض.

فإذا جاز قتل المسلمين الأبرياء المكرهين للحفاظ على جماعة المسلمين الكبرى، فأن يجوز قتل غير المسلمين، لتحرير أرض المسلمين من محتليها الظالمين: أحق وأولى.

خامسا: إن الحرب المعاصرة تجند المجتمع كله، بكل فئاته وطوائفه، ليشارك في الحرب، ويساعد على استمرارها، وإمدادها بالوقود اللازم من الطاقات المادية والبشرية، حتى تنتصر الدولة المحاربة على عدوها. وكل مواطن في المجتمع عليه دور يؤديه في إمداد المعركة، وهو في مكانه، فالجبهة الداخلية كلها -بما فيها من حرفيين وعمال وصناع- تقف وراء الجيش المحارب، وإن لم تحمل السلاح؛ ولذا يقول الخبراء: إن الكيان الصهيوني -في الحقيقة- (إسرائيل) كله جيش.

سادسا: إن الأحكام نوعان: أحكام في حالة السعة والاختيار، وأحكام في حالة الضيق والاضطرار، والمسلم يجوز له في حالة الاضطرار ما لا يجوز له في حالة الاختيار، ولهذا حرم الله تعالى في كتابه في أربع آيات: الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، ثم قال: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [البقرة: 173].

ومن هنا أخذ الفقهاء قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، وإخوتنا في فلسطين في حالة ضرورة لا شك فيها، بل هي ضرورة ماسة وقاهرة، للقيام بهذه العمليات الاستشهادية، لإقلاق أعدائهم وغاصبي أرضهم، وبث الرعب في قلوبهم، حتى لا يهنأ لهم عيش، ولا يقر لهم قرار، فيعزموا على الرحيل، ويعودوا من حيث جاءوا. ولولا ذلك لكان عليهم أن يستسلموا لما تفرضه عليهم الدولة الصهيونية من مذلة وهوان يفقدهم كل شيء، ولا تكاد تعطيهم شيئا!

أعطوهم عشر معشار ما لدى إسرائيل من دبابات ومجنزرات، وصواريخ وطائرات، وسفن وآليات، ليقاتلوا بها. وسيدعون حينئذ هذه العمليات الاستشهادية. وإلا فليس لهم من سلاح يؤذي خصمهم، ويقض مضجعه، ويحرمه لذة الأمن وشعور الاستقرار، إلا هذه (القنابل البشرية): أن (يُقَنْبل) الفتى أو الفتاة نفسه، ويفجرها في عدوه. فهذا هو السلاح الذي لا يستطيع عدوه -وإن أمدته أمريكا بالمليارات وبأقوى الأسلحة- أن يملكه، فهو سلاح متفرد، ملّكه الله تعالى لأهل الإيمان وحدهم، وهو لون من العدل الإلهي في الأرض لا يدركه إلا أولو الأبصار. فهو سلاح الضعيف المغلوب في مواجهة القوي المتجبر، (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ) [المدثر: 31].

الرد على شبهات المعارضين

الذين يعارضون العمليات الاستشهادية يعارضونها لشبهات ثلاثة:

1- أنها تدخل في (الانتحار) أي قتل النفس، وإلقائها في التهلكة، والانتحار من أكبر المحرمات في الإسلام.

2- أنها كثيرا ما تصيب المدنيين الذين لا يحاربون من النساء والأطفال، وهؤلاء يحرم قتلهم في الإسلام، حتى في حرب المواجهة بين الجيوش، وحتى الرجال الذين يُقتلون هم من المدنيين الذين لا يحملون السلاح.

3- أنها أدت إلى إلحاق الأذى والضرر بالفلسطينيين، بسبب عمليات الانتقام الفظيعة التي تقوم بها دولة الكيان الصهيوني (إسرائيل) من قتل وتدمير وإحراق واستباحة للمحرمات. فلو كانت هي مشروعة أصلا لأصبحت محظورة بنتائجها وآثارها. والنظر إلى (مآلات الأفعال) مطلوب شرعا.

العلميات الاستشهادية أبعد ما تكون عن الانتحار:

فأما الذين يعارضون العمليات الاستشهادية بأنها نوع من (الانتحار) أو (قتل النفس) فهم جد مخطئين، فإن الهدف مختلف تماما بين (الاستشهادي) وبين (المنتحر). ومن ناحية أخرى: من يحلل نفسية (الاستشهادي) ونفسية (المنتحر) يجد بينهما بونا شاسعا.

فالمنتحر يقتل نفسه من أجل نفسه، لإخفاقه في صفقة أو في حب أو في امتحان، أو غير ذلك، فضعف عن مواجهة الموقف، فقرر الهرب من الحياة بالموت.

أما الاستشهادي، فهو لا ينظر إلى نفسه، إنما يضحي من أجل قضية كبيرة، تهون في سبيلها كل التضحيات، فهو يبيع نفسه لله، ليشتري بها الجنة، وقد قال تعالى: (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) [التوبة:111].

فإذا كان المنتحر يموت فارا منسحبا، فإن الاستشهادي يموت مقداما مهاجما.

وإذا كان المنتحر لا غاية له إلا الفرار من المواجهة، فإن الاستشهادي له غاية واضحة، هي تحقيق مرضاة الله تعالى، كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ -أي يبيعها- ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) [البقرة: 207].

إصابة المدنيين:

أما شبهة إصابة المدنيين من النساء والشيوخ والأطفال والموظفين والعمال وغيرهم من طبقات المجتمع المدني، ممن لا يحملون السلاح: فقد رددنا على هذه الشبهة بما يبطلها فيما مضى، وأن المجتمع الإسرائيلي مجتمع عسكري كله، وأنه مجتمع من الغزاة… إلخ، فليراجع ما كتبناه.

وبالنسبة للأطفال، نرى الاستشهاديين لا يتعمدون قتل الأطفال، ولا يقصدون ذلك أصلا، ولكن هذا يأتي تبعا، وبحكم الضرورة التي لا يمكن تخطيها. ومن المعلوم: أن للضرورات أحكامها، التي بها تباح المحظورات، وتسقط الواجبات.

الإضرار بالفلسطينيين:

وأما شبهة الإضرار بالفلسطينيين، وأنها عادت عليهم بالقتل والتدمير والإحراق، بسبب عمليات الانتقام الصهيونية، فإن ذراع إسرائيل أطول، وقدرتها على الانتقام أقوى، وهي تكيل بالصاع صاعين، بل عشرة أصوع. فنجيب هنا بما يلي:

أولا: إن إسرائيل كانت دائما هي البادئة بالشر والأذى، والمقاومة هي التي تحاول أن ترد وتدافع عن نفسها، وهذا واضح وضوح الشمس لا يستطيع أن ينكره أحد. ويكفي أن إسرائيل ـ بحكم الشرعية الدولية كما يسمونها ـ تعتبر دولة محتلة لأرض الغير، وأن الفلسطينيين يدافعون عن وطنهم المحتل، ويقاومون عدوا غازيا لهم.

ثانيا: إن هذا العدوان طبيعة في إسرائيل، منذ قامت وإلى اليوم. بل هي لم تقم إلا على المجازر والاستباحة للدماء والحرمات والأموال. وما كان بالذات لا يتخلف. فلو أغمد الفلسطينيون أسلحتهم الخفيفة القليلة لاستمر الإسرائيليون يقتلون ويذبحون ويدمرون.

ثالثا: لا ينبغي أن نضخم في أثر الضربات الإسرائيلية على الفلسطينيين، ونغفل آثار الضربات الاستشهادية في كيان بني صهيون، وما تحدثه من رعب وذعر وتهديد للمستقبل، وشعور بعدم الاستقرار، حتى فكر كثيرون في الرحيل، ورحل بعضهم بالفعل. ناهيك بما تحدثه من أثر في السياسة والسياحة والاقتصاد وغيرها.

وهو ما جعل إسرائيل وأمريكا من ورائها تحاولان بكل جهد وحيلة: إيقاف العمليات الاستشهادية بأي ثمن، ومن ذلك تحريض السلطة الفلسطينية على ضرب المقاومة والتخلص منها بدعوى مقاومة الإرهاب.

فإذا كنا نشكو، فهم أكثر شكوى منا، وقد قال تعالى: (إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ) [النساء: 104].

اشتهر في العقود الأخيرة في عدد من البلاد العربية والإسلامية: تكوين جماعات إسلامية الوجهة، أطلقت على نفسها (جماعة الجهاد). ويعنون بالجهاد -أول ما يعنون- جهاد السلطات والحكومات الظالمة التي تحكم بلاد المسلمين، ولا تقيم شرع الله الذي فرض الله على الأمة أن تحتكم إليه في شؤونها كلها: الدينية كالعبادات، والدنيوية كالمعاملات. وكما قال تعالى: "يا أيها الناس كتب عليكم الصيام" (البقرة: 183) قال في نفس السورة: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى" (البقرة: 178)، فتنفيذ القصاص كتنفيذ الصيام، كلاهما فرض فرضه الله على المؤمنين.

وكما قال تعالى في سورة المائدة: "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين" (المائدة: 7). قال في نفس السورة: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم" (المائدة: 38)، فلماذا نأخذ بآية الطهارة، ونجمّد آية حد السرقة، وكلتاهما أمر من الله جل وعلا؟

قامت جماعات الجهاد في مصر وفي الجزائر وفي غيرهما، لمقاومة الحكام الجائرين، بل الكافرين في نظرهم، بعد أن فشل منطق الوعظ والإرشاد مع هؤلاء، ولم يَعُد يجدي معهم غير القوة التي يستخدمونها بعنف وقسوة ضد خصومهم. قالوا: ولو كان الحوار مع هؤلاء الحكام يجدي لحاورناهم، ولكن هيهات لا يقاوم السيف بالقلم، ولا السنان باللسان!.

كيف نواجه جماعات العنف في ديارنا؟

لقد بحث الكثيرون في (ظاهرة العنف) واجتهد من اجتهد في تشخيص الداء، وفي وصف الدواء. وقد تبين من الدراسات الجادة: أن العنف ليس ظاهرة إسلامية، بل هو ظاهرة عالمية؛ وجد في أمريكا ذاتها، ووجد في أوربا (في بريطانيا وإيطاليا وأسبانيا)، ووجد في آسيا (في الهند واليابان)، ووجد في إسرائيل نفسها، كما وجد في بلاد إسلامية شتى.

والذي يهمنا هنا هو علاج العنف في داخل بلادنا العربية والإسلامية: وذلك بالنظر بعمق إلى الأسباب التي أدت إلى هذه الظاهرة، ومنها:

الظلم الواقع على بلادنا من القوى العظمى، وأجلى ما يتمثل: في قضية فلسطين، قضية الشعب الذي اغتصبت أرضه، وأخرج من دياره، وشتت في الآفاق، وفرض عليه كيان دخيل مغتصب، وحتى حين أرغمته الظروف الإقليمية والدولية على الاعتراف بهذا الكيان الظالم، احتل ما بقي من أرضه في الضفة والقطاع، وغدا يتحكم في رقبته، في مأكله ومشربه، في مائه وهوائه، ويحاصره ويجوعه، ويضرب شعبه بالطائرات من فوق، والدبابات والمجنزرات من تحت. وأمسينا نشاهد بأعيننا من خلال الشاشات: مئات المنازل تدمر بما فيها من متاع وأثاث وأسباب للحياة، ويترك أهلوها في العراء، حقيقة لا مجازًا. والعالم يتفرج على هذه المهزلة أو المأساة، ومجلس الأمن لا يحرك ساكنًا، والعرب صامتون صمت القبور، والحكام -مع هذا كله- على صلة وثيقة بأمريكا التي هي وراء هذا كله. فهو يتم بإذنها ورضاها وعونها ومشاركتها الإستراتيجية. وهناك مظالم أخرى تراها كل عين في أفغانستان وفي العراق.

ومن أسباب العنف: ما يقوم به الحكام في ديارنا العربية والإسلامية من مظالم وانحراف عن النهج القويم الذي يحقق رضا الله تعالى بتطبيق شرعه، وإقامة عدله في الأرض، وإحلال حلاله وتحريم حرامه، ويحقق آمال الشعوب في حياة الحرية والكرامة، ورعاية الحقوق، وتوفير العيش الكريم الذي يليق بالإنسان المستخلف في الأرض.

كل هذا من أسباب العنف التي لا يرتاب فيها، ولكنا لا نراها كل الأسباب، ولا أهم الأسباب، كما يرى بعض الدارسين.

فإن الذي يتعمق في واقع هذه الجماعات الإسلامية التي اتخذت العنف سبيلاً لها: يجد بوضوح: أن وراءها أسبابًا فكرية -هي الأكبر تأثيرًا- هي التي دفعت هؤلاء الشباب اليوم إلى ما اندفع إليه أسلافهم من قبل من الخوارج الذين عُرِفوا بأنهم كانوا صوّاما قوّاما قرّاء للقرآن، ومع هذا استحلّوا دماء المسلمين من غيرهم؛ إذ كانت آفتهم في عقولهم وأفهامهم، وليست في ضمائرهم ونياتهم.

هناك خلل فكري في رؤيتهم للدين، ورؤيتهم للناس، ورؤيتهم للحياة. والخلل الفكري لا يواجه بالسجون والتعذيب والتنكيل، فإن هذا قد لا يزيدهم إلا تشددًا وتعصبًا لأفكارهم.

أجل، المواجهة الأمنية لا تكفي هنا، بل لا بد من مواجهة فكرية علمية معهم، يقوم بها رجال ثقات في علمهم، ثقات في دينهم، غير متهمين بأنهم من علماء السلطة، أو عملاء الشرطة.

وقد بعث سيدنا علي رضي الله عنه إلى الخوارج الذين ثاروا عليه: سيدنا عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، ليحاجهم ويحاورهم، وما زال يحاورهم ويجادلهم بالحجة والإقناع، حتى رجع منهم عدة آلاف، وبقي بعضهم مصرين على باطلهم.

وهذا ما ينبغي أن نفعله مع هذه الجماعات التي ارتكبت ما ارتكبت في مصر والجزائر والمملكة السعودية والمغرب وغيرها. وأن نصبر على محاجتهم، ونطيل الوقوف معهم؛ لنعذر إلى الله، ونقيم الحجة، ويهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيّ عن بينة.

مناقشة فقه جماعات العنف

لا بد أن نعرف أن العنف الذي تمارسه بعض الجماعات التي تنسب للإسلام، إنما هو إفراز لفلسفة معينة، تتبناها هذه الجماعات، وثمرة لفقه خاص له وجهته ومفاهيمه وأدلته التي تستند إليها هذه الفئة من الناس.

ومن نظر إلى جماعات العنف القائمة اليوم في عالمنا العربي مثلاً (جماعة الجهاد.. الجماعة الإسلامية.. السلفية الجهادية.. جماعة أنصار الإسلام.. تنظيم القاعدة): وجد لها فلسفتها ووجهة نظرها، وفقهها الذي تدعيه لنفسها، وتسنده بالأدلة من القرآن والسنة، ومن أقوال بعض العلماء، ومن الواجب: أن نناقش فقههم هذا ونرد عليه[1].

صحيح أنها كثيرًا ما تعتمد على المتشابهات وتدع المحكمات، وتستند إلى الجزئيات وتهمل الكليات، وتتمسك بالظواهر وتغفل المقاصد، كما تغفل ما يعارض هذه الظواهر من نصوص وقواعد، وكثيرًا ما تضع الأدلة في غير موضعها، وتخرجها عن سياقها وإطارها، ولكن -على أي حال-: لها فقه مزعوم يبرر العنف، ويستند إلى التراث، ويروج لدى بعض الأغرار من الشباب، والسطحيين من الناس الذين يقفون عند السطوح، ولا يغوصون في الأعماق، أساسه فقه الخوارج قديمًا الذين كانوا يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم.

مبررات العنف الداخلي

بدأت هذه الجماعات العنف في داخل أوطانها أنفسها، أي العنف ضد الأنظمة الحاكمة. فعلى أي أساس بررت ذلك وأجازته من الوجهة الشرعية، في نظرها على الأقل؟

تكفير الحكومات القائمة:

إن فقه جماعات العنف، يقوم على أن الحكومات المعاصرة: حكومات كافرة؛ لأنها لم تحكم بما أنزل الله، واستبدلت بشريعته المنزلة من الخالق: القوانين التي وضعها المخلوق، وبهذا: وجب الحكم عليها بالكفر والردة، والخروج من الملة، ووجب قتالها حتى تدع السلطة لغيرها. إذ كفرت كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان.

ويؤكد فقه هذه الجماعات كفرَ هذه الأنظمة الحاكمة بأمر آخر، وهي: أنها توالي أعداء الله من الكفار الذين يكيدون للمسلمين، وتعادي أولياء الله من دعاة الإسلام الذين ينادون بتحكيم شرع الله تعالى، وتضطهدهم وتؤذيهم. والله تعالى يقول: "ومن يتولهم منكم فإنه منهم" (المائدة: 51).

والحكومات المعاصرة: تعارض هذه التهم بدعاوى مختلفة، منها: أنها تعلن أن دينها الرسمي هو الإسلام، وأنهم ينشئون المساجد لإقامة الصلاة، ويعينون الأئمة والخطباء والمؤذنين، ويؤسسون المعاهد الدينية، والكليات الشرعية، ويوظفون الوعاظ ومدرّسي الدين في المدارس وغيرها، ويحتفلون برمضان وعيدي الفطر والأضحى، ويذيعون تلاوة القرآن في الإذاعات والتلفازات، إلى غير ذلك: من المظاهر الدينية التي تثبت إسلامية الدولة بوجه من الوجوه.

كما أن بعض دساتير هذه البلاد يعلن: أن الشريعة مصدر رئيس، أو المصدر الرئيس للتقنين، وبعضها: يعتذر عن عدم تحكيم الشريعة بضعفه أمام قوى الضغط الغربي، وبعضها وبعضها.

فتوى ابن تيمية:

كما تعتمد جماعات العنف على فتوى الإمام ابن تيمية -في قتال كل فئة تمتنع عن أداء شريعة ظاهرة متواترة من شرائع الإسلام-، كالصلاة أو الزكاة، أو الحكم بما أنزل الله: في الدماء والأموال والأعراض، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى آخره. وهو ما اعتمد عليه كتاب (الفريضة الغائبة) لجماعة الجهاد، وجعل هذه الفتوى الأساس النظري لقيام جماعته، وتسويغ أعمالها كلها.

ويستدلون هنا بقتال أبي بكر ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم، لمانعي الزكاة. فكيف بمن يمتنعون عن تطبيق أكثر أحكام الشريعة، برغم مطالبة جماهير الناس بها، بل هم أشد الناس خصومة لهؤلاء، وتضييقًا عليهم، ومعاداة لهم؟!

ونسي هؤلاء، أن الذي يقاتل هذه الفئة الممتنعة: ولي الأمر، كما فعل سيدنا أبو بكر، وليس عموم الناس، وإلا أصبح الأمر فوضى!.

حكومات مفروضة على الأمة قسرًا:

وتعتمد جماعات العنف أيضًا على أن هذه الأنظمة غير شرعية؛ لأنها لم تقم على أساس شرعي من اختيار جماهير الناس لها، أو اختيار أهل الحل والعقد، وبيعة عموم الناس، فهي تفتقد الرضا العام الذي هو أساس الشرعية، وإنما قامت على أسنة الرماح بالتغلب والسيف والعنف، وما قام بقوة السيف يجب أن يقاوم بسيف القوة، ولا يمكن أن يقاوم بسيف القلم!.

ونسي هؤلاء ما قاله فقهاؤنا من قديم: أن التغلب هو إحدى طرائق الوصول إلى السلطة، إذا استقرّ له الوضع، ودان له الناس. وهذا ما فعله عبد الملك بن مروان، بعد انتصاره على ابن الزبير رضي الله عنه، وقد أقره الناس، ومنهم بعض الصحابة مثل ابن عمر وأنس وغيرهما، حقنًا للدماء، ومنعًا للفتنة، وقد قيل: سلطان غشوم، خير من فتنة تدوم. وهذا من واقعية الفقه الإسلامي، ورعايته لتغير الظروف.

حكومات تقر المنكر وتحل ما حرم الله:

وترى جماعات العنف كذلك أن هذه المنكرات الظاهرة السافرة -التي تبيحها هذه الحكومات- من الخمر، والميسر، والزنى، والخلاعة والمجون، والربا، وسائر المحظورات الشرعية: يجب أن تغير بالقوة لمن يملك القوة، وهي ترى أنها تملكها، فلا يسقط الوجوب عنها إلى التغيير باللسان بدل اليد، كما في الحديث الشهير: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه".[2]

ويغفل هؤلاء الضوابط والشروط اللازمة لتغيير المنكر بالقوة التي قررها العلماء.

وبعض هذه الجماعات تنظر إلى المجتمع كله: أنه يأخذ حكم هذه الأنظمة التي والاها ورضي بها، وسكت عنها، ولم يحكم بكفرها، والقاعدة التي يزعمونها: أن من لم يكفّر الكافر: فهو كافر!.

وبهذا توسعوا وغلوا في (التكفير)، وكفّروا الناس بالجملة.

وعلى هذا لا يبالون من يُقتل من هؤلاء المدنيين الذين لا ناقة لهم في الحكومة ولا جمل؛ لأنهم كفروا فحلت دماؤهم وأموالهم.

كما يرون بالنظر إلى الأقليات غير المسلمة أنهم نقضوا العهد، بعدم أدائهم للجزية، وبتأييدهم لأولئك الحكام المرتدين، وأنظمتهم الوضعية، ولرفضهم للشريعة الإسلامية. وبهذا لم يَعُد لهم في أعناق المسلمين عهد ولا ذمة، وحل دمهم ومالهم. وبهذا استحلوا سرقة محلات الذهب من الأقباط في مصر، كما استحلوا سرقة بعض المسلمين أيضًا.

وهم يرون أن السياح وأمثالهم الذين يدخلون بلاد المسلمين بتأشيرات رسمية، وترخيصات قانونية والذين يعدّهم الفقهاء (مستأمنين) ولو كانت دولهم محاربة للمسلمين، يرون هؤلاء مستباحي الدم؛ لأنهم لم يأخذوا الإذن من دولة شرعية، ولأن بلادهم نفسها محاربة للإسلام، فلا عهد بينهم وبين المسلمين. والواجب: أن يقاتل هؤلاء ويقتلوا، فلا عصمة لدمائهم وأموالهم!!

وكذلك يقول هؤلاء عن الدول الغربية -التي يقيم بعض هؤلاء فيها- وقد أعطتهم حق الأمان، أو حق اللجوء السياسي لمن طردوا من بلادهم الأصلية، فآوتهم هذه الدول من تشرد، وأطعمتهم من جوع، وآمنتهم من خوف.

يقول هؤلاء بكل جرأة وتبجح: إن هذه الدول كلها كافرة، محاربة للإسلام وأمته، ويجب أن نقاتلهم جميعًا حتى يُسلموا فيَسْلَموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. ولما سُئل بعضهم عن إقامته في هذه البلاد، قال: إنها كدورة المياه، نستخدمها للضرورة، رغم نجاستها. وهؤلاء الكفار دماؤهم حلال، وأموالهم حلال للمسلمين، بنصوص الدين.

ويذكرون هنا آيات وأحاديث يضعونها في غير موضعها، فإذا واجهتهم بغيرها من الآيات والأحاديث التي هي أكثر منها وأظهر وأصرح، قالوا لك: هذه نسختها آية السيف!.

وإن كنت لاحظت نوعًا من التطور في (فقه القاعدة) ظهر في المبادرة الأخيرة التي أطلقها زعيم القاعدة أسامة بن لادن في شهر إبريل 2004 يدعو فيها الأوربيين أن يتعهدوا بالتخلي عن أمريكا وعدم التصدي لقتال المسلمين، وهو يعهد لهم -في مقابل ذلك- ألا يتعرض لهم بأذى لا في بلادهم ولا في سفاراتهم ولا في مصالحهم في الداخل أو الخارج.

وهذا يعتبر نقلة مهمة في فقه زعيم القاعدة وجماعته، فقد كانوا من قبل يرون قتال اليهود والنصارى جميعًا، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وهم في هذه المبادرة يكفّون أيديهم عمن كفّ يده عن المسلمين، ولم يساند أمريكا في حربها على العالم الإسلامي.

هذا هو فقه جماعات العنف باختصار الذي على أساسه ارتكبوا ما ارتكبوا من مجازر تشيب لهولها الولدان، وتقشعر من بشاعتها الأبدان ضد مواطنيهم من مسلمين وغير مسلمين، وضد السياح وغيرهم من الأجانب المسالمين. وهو بلا ريب: فقه أعوج، وفهم أعرج، يعتوره الخلل والخطل من كل جانب. ويحتاج من فقهاء الأمة إلى وقفة علمية متأنية لمناقشتهم في أفكارهم هذه، والرد عليهم فيما أخطئوا فيه في ضوء الأدلة الشرعية من القرآن والسنة وإجماع الأمة.

فهناك خلل في فقه الجهاد والنظرة إلى غير المسلمين، واعتقادهم وجوب قتال كل الكفار، وهذا ناقشناه باستفاضة في كتابنا (فقه الجهاد).

وهناك خلل في العلاقة بأهل الذمة من النصارى والأقباط وغيرهم، وما لهم من حقوق مرعية، وحرمات مصونة.

وهناك خلل في فقه تغيير المنكر بالقوة، وما له من شروط يجب أن تراعى. 

وهناك خلل في فقه الخروج على الحكام، وما صح فيه من أحاديث وفيرة تقيده وتضبطه، ولا تدع بابه مفتوحًا على مصراعيه لكل من شاء.

وعلينا أن نناقش ذلك كله في ضوء الأدلة الشرعية.

لقد تبين أن آفة هؤلاء في الأغلب في عقولهم، وليست في ضمائرهم، فأكثرهم مخلصون، ونياتهم صالحة، وهم متعبدون لربهم، شأنهم شأن أسلافهم من الخوارج الذين كفروا عامة المسلمين، وكفروا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، واستحلوا دمه، ودماء المسلمين معه، وصحت الأحاديث في ذمهم من عشرة أوجه، كما قال الإمام أحمد.

قالت الأحاديث في الصحيحين: "يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وقيامه إلى قيامهم، وقراءته إلى قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمِيَّة".[3] فهم: صوّام قوّام، قُرّاء عُبّاد، ولكن قراءتهم للقرآن لا تجاوز حناجرهم، أي لم تدخل إلى أعماق قلوبهم وعقولهم: ليفقهوه حق الفقه، ويتعرفوا على أسراره ومقاصده، دون أن يجعلوا همهم: الوقوف عند ألفاظه وظواهره.

وقد أدى بهم هذا الفقه الأعوج إلى استباحة دماء المسلمين الآخرين وأموالهم، حتى استباحوا دم فارس الإسلام وابنه البكر، علي ابن أبي طالب، وقال شاعرهم يمدح قاتله:

يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكـره يومـًا فـأحسـبه أوفـى البرية عند الله ميزانا

حسن النية لا يبرر الأعمال الطائشة

ولقد حذر رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم من الأعمال الطائشة، والتصرفات الرعناء التي قد يقوم بها بعض الناس الطيبين، بنوايا حسنة، وبواعث نبيلة، دون أن ينظروا في مآلاتها، ويفكروا في وخيم عواقبها؛ وذلك لقصر نظرهم، وضيق أفقهم، فما لم يتنبه المجتمع لهم، ويأخذ على أيديهم، ويمنعهم من الاستمرار في تفكيرهم الأخرق، فإنهم سيودون بالمجتمع كله، وينتهي بهم طيشهم -مع حسن نيتهم- إلى هلاكهم وهلاك الجماعة كلها معهم.

ولذا حذر الرسل الكريم صلى الله عليه وسلم الجماعة -ممثلة في أهل البصيرة وأولي العلم والحكمة- أن تتيقظ لهم، وتأخذ على أيديهم، وتمنعهم من تنفيذ ما فكروا فيه، وعقدوا عليه العزم، حفظًا لوجود الجماعة كلها، وحرصًا على حياتها وحياتهم معها.

وضرب الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك مثلاً حيًّا رائعًا ناطقًا، هو مثل ركاب السفينة الواحدة التي تتكون من طابقين أو أكثر، وبعض الناس في أعلاها، وبعضهم في أسفلها. فلو أراد ركاب الطابق الأسفل أن يخرقوا في نصيبهم خرقًا، ليستقوا منه الماء مباشرة من النهر أو البحر، بدعوى أنهم يخرقون في نصيبهم وهم أحرار فيه، وأنهم لا يريدون أن يؤذوا من فوقهم بكثرة المرور عليهم بين حين وآخر.

وليس أفضل من أن نقرأ هذا الحديث النبوي الرائع بصيغته كاملاً، كما جاء في صحيح البخاري: عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذِ من فوقنا! فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا".[4]

إن الحديث يبين لنا المسؤولية التضامنية المشتركة للأمة، وأنها لا يجوز لها أن تدع بعض أبنائها يتسببون في غرقها بجهلهم وسوء تصرفهم، وإن كانوا مخلصين، فالإخلاص لا يكفي وحده، ولكن لا بد من تحري الصواب مع الإخلاص.

ينبغي على أهل العلم والفكر، وأهل الرأي والحكمة أن يجادلوا جماعات العنف بالتي هي أحسن، كما أمر الله تعالى، وأن يناقشوهم، أو قل: يناقشوا قادتهم وعقلاءهم بالحكمة والمنطق الهادئ، ويقنعوهم بالحجة البالغة، في أمرين مهمين:

أحدهما: مدى شرعية العنف بالصورة التي يمارسونها، ويشهدها الناس، وأنها لا تستند إلى محكمات الشرع لا في نصوصه البينة، ولا في مقاصده الكلية.

والثاني: مدى جدوى هذا العنف، لو افترضنا شرعيته هل غير وضعًا فاسدًا؟ أو أقام حكمًا عادلاً؟ أو حقق هدفًا من الأهداف الكبرى للأمة؟

لقد أعلنت جماعات (الجهاد) ومن في حكمها، مثل جماعة التكفير، والجماعة الإسلامية، والسلفية الجهادية، انتهاء بـ (تنظيم القاعدة) الحرب على الحكومات القائمة، واختارت أسلوب الصدام المسلح، ولم تكتف بالبيان والبلاغ، أو التربية والتوجيه، أو أسلوب التغيير السلمي بالكفاح الشعبي في الجامعات والنقابات، والمساجد، والكفاح السياسي بدخول حلبة الانتخابات، ودخول البرلمانات؛ لمقاومة التشريعات المخالفة للإسلام، أو لحريات الشعب ومصالحه.

ولما كانت هذه الجماعات لا تملك القوة العسكرية المكافئة أو المقاربة لقوة الحكومات، فقد اتخذت أساليب في المصادمة تتفق مع إمكاناتها.

منها: أسلوب الاغتيال.

ومنها: أسلوب التخريب للمنشآت الحكومية.

وهذان الأسلوبان، يصحبهما -في الغالب- إصابة مدنيين برآء، ليس لهم في الثور ولا في الطحين، كما يقول المثل، ففيهم أطفال ونساء وشيوخ، وكثيرًا ما ينجو المقصود بالاغتيال، في حين يقتل عدد من المدنيين غير المقصودين.

ومعلوم أن قتل من لا يقاتل في الحرب بين المسلمين والكفار لا يجوز، فكيف بقتل المسلمين؟! وفي الحديث: "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم بغير حق".[1]

كما أن تدمير المنشآت الحكومية إنما هو في الحقيقة: تدمير لممتلكات الشعب في النهاية.

ومن أساليبهم: ضرب السياح، وهم قوم (مستأمنون) بلغة الفقه الإسلامي، قد أعطوا الأمان من قبل الدولة التي أمنتهم بإعطائهم سمة (تأشيرة) الدخول، فيجب أن يحترم أمانهم، ولا تخفر ذمتهم، ولا يعتدى عليهم في نفس ولا مال، ولو كان الذي أعطاهم الأمان عبد من المسلمين، فقد جاء في الحديث: "المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم"، وقال عليه الصلاة والسلام: "ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلمًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".[2]

وقال الرسول الكريم لأم هانئ وقد أجارت أحد أحمائها من المشركين: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ".[3] وقد فصلنا الحديث عن الأمان في دراستنا الموسعة عن (فقه الجهاد).

هل يحقق العنف هدفًا؟

وقد تبين للدارسين والمراقبين لأعمال العنف والمقاومة المسلحة أنها لا تحقق الهدف منها، فلم تسقط بسببها حكومة، بل لم تضعف بسببها حكومة. كل ما يمكن أن تنجح فيه جماعة العنف في بعض الأحيان قتل رئيس دولة أو رئيس وزارة أو وزير، أو مدير أمن أو نحو ذلك. ولكن هذا لا يحل المشكلة، فكثيرًا ما يأتي بدل الذاهب من هو أشد منه وأنكى وأقسى في التعامل مع الإسلاميين، حتى يقول القائل: 

رب يوم بكيت منه، فلما صرت في غيره بكيت عليه!

أو كما قال الآخر:

دعوت على عمرو فمات، فسرني     بلية بأقوام، بكيت على عمرو!

لقد انتصرت الحكومات دائمًا على جماعات العنف التي لم تكسب شيئًا، بل خسرت على عدة مستويات:

1- مستوى الخسائر الشخصية، فكثيرًا ما يُقتل هؤلاء الشباب، ومن لا يقتل منهم يساق إلى السجون، ويقضي سنين كثيرًا ما تطول، ويتعرض للأذى البدني والنفسي، ويخسر كثير منهم جامعته إن كان طالبًا، ووظيفته إن كان موظفًا، وتجارته إن كان تاجرًا، وتتعرض أسرته للضياع المادي والأدبي في غيبته. وهذه خسائر كبيرة وحقيقية، وقد رأيناها ولمسناها. وهي لهم إن شاء الله في ميزانهم بنياتهم -إن كانوا مخلصين في نياتهم، وكانت أعمالهم مبنية على اجتهاد صادر من أهله في محله- ولكنها بمقياس دنيانا خسائر مجانية!.

2- مستوى الخسائر للدعوة الإسلامية نفسها، في الداخل والخارج، باستغلال حوادث العنف التي تحدث من هذه الجماعات، لتشويه صورة الإسلام وأهله، وتصوير الإسلام بأنه خطر على العالم، وتصوير المسلمين بأنهم وحوش، لا قلوب لهم، ولا تعرف الرحمة إلى أفئدتهم سبيلاً، وخصوصًا بعد حوادث قاسية، مثل مذبحة الأقصر في صعيد مصر، وحوادث (بن طلحة)[4] وغيرها في الجزائر، وما حدث فيها من فظائع مروعة، تتفتت منها الأكباد، ويندى لها الجبين.

3 - إعطاء الذريعة لضرب التيار الإسلامي كله معتدله ومتطرفه، رفيقه وعنيفه، وقطع الطريق على تيار (الوسطية الإسلامية) وما يقدمه من أطروحات للحوار مع الآخر، والتسامح مع المخالفين، وطرح رؤى جديدة في الإصلاح، والتنمية والتغيير السلمي.

4 - خسائر على مستوى الوطن، بشغل بعضه ببعض، وضرب بعضه ببعض، بدل أن ينشغل بالتنمية والإبداع وتطوير نفسه، وتجديد شبابه، وتجنيد قواه كلها للمساهمة في نهضته ورقيّه، حتى لا يتخلف عن عالمه وعصره، وحتى يقف جميع أبناء الوطن الواحد جبهة متراصة في وجه العدو الحقيقي للأمة.

مراجعات شجاعة ومستنيرة لـ"الجماعة الإسلامية"

ومما يجب أن نسجله هنا بكل اعتزاز وإنصاف ما أعلنته (الجماعة الإسلامية) في مصر، وأيدها زعيمها الروحي الشيخ عمر عبد الرحمن، المسجون في أمريكا فك الله أسره، (وهي صنو جماعة الجهاد) من إعلان مبادرة لوقف العنف، والجنوح إلى السلم، والتخلي عن أسلوب المواجهة المسلحة مع الحكومة، ونقد ما وقع لها من أخطاء في طريق الصدام المسلح أو الجهاد، أعلنت الجماعة ذلك جهارًا في المحكمة في الخامس من شهر يوليو سنة 1997، أثناء نظر القضية العسكرية (235) حين فوجئ الحاضرون بأحد الإخوة المتهمين في القضية -وهو يقف في مواجهة رجال الإعلام- يلقي بيانًا مذيلاً بتوقيع القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية، يدعو أعضاء الجماعة لإيقاف العمليات القتالية، وحقن الدماء.

وقد شكك بعض قياديي الجماعة في صحة هذه المبادرة، ثم ما لبثوا بعد أخذ ورد، وجذب وشد أن اقتنعوا بها، وانضموا إلى ركب الداعين إلى السلم والصلح. وبدأ تأييدهم فرادى يتوالى، ثم أعلنوا بجملتهم بيانهم في 28 مارس سنة 1999 بالتأييد الكامل للمبادرة، ووقف جميع عمليات العنف تمامًا، والبيانات المحرضة عليها.

ثم أصدر الإخوة من قيادات الجماعة الإسلامية سلسلة من الدراسات الإسلامية والواقعية، تشرح هذه المبادرة ومبرراتها والتدليل عليها بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وشروح الأئمة، سموها سلسلة (تصحيح المفاهيم). قال ناشر هذه السلسلة هي إحدى الثمار الطيبة لهذه المبادرة، أراد لها كاتبوها أن تكون بيانًا لمفاهيم أسيء فهمها، وتصحيحًا لمسارات تبين خطؤها، وتكميلاً لأمور ظهر مسيس الحاجة إليها في مسيرة العمل للإسلام.

قال: وتأتي عظمة هذه السلسلة أنها خُطت وروجعت وأقرت بأيدي القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية كرم زهدي، ناجح إبراهيم، أسامة حافظ، فؤاد الدواليبي، حمدي عبد الرحمن، علي الشريف، عاصم عبد الماجد، عصام دربالة. انتهى.

ومما لفت نظري في هذه الدراسات أن كتبي كانت من (المحظورات) عندهم، ولكني وجدتهم ينقلون منها صفحات وصفحات، في مواضع شتى، وهذا يدل على أن القوم مخلصون في توجههم، وأنهم تحرروا من العقد القديمة، ومن أسر التعصب لمدرسة واحدة، وهذا من دلائل الرشد، والتماس الحكمة من أي وعاء خرجت.

عشرة موانع شرعية عن قتال الأنظمة

لقد وجد الإخوة أن الجهاد المسلح أو القتال للأنظمة الحاكمة الذي كانوا يتبنونه ويعتقدونه أمرًا واجبًا شرعيًّا، لم يَعُد اليوم واجبًا عليهم؛ لوجود موانع عدة تمنع ذلك، وعدوا عشرة موانع، ودللوا عليها، وذلك في كتابهم الأول تحت عنوان: (مبادرة وقف العنف: رؤية واقعية ونظرة شرعية).

1 - المانع الأول: أن يغلب على الظن أن الجهاد أو القتال أو الصدام المسلح لن يحقق المصلحة المتوخاة منه والتي شرع من أجلها.

2 - المانع الثاني: إذا تعارض القتال مع هداية الخلق. (بل ربما أصبح منفرًا لهم).

3 - المانع الثالث: العجز، أي عدم القدرة، فكل الواجبات تسقط بالعجز "فاتقوا الله ما استطعتم" (التغابن: 16).

4 - المانع الرابع: التهلكة، كما قال تعالى: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" (البقرة: 195).

5 - المانع الخامس: وجود مسلم أو مسلمين في صفوف المشركين، فإن حرمة دم هذا المسلم الذي اختلط بالمشركين ولم يتميز عنهم تصون دماء هؤلاء، وتحرم المساس بهم حماية للمسلمين معهم، وفي هذا يقول القرآن: "ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليمًا" (الفتح: 25).

6 - المانع السادس: نطق الكفار بالشهادتين، وتوبة المرتد ورجوعه إلى الإسلام. ورجوع العاصي إلى الطاعة.

7 - المانع السابع: إذا كانت المفاسد والفتن المترتبة على القتال أعلى من المصالح المتوقعة منه.. أو إذا كان ما يضيعه من المصالح أعظم مما يجلبه منها.

8 - المانع الثامن، وهو خاص بأهل الكتاب، وخلاصته: أنهم إذا أدوا الجزية إلى الحاكم، وعقد لهم عقد الذمة، امتنع قتالهم، سواء دفعوا إليه باسم الجزية أم غيرها، فما داموا قد أبدوا رغبتهم في الدخول مع المسلمين في عقد ذمة وجب إجابتهم، وامتنع قتالهم. فإن فعلوا ذلك، فلهم ما لنا، وعليهم ما علينا.

9 - المانع التاسع: عدم بلوغ الدعوة، ولا يجوز قتال من لم تبلغه الدعوة.

10 - المانع العاشر: عقد الصلح، والصلح خير، قال الشيخ الحصكفي في الدر المختار شرح تنوير الأبصار: ويجوز الصلح على ترك الجهاد معهم بمال منهم أو منًّا، لو خيرًا؛ لقوله تعالى: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله" (الأنفال: 61). قال ابن عابدين في حاشيته: والآية مقيدة برؤية المصلحة إجماعًا.[5]

وهذا الصلح متى أبرم امتنع القتال، سواء كان الصلح مؤقتًا أم غير مؤقت.

هذه الموانع العشرة التي ذكرتها دراسة الإخوة في الجماعة الإسلامية، وفصلوها بأدلتها في كتابهم الأول: (مبادرة وقف العنف) وختموا الكتاب بهذه الفقرة القوية المعبرة عن اتجاههم الجديد بكل جلاء.

قالوا: (فإننا كجزء من الحركة الإسلامية يجب أن يكون واضحًا أمامنا الهدف الذي نسعى إليه، ولا بد أن نقيِّم كل خطوة نخطوها على ضوء مدى مساهمتها في تحقيق هذا الهدف. وإن هدفنا الأسمى هو ما جاءت به الرسل أقوامهم: "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" (المؤمنون: 32). هدفنا تعبيد الناس لربهم أي هداية الخلائق، ولا بد أن نتملك الشجاعة الكافية للإقدام على أي قرار نراه محققًا لهذا الهدف.

ولا بد أيضًا أن نمتلك الشجاعة الكافية للإحجام عن أي قرار نراه مباعدًا بيننا وبين هذا الهدف، ولا بد كذلك أن نتملك شجاعة أكبر وأكبر للعدول عن أي قرار أو خطوة قد أقدم عليها بعضنا بالفعل، ويتبين لنا أنها لن تعين على الوصول لهدفنا سالف الذكر، أعني: هداية الناس. وليس من الشجاعة في شيء أن نترك رحى الحرب دائرة بين أبناء وطننا، ونحن متأكدون أنها قبل أن تطحن جماجم وعظامًا، ستطحن دعوة هذا الدين.

بل الشجاعة هي ما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم حين رأى المصلحة في ترك قتال قريش، فوادعهم حتى قال عمر: ولم نعطي الدنية في ديننا؟[6]

ومن شجاعته صلى الله عليه وسلم: تعلم خالد بن الوليد، فانسحب بالمسلمين يوم مؤتة، تاركًا القتال حتى صاح فيه وفي جيشه بعض المسلمين: يا فُرَّار يا فرار.

وعن رسولنا صلى الله عليه وسلم تلقينا، ومنه تعلمنا، ومن ثَمّ أصدرنا مبادرة وقف الأعمال القتالية بمصر. انتهى. .

أعتقد أن موقف (الجماعة الإسلامية) في مصر، ورجوعها عن أفكارها ومواقفها السابقة، وتخطئتها لنفسها في شجاعة، وإصدارها سلسلة (تصحيح المفاهيم) يؤيد جدوى الحوار مع جماعات العنف، ويرد على أولئك الذين ينادون بالمواجهة الأمنية وحدها، فالمواجهة الأمنية قد تهزمهم وتلزمهم جحورهم إلى حين، ولكن المشكلة الفكرية باقية، ولا زالت معششة في الرؤوس، حتى تجد الفرصة مرة أخرى، فتظهر باسم جديد، وفي شكل جديد.

ـــــــــــــــــ

[1] رواه النسائي في كتاب تحريم الدماء من سننه (7/82،83) عن عبد الله بن عمر، وروى نحوه من حديث بريدة، ورواه الترمذي في الديات (1395) مرفوعا وموقوفا، ورجح الموقوف، ورواه ابن ماجة عن البراء بن عازب (2619) وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله موثقون. وحسنه الحافظ ابن حجر في التلخيص، وصححه الألباني.

[2] متفق عليه: رواه البخاري (1771) ومسلم (1371/47) عن عليّ.

[3] متفق عليه: رواه البخاري (350) ومسلم (336/70).

[4] اسم حي لضاحية من ضواحي الجزائر العاصمة، كان يسكنه جم غفير من الإسلاميين المخالفين لجماعات العنف.

[5] راجع ذلك فيما كتبناه في باب (بماذا ينتهي القتال؟) من دراستنا الموسعة (فقه الجهاد).

[6] جزء من حديث رواه البخاري (3010) و(3011) ومسلم (1785/94) عن سهل بن حنيف رضي الله عنه.

   
Untitled-1

Bottom

تم تطوير الموقع بواسطة ميديا انترناشيونال