ÇÊÍÇÏÚáãÇÁ ÇáãÓáãíä
 
Untitled-1

 مواطنة المسلم في غير المجتمع الإسلامي

5-11-2007

موقع الإتحاد

مسلمات يتظاهرن مطالبة بحقهن في إرتداء الحجاب

تحدَّثنا عن (المواطنة) بخصوص غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، وهنا نتحدث عن (المواطنة) بخصوص المسلمين في غير المجتمع الإسلامي.

أعني: الأقليات المسلمة، التي تعيش في أوربة وأمريكا والشرق الأقصى وإفريقيا وغيرها. وخصوصا إذا كان هؤلاء المسلمون من أصول مهاجرة آسيوية أو إفريقية.

فكيف ينظر أهل البلاد إلى هؤلاء المسلمين، ولا سيما الذين حصلوا على جنسية هذه البلاد؟ هل يعتبرونهم غرباء عنهم، أو دخلاء عليهم، أجانب منهم، وإن حملوا جنسية البلاد؟ أو يعتبرونهم مواطنين، لهم ما لهم من حقوق، وعليهم ما عليهم من واجبات، وإن كانوا مخالفين لهم في الدين أو في الأصل أو في اللون؟

وكيف ينظر المسلمون أنفسهم إلى موقفهم من المجتمع الذي يعيشون فيه: هل يعتبرون أنفسهم جزءا منه أو لا زالوا يعدُّون أنفسهم غرباء عنه؟ هل ينعزلون عن المجتمع ويحيَون وحدهم، منغلقين على أنفسهم؟ أو يندمجون في المجتمع ويتفاعلون معه، ويؤثِّرون فيه، ويتأثَّرون به؟

لبيان الإجابة عن هذه الأسئلة: يجب علينا توضيح الحقائق التالية أو الأحكام الشرعية التالية:

1. حكم الإقامة في بلاد غير المسلمين.

2. حكم التجنُّس بجنسية دولة غير إسلامية.

3. فإذا جازت الإقامة والتجنُّس، وكان كلاهما أمرا مشروعا، فما حكم الاندماج في المجتمع غير المسلم؟

4. وهل يشرع للمسلم أن يقبل (المواطنة) في هذا المجتمع، ويصبح واحدا من أهل هذا الوطن في الحقوق والواجبات، أو لا يحلُّ له أن يعطي هذا الوطن الجديد: ولاءه وانتماءه، ويحمل همَّ ازدهاره وتقدُّمه والدفاع عنه في مواجهة أيِّ عدوان عليه، ولو كان ذلك العدوان من بلد إسلامي؟

5. ثم ما الموقف إذا كانت الأقلية المسلمة تريد الاندماج في أهل البلد، وأهل البلد يضيِّقون عليهم، ولا يقبلونهم شركاء لهم، ويعاملونهم معاملة الدخلاء عليهم؟

 حكم الإقامة في بلد غير إسلامي:

أما حكم الإقامة في بلد غير إسلامي، فهذا يختلف باختلاف حال أهل هذا البلد، وموقفه من الإسلام والمسلمين.

فمن البلاد مَن يضطهد المتدينين عامَّة، ويقف من الدين موقف المعادي، مثل: البلاد الشيوعية أيام سطوتها، والتي تقوم فلسفتها على الإلحاد وجحود الألوهية والنبوة والآخرة، وتقول: لا إله والحياة مادة فحسب. وتعلن: أن الدين أفيون الشعوب.

فهي تصادم الأديان جميعا، وتخصُّ الإسلام بمزيد من العدوان والنقمة، لأنه دين جهاد ونضال، ويغذِّي الشعوب بالأفكار الرافضة للشيوعية عقيدة ونظاما، ويطاردها بوصفها لونا من الاستعمار الامبريالي.

فمَن كان من أهل البلاد من المسلمين، فعليه أن يصبر ويصابر ويرابط، ولا يفرِّط في دينه بكلِّ ما يملك من قوَّة وطاقة، ويعمل بأحكام الضرورة فيما لا طاقة له به، معتبرا نفسه في حال إكراه واضطرار، وقد قال تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ} [النحل:106]، {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:173، النحل:115].

وأما مَن أراد أن يهاجر إليها من بلد مسلم، فهذا الذي نقول له: لا يحلُّ لك أن تترك بلدك المسلم، الذي تستطيع أن تقيم فيه شعائرك، وتؤدِّي عباداتك، وتذهب إلى بلد يضيِّق عليك، ويضعك تحت المراقبة، ولا يتيح لك العمل - كما تريد - بالإسلام، ناهيك عن العمل للإسلام، والدعوة إلى الإسلام.

وفي الحديث النبوي: "لا ينبغي لمؤمن أن يذلَّ نفسه!". قالوا: وكيف يذلُّ نفسه، يا رسول الله؟ قال: "يحمِّلها من البلاء ما لا تُطيق".

وإذا كان الإسلام يوجب على المسلم الهجرة من بلده الأصلي إذا ضُيِّق عليه فيه، ولم يمكَّن من إقامة أركانه، وهو ما سمَّاه القرآن (ظلم النفس)، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً} [النساء:97-99].     أقول: إذا كان يوجب الهجرة لمثل هذا من بلده، فكيف يذهب مختارا إلى بلد يظلم فيه نفسه، ويُحرم فيه من إقامة دينه؟!!

وهناك بلاد يسود فيها مناخ الحرية: الحرية الدينية، والحرية المدنية، والحرية الفكرية، والحرية السياسية، وغيرها من الحريات، ولا تتدخَّل في دين أحد، بل تَدَع كلَّ إنسان وما اختار لنفسه، وتلك هي البلاد الديمقراطية الليبرالية، وإن اتَّخذت مبدأ العلمانية شعارا لها. فالأصل في العلمانية: أنها تقف من الدين موقفا محايدا، لا تؤيِّده ولا تعاديه، بل تعدُّه أمرا شخصيا لكلِّ فرد فيما بينه وبين ربِّه، الذي آمن به، وتعبَّد له، أيًّا كان هذا الرب أو الإله.

وهذا هو المناخ الذي كان سائدا في أوربا وأمريكا طوال القرن العشرين، والذي سمح باستقبال أفواج كبيرة بالملايين من بلاد العرب والمسلمين، لأسباب شتَّى، منها العمالة، التي كانت أوربا في أمسِّ الحاجة إليها، وخصوصا بعد الحرب العالمية الثانية.

وفي هذا المناخ لا أرى بأسا من هجرة المسلم إلى بلاد أوربا التي يدين أغلبها بالنصرانية (المسيحية) والإقامة فيها، إذا كان ذلك لأهداف مشروعة، مثل: العمل وكسب المعيشة، حيث تضيق فرص العمل الملائم في بلده، وتتَّسع في هذه البلاد، فالسعي في طلب الرزق، والمشي في مناكب الأرض مشروع للمسلم.

وقد استقبلت فرنسا وألمانيا وبريطانيا وغيرها: الألوف، بل الملايين للعمل في شتَّى نواحي الحياة، من بلاد الشمال الإفريقي، وغيرها من بلاد إفريقيا، ومن تركيا، ومن شبه القارة الهندية وغيرها.

وقد قال الشاعر:

بِلادُ اللهِ واسِعةٌ فضَاهـا

 

ورزقُ اللهِ في الدَّنْيا فسِيـحُ

فقلْ للقاعِدينَ على هَوانٍ

 

إذا ضاقَتْ بكُمْ أرضٌ فَسيحوا

وقال تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل:20].

ومثل طلب الرزق: طلب الأمن، إذا كان يشعر في بلاده بالخوف على نفسه أن يسجن أو يعتقل أو يحاكم محاكمة عسكرية ظالمة، أو الخوف على أهله وولده، أو الخوف على ماله وأملاكه، وقد رأى العبرة في أمثاله وقرنائه، فأراد أن يبحث عن مكان يأمن فيه على دينه ونفسه وأهله وماله. فمن حقِّ الإنسان أن يبحث عن أمنه وأمن أسرته، فإن حاجة الإنسان إلى الأمن من خوف، كحاجته إلى الطعام من جوع، كما قال تعالى: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش:4].

واعتبر القرآن الجوع والخوف شرَّ ما تبتلى به المجتمعات، {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل:112].

ولهذا حين استقبل سيدنا يوسف عليه السلام أبويه وإخوته في مصر قال لهم: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف:99].

ومثل طلب الرزق، وطلب الأمن: طلب الدراسة، ولا سيما في التخصُّصات التي لا تتوافر في بلاد الشرق، وإذا توافرت كانت مستوياتها وإمكاناتها متواضعة، فيذهب الطالب للدراسة، ثم تحلو له الإقامة لسبب أو لآخر، فيختار الإقامة في هذا البلد أو ذاك.

وكلُّ هذا يسوِّغ الإقامة في تلك البلاد، بشرط ألا يخاف على دينه ودين أهله وذريَّته من شيوع نزعة التحلُّل والإباحية في هذه المجتمعات، وانتشار الموجة المادية التي تستخف بالأديان والإيمان بالغيب، والاهتمام بالدار الآخرة. فمَن وجد في هذه الديار خطرا على دينه أو دين أولاده، فلا تحلُّ له الإقامة هناك، وإن كان يكسب فيها الملايين، فما قيمة أن يكسب المسلم الدنيا ويخسر الدين؟ وما قيمة أن يربح الأموال ويفقد الأولاد؟

وقد قلتُ في أواسط السبعينات للإخوة المسلمين المهاجرين إلى أمريكا: إذا كنتم تحسُّون بخطر على دينكم أو دين ذراريكم، فابدأوا رحلة العودة من الغد! فليس هناك عند المسلم شيء أغلى وأعز من الدين. وقد قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:24].

وأهم من الأهدداف السابقة كلها: هدف من يهاجر ليقيم في تلك البلاد، ابتغاء تبليغ دعوة الإسلام إلى أهلها، امتثالا لما أمر الله به ورسوله من تبليغ الرسالة، التي بلَّغها رسول الإسلام في حياته، {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة:67].

ونحن مأمورون أن نأتسي برسول الله، ونبلِّغ الرسالة كما بلَّغها إلى الناس، فالأمة مبعوثة بما بُعث به رسولها عليه الصلاة والسلام، وقد قال لأمَّته: "إنما بُعثتم ميسِّرين ولم تبعثوا معسِّرين".

وقال الصحابي رِبعي بن عامر لرستم قائد الفرس: إن الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سَعتها، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام!

وبهذا تتحقَّق (عالمية الرسالة الإسلامية) كما صوَّرها القرآن، الذي يقول في مخاطبة الرسول الكريم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الانبياء:107]، {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان:1]، {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} [الأعراف:158].

ولا ريب أن الإقامة بين المبلَّغين تُعين على قوَّة التأثير فيهم بالقول والفعل والأسوة الحسنة، وتردُّ على كلِّ تساؤل ردًّا مباشرا، وهذا هو أسلوب المسلمين في القرون الأولى: أن يقيموا بين ظهراني الناس، ويختلطوا بهم، ويشاهدوا أخلاقهم وسلوكياتهم، ويتأثَّروا بهم ويحبُّوهم، فيحبُّوا دينهم بحبِّهم، فأظهر وأقوى ما أثَّر في الأمم هو: سلوك المسلمين المثالي، الذي لم يروا مثله في الأمم الأخرى.

فمَن أراد أن يذهب إلى تلك البلاد غير المسلمة بنيَّة الدعوة إلى الإسلام، ونشر دين الله فيها، وكان مؤهَّلا لذلك، بما يملك من ثقافة إسلامية واعية، كما يملك معرفة لغة القوم التي يخاطبهم بها، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [ابراهيم:4]. وكذلك يملك إيمانا عميقا برسالته، كما يملك خُلقا حسنا، وقدرة على التعامل الإيجابي مع الناس.

بل المطلوب من المسلمين: أن يكون لهم في كلِّ أنحاء العالم، ألسنة صدق تدعو إلى دينهم بلسان الأقوام المدعوَّة، فهذا يعتبر من فروض الكفاية الواجبة على مجموع الأمَّة بالتضامن، فإذا قام به البعض بصورة ملائمة، وبعدد كافٍ: سقط الإثم عن سائر الأمة، وإلا سقطت الأمة كلُّها في الحرج.

 إقامة المسلمين المهاجرين إلى الحبشة في ظلِّ حكم غير إسلامي:

ومن الدلائل على مشروعية إقامة المسلم تحت سلطان دولة غير إسلامية: بقاء المسلمين في الحبشة بعد قيام دولة الإسلام في المدينة بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستمرار بعضهم فيها لعدَّة سنوات. حتى إن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، لم يقدم على المدينة إلا في السنة السابعة بعد الهجرة، أي عند فتح خيبر، وقد فرح النبي صلى الله عليه وسلم بمقدمه، وقال: "لا أدري بأيهما أسر: بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر".

لا أستدلُّ هنا بمجرَّد الهجرة إلى الحبشة، وبقاء المسلمين بها قبل الهجرة، والحبشة بلد يحكمه ملك نصراني، فمن المنطقي أن يقال: إن المسلمين هنا كانوا في حالة اضطرار للهجرة إلى هذا البلد والبقاء فيه، وللضرورات أحكامها الاستثنائية. كما كان الرسول والمسلمون في مكة تحت سلطان أهل الشرك من قريش.

بل الذي أستدلُّ به هنا، هو: إقامتهم في الحبشة بعد الهجرة إلى المدينة، وتأسيس دولة الإسلام بها، ووجود (دار) مستقلَّة للإسلام، تنتشر منها دعوته، وتحكم فيها شريعته، وينطلق منها جنوده. فهذا يدلُّنا على أن المسلم يستطيع أن يعيش في كَنَف دولة غير مسلمة، ولا يفرض عليه الهجرة منها، ما دام يعيش فيها آمنا على نفسه وأهله ودينه وحرماته. لا يضطهده أحد، ولا يفتنه عن دينه ... وإلا وجب عليه أن يفارقها مهاجرا، حتى لا يكون من الذين تتوفَّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم.

 شبهات تثار حول الإقامة في بلاد غير المسلمين:

ومن المسلمين - ولا سيما المتشدِّدين - مَن يُثير شبهات شرعية، حول إقامة المسلم في بلاد غير إسلامية، معتمدين على بعض الأحاديث المرويَّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

من هذه الأحاديث، قوله عليه الصلاة والسلام: "أنا بريء من كلِّ مسلم يقيم بين أظهر المشركين". قالوا: لِمَ يا رسول الله؟ قال: "لا تراءى ناراهما".

وحديث: "مَن جامع مشركا، وسكن معه، فهو مثله".

ولا بد لنا من وقفة مع هذين الحديثين، لنرى مدى صحَّتهما سندا، فإذا ثبتا من ناحية السند، لا بدَّ من نظرة في دلالة المتن أو النصِّ، وهل ما استُنبط منهما صحيح مقبول أو لا؟

 1.      حديث: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين":

أما حديث: "أنا بريء من كلِّ مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تتراءى ناراهما".

فقد فهم منه البعض: تحريم الإقامة في بلاد غير المسلمين، وأفتى بذلك مفتون في بلاد شتَّى، وضيَّقوا بذلك على المسلمين الكثيرين الذين يعيشون في أوربا وغيرها، مع تعدُّد الحاجة إلى ذلك في عصرنا: للتعلُّم، والتدواي، وللعمل، وللتجارة، وللسفارة، وللفرار من الاضطهاد، ولنشر الدعوة، ولتعليم المسلمين الجدد وتثبيتهم، ولغير ذلك، وخصوصا بعد أن تقارب العالم حتى غدا كأنه (قرية كبرى) كما قال أحد الأدباء! والحقيقة: أنه أصبح - من الناحية المادية - قرية صغرى!

والحديث الذي اعتمدوا عليه رواه أبو داود والترمذي عن جرير بن عبد الله مسندا ومرسلا، أي بدون ذكر الصحابي، وذكروا أن الصحيح هو المرسل. ولم يروه النسائي إلا مرسلا، وبعد أن رواه الترمذي مرسلا، قال: هذا أصحُّ، ونقل عن البخاري: الصحيح المرسل، ولكنه لم يخرجه في صحيحه، ولا هو على شرطه. والاحتجاج بالمرسل: فيه الخلاف المشهور في علم الأصول، وعامَّة أهل الحديث يعدُّون المرسل في الحديث الضعيف.

ونصُّ الحديث: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر لهم بنصف العقل (أي الدية)، وقال: "أنا بريء من كلِّ مسلم يقيم بين أظهر المشركين". قالوا: يا رسول الله، لِمَ؟ قال: "لاتتراءى ناراهما" انتهى. ومعنى: "لا تتراءى ناراهما": أي لا يتجاوران ولا يتقاربان، بحيث ترى نار كلٍّ منهما نار الآخر، وهو كناية عن بُعد ما بينهما.

وإنما جعل لهم نصف الدية وهم مسلمون؛ لأنهم أعانوا على أنفسهم، وأسقطوا نصف حقِّهم لإقامتهم بين المشركين المحاربين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وشدَّد في مثل هذه الإقامة التي يترتَّب عليها مثل ذلك من القعود عن نصر الله ورسوله، والله تعالى يقول في أمثال هؤلاء: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [الأنفال:72].

فنفى تعالى ولاية المسلمين غير المهاجرين، إذ كانت الهجرة واجبة، فمعنى قوله عليه الصلاة والسلام: "أنا بريء من كلِّ مسلم يقيم بين أظهر المشركين": أي بريء من دمه إذا قُتل؛ لأنه عرَّض نفسه لذلك بإقامته بين هؤلاء المحاربين لدعوة الإسلام، ولدولة الإسلام.

ومعنى هذا: أنه إذا تغيَّرت الظروف التي قيل فيها النص، وانتفت العِلَّة الملحوظة من ورائه، من مصلحة تُجلب، أو مفسدة تُدفع، فالمفهوم أن ينتفي الحكم الذي ثبت من قَبْلُ بهذا النصِّ، فالحكم يدور مع عِلته وجودا وعدما.

ومما يقوِّي هذا الحديث: ما جاء في مسند أحمد برقم (20238) من زيادات عبد الله، عن جرير رضي الله عنه قال: أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أبايعه، فقلتُ: هاتِ يدك، واشترط عليَّ، وأنت أعلم بالشرط، فقال: "أبايعك على أن لا تشرك بالله شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتنصح المسلم، وتفارق المشرك".

قال مخرِّجوه: هذا حديث صحيح، ورواه النسائي في البيعة (4177)، والطبراني في الكبير (2/314)، والبيهقي في الكبرى كتاب السير (9/13).

وفي بعض روايات هذا الحديث في المسند (19153) بلفظ: "وتنصح للمسلم، وتبرأ من الكافر".

وقال مخرجوه: حديث صحيح، ورواه الطبراني في الكبير (2/314).

ويؤيده حديث بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، وفيه: "لا يقبل الله من مشرك بعدما أسلم عملا، أو يفارق المشركين إلى المسلمين".

رواه عبد الله بن أحمد في زياداته على المسند (2043)، وقال مخرجوه: إسناده حسن، ورواه النسائي في الزكاة (2568)، وابن ماجه في الحدود (2536)، والحاكم في الأهوال (4/643)، وصحَّح إسناده ووافقه الذهبي.

ومما جاء في مسند أحمد في هذا المعنى، ما رواه عبد الله في زياداته، عن يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير قال: كنا بالمِربَد جلوسا فأتى علينا رجل من أهل البادية، لما رأيناه قلنا: كأن هذا رجل ليس من أهل البلد! قال: أجل. فإذا معه كتاب في قطعة أديم - قال: وربما قال: في قطعة جراب - فقال: هذا كتاب كتبه لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم لبني زهير بن أُقَيْش، وهم حي من عُكْل: إنكم إن أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وفارقتم المشركين، وأعطيتم الخمس من المغنم، ثم سهم النبي صلى الله عليه وسلم والصَّفِي - وربما قال: وصفيه - فأنتم آمنون بأمان الله تبارك وتعالى وأمان رسوله".

قال مخرِّجوه: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير صحابيه، ورواه البيهقي في الكبرى كتاب قسم الفيء والغنيمة (6/303).

 2.      حديث: "مَن جامع مشركا وسكن معه، فهو مثله":

وأما الحديث الآخر الذي يعتمد عليه مَن يعتمد في تحريم الإقامة مطلقا في بلاد غير المسلمين. فهو حديث: "مَن جامع مشركا وسكن معه، فهو مثله".

ومعنى "جامعه": أي اجتمع به وضمَّهما مكان واحد، وقد فسَّر ذلك قوله: "وسكن معه". ومعنى "فهو مثله": أي في الإثم، كأنه نوع من التولِّي له، والله تعالى يقول: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة:51].

وأبادر هنا فأقول: إن هذا الحديث ضعيف، فقد رواه أبو داود في الجهاد (2787)، عن سمرة بن جندب، من طريق جعفر بن سعد، عن خبيب بن سليمان بن سمرة، عن أبيه، عن سمرة، وهو إسناد ضعيف بالإجماع.

 نظرة في دلالة الأحاديث:

وإذا تأمَّلنا في متون هذه الأحاديث ودلالتها تبيَّن لنا ما يلي:

أولا:

أنها تتحدَّث عن (المشركين) وفراق (المشركين). والمشركون كما ذكرنا تعني عُبَّاد الأصنام. ونحن بصدد الحديث عن أهل الكتاب وخصوصا المسيحيين منهم.

ثانيا:

أن لفظة (المشركين) إذا أُطلقت في ذلك الوقت، تعني: المشركين المحاربين، الذين أعلنوا العداوة للإسلام ورسوله، وصدُّوا عن سبيل الله، وشهروا السيف على دعوة الإسلام، وفتنوا المؤمنين به، وعذَّبوهم، وأخرجوهم من ديارهم، حتى يرغموهم على الرجوع عن دينهم.

وهؤلاء هم الذين ينهى المسلمين أن يوالوهم ويرتبطوا بهم، بخلاف المشركين المسالمين الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين، ولم يخرجوهم من ديارهم. وهو ما قرَّره القرآن بوضوح في آيتين كريمتين من سورة الممتحنة تعتبران دستورا للعلاقة بين المسلمين وغيرهم، يقول تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة:9،8].

ثالثا:

يجب أن نحدِّد المقصود من (فراق المشرك) في هذه الأحاديث التي كان من وصاياها: "وتفارق المشرك". فما المراد بكلمة (الفراق) هنا؟ أهو الفراق الحسِّي أم الفراق المعنوي؟

وإذا قلنا: إن الفراق الحسي هو المراد، فقد يكون معناه الانتقال من دار الشرك إلى دار الإسلام، ولا سيما إذا كان المسلم مضيَّقا عليه في دار الشرك. وهذا ما قد يُفهم من حديث بَهْز بن حكيم: "أو يفارق المشركين إلى المسلمين". وهذا هو ما كان واجبا على كلِّ مَن أسلم: أن يهاجر من بلده إلى المدينة، حتى كان فتح مكة، وبها ظهر الإسلام، وأثبت وجوده وقوَّته، وأصبح الرسول صلى الله عليه وسلم: سيد الجزيرة. وهنا قال صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا". وهذا بالنظر إلى حديث بَهْز بن حكيم لا إشكال فيه.

ولكن الإشكال في حديث جرير، أنه قد يعكِّر على هذا الفهم أن جريرا رضي الله عنه، إنما أسلم في السنة التي توفي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن نسخ وجوب الهجرة.

ولعل هذا ما يؤيِّد الفهم الآخر لمفارقة المشركين في حديث جرير، وهو المفارقة المعنوية: أيْ مفارقتهم في عقائدهم، وفي مفاهيمهم، وفي أخلاقياتهم، التي أفسدتها الوثنية، وجنت عليها الجاهلية.

ومما يقوِّي هذا الفهم: أن بعض روايات الحديث جاء بلفظ: "وتبرأ من الكافر". والبراءة من الكافر غير ترك السكنى معه، فالبراءة منه: أن يعلن أنه لا يؤمن بمعتقداته بتعدُّد الآلهة، أو بإنكار البعث، أو باستحلال الحرام، أو بتحريم الحلال، أو غير ذلك، كما كانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر وأمراء النصارى وغيرهم من أهل الكتاب يختمها بالآية الكريمة من سورة آل عمران: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:64].

 نشر الدعوة وتثبيت المستجيبين لها يستلزم البقاء في أرض الكفر:

ومما يدلُّ على مشروعية الإقامة في بلاد غير المسلمين، ليحقِّق مقاصد مشروعة: أن الإسلام فرض على المسلمين أن يبلِّغوا دعوتهم إلى العالمين، لتتحقَّق رحمة الله العامة ببعثة محمد الذي أرسله الله رحمة للعالمين. ومن لوازم ذلك: أن يقيم أناس في بلد الدعوة، ليعلِّموا مَن دخل في الإسلام، ويثبِّتوهم، وهذا أمر ضروري في توريث الإسلام العملي للمسلمين الجدد، ومن القواعد المتَّفق عليها: أن ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب.

وهذا ما وقع بالفعل خلال التاريخ الإسلامي, وبه انتشر الإسلام في بلاد شتَّى، وثبت فيها، وتغلغل في حياة أهلها. ومنها بلاد لم يدخلها جيش إسلامي، ولم ينتشر الإسلام بين ربوعها إلا بأخلاق المسلمين، وحسن تعاملهم، وحسن فَهمهم لحقائق الإسلام دون تعقيد أو تعسير.

ومن ذلك بلاد كبيرة معروفة، مثل إندونسيا وماليزيا، التي دخل الإسلام إليها عن طريق التجار المسلمين الذين جاؤوا من حضرموت وما حولها، ولم يكونوا علماء ولا دعاة محترفين. فأحبَّهم أهل البلاد، وأحبُّوا دينهم ودخلوا فيه أفواجا، ومكثوا في ديارهم، وصاهروهم، حتى أضحوا جزءا منهم، ولا زالت أنسالهم إلى اليوم تعيش في تلك البلاد بوصفهم مواطنين أصليين فيها.

ومثل ذلك: كثير من البلاد الإسلامية في إفريقيا، انتشر الإسلام عن طريق الاختلاط والمعاشرة، وعن طريق الطرق الصوفية.

ولو كان الحكم الدائم هو تحريم إقامة المسلم في بلاد أهل الكفر: ما وجد الإسلام سبيلا للانتشار أبدا، وسددنا عليه الطريق مختارين.

هذا مع أن أهل الكتاب نرى أمرهم أسهل وأيسر من غيرهم، لما قرَّر لهم الإسلام من أحكام خاصة بهم، تجعلهم أقرب إلى المسلمين من الوثنيين وأمثالهم، ومن ذلك: أنه أباح للمسلمين الزواج من نسائهم، وهذا خطوة تقدمية في التسامح مع المخالفين، قلَّما تسمح بها الأديان الأخرى.

وبهذا تنعقد المصاهرة بين الرجل المسلم وأهل زوجته، التي أمست شريكة حياته، وأم ولده. وأما اولاده منها، فعليهم حقوق البرِّ لأمهم، وصلة الرحم لأجدادهم وجداتهم، وأخوالهم وخالاتهم، وأولاد أخوالهم وخالاتهم، وهؤلاء جميعا لهم حقوق ذوي القربى، التي توجبها صلة الرحم التي أمر الله أن توصل: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال:75].

ومثل هذه الصلات تجعل متَّسعا لهؤلاء ليقيموا مع أمهاتهم أو أجدادهم أو أخوالهم، إذا كان هناك مَن يعلمهم دينهم، وما يمكِّنهم من إقامة فرائضهم، ولا يخشى خطرا على دينهم في بقائهم.

 التجنس بجنسية البلاد الأوربية:

قد رأينا كيف أثار بعض علماء المسلمين شبهات حول إقامة المسلمين في البلاد الأوربية، بوصفها خارج دار الإسلام، وقد رددنا على هذه الشبهات، وفنَّدناها بالأدلَّة الشرعية، وبيَّنا أن إقامة المسلم في البلاد الأوربية وغيرها لا حرج فيه شرعا، بل قد يكون مطلوبا طلب استحباب أو طلب وجوب، حسب الأهداف المتوخَّاه من هذه الإقامة.

بقي هنا موضوع آخر مرتبط بموضوع الإقامة، وهو التجنُّس بحنسية هذه البلاد الأوربية، من فرنسية أو بريطانية أو ألمانية أو غيرها.

ومن المؤكَّد: أن الذين يرفضون الإقامة في أوربا وغيرها من البلاد غير الإسلامية: يرفضون - من باب أولى - التجنُّس بجنسيتها.

وقد رأينا من العلماء والدعاة مَن يتشدَّد في ذلك غاية التشدُّد، ويحرِّم على المسلمين حمل أيَّ جنسية غير إسلامية. وقد بحثت ذلك الندوة الفقهية التي عقدت في الكلية الأوربية الإسلامية في فرنسا، وحضرها عدد من الفقهاء المعتبرين، على رأسهم العلاَّمة مصطفى الزرقا، والشيخ عبد الفتاح أبو غدَّة، والشيخ منَّاع القطَّان، وغيرهم. وكانت مسألة التجنُّس بالجنسية الأوربية من المسائل المعروضة، وقد انتهت الندوة إلى إجازتها، والردِّ على شبهات العلماء المشدِّدين فيها.

وقد كان من الذين تشدَّدوا في حمل الجنسية غير الإسلامية: الأستاذ حسن البنا رحمه الله، وله في ذلك فتوى منشورة معروفة قال فيها:

(مجرَّد تجنُّس المسلم بأية جنسية أخرى لدولة غير إسلامية: كبيرة من الكبائر، توجب مَقْت الله وشديد عقابه، والدليل على ذلك ما رواه أبو داود، عن أنس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن ادَّعى لغير أبيه أو انتمى لغير مواليه؛ فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة"، والآية الكريمة تشير إلى هذا المعنى، وهي قول الله تبارك وتعالى: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:28]؛ فكيف إذا صحبه بعد ذلك واجبات وحقوق تبطل الولاء بين المسلمين، وتمزِّق روابطهم، وتؤدِّي إلى أن يكون المؤمن، في صفِّ الكافر أمام أخيه المؤمن، وإن خيرا للمسلم أن يَدَع هذه الديار وأمثالها إن تعذَّرت عليه الإقامة فيها إلا بمثل هذه الوسيلة وأرض الله واسعة: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} [النساء:100]، والله أعلم) انتهى.

ولكن الذي أراه هنا: أن أخذ الجنسية من بلد غير إسلامي يعتبر أحيانا خيانة لله ورسوله وللمؤمنين، وذلك في حالة الحرب بين المسلمين وغيرهم ممَّن يحاربون الإسلام؛ ولذا أفتى علماء تونس وقت الاحتلال الفرنسي أن أخذ الجنسية الفرنسية يُعدُّ خروجا ورِدَّة عن الإسلام؛ لأنه بتجنُّسه باع ولاءه لوطنه، واشترى ولاءه للمستعمر، فأفتى العلماء الكبار بكفر مَن فعل ذلك. لأن هذه الفتوى سبيل من سبل المقاومة والاحتلال، وسلاح من أسلحة الجهاد، ولكن في الأوقات العادية فالمسلم الذي يحتاج للسفر إلى بلاد غير إسلامية تعطيه الجنسية قوَّة ومَنعة؛ فلا يحقُّ للسلطات طرده، ويكون له حقُّ الانتخاب في المجالس البلدية والتشريعية وانتخابات الرئاسة، مما يعطي المسلمين قوَّة في هذه البلاد؛ حيث يخطب المرشحون ودَّهم، فحمل الجنسية ليس في ذاته شرًّا ولا خيرًا، وإنما تأخذ الحكم حسب ما يترتَّب على أخذ هذه الجنسية من النفع للمسلمين أو الإضرار بهم.

ولكي نكون منصفين: فلا بد أن نضع فتوى البنا ومَن وافقه في إطار زمنها وبيئتها وظروفها، فقد يتشدَّد الأستاذ في أمور، نحن نتساهل فيها اليوم بمقتضى التطوُّر العالمي، واقتراب الناس بعضهم من بعض، وحاجة العالم بعضه إلى بعض، وتغيُّر صفة بعض الدول من دول استعمارية ظالمة للمسلمين، إلى دول حليفة أو شريكة للمسلمين. كما أن الأستاذ في بعض ما كتبه كان في عنفوان الشباب، بما فيه من حماس وثورة ، واندفاع في المواجهة. وللسنِّ حكمها، وللبيئة والزمن تأثيرهما، وعلى كلِّ حال؛ ليس في العلم كبير، وكلُّ أحد يؤخذ منه ويردُّ عليه، إلا مَن ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم.

هل يقبل الغرب المسلمين مواطنين كغيرهم لهم كل الحقوق؟

       في عامَّة البحوث الإسلامية حول اندماج الأقليات المسلمة في الغرب، وقبول فكرة (المواطنة) التي تتيح للمسلم التعايش من أهل البلاد، واكتساب ما لهم من حقوق المواطن، التي يحصل عليها غيرهم بيسر وسهولة، ودون عوائق أو مكدِّرات.

       أقول: في عامة البحوث يتَّجه الباحثون إلى أن العقبة في الاندماج وقبول المواطنة هم المسلمون أنفسهم، الذين لا يقبلون بسهولة: فكرة الاندماج في غيرهم، وبخاصة الجيل الأول من المهاجرين، الذي يظلُّ مرتبطا بوطنه الأول، حذرا من الاندماج في وطنه الثاني، وربما كانت عنده أفكار متوارثة أو مفاهيم مغلوطة، يقبلها تقليدا على أنها الدين الحقُّ، ولم يناقشها مع علماء راسخين يجمعون بين الأصالة والمعاصرة.

       وهذا صحيح، وهو ما جعل (المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث) منذ نشأته إلى اليوم، يصدر في كلِّ دورة من دوراته: بيانا ينادي فيه المسلمين بوجوب التفاعل مع الأوطان التي يعيشون فيها، والاندماج في شعوبها، وعدم العزلة عنها، وضرورة المشاركة الإيجابية في كلِّ ما يرقى بالوطن ويعمل على ازدهاره، وبهذا يظهر نشاطهم وتحرُّكهم وجدُّهم واجتهادهم في خدمة الوطن، مع وجوب احتفاظهم بعقائدهم وشعائرهم وأخلاقياتهم وآدابهم وقِيَمهم وتقاليدهم التي تميِّزهم عن غيرهم، والتي فرضها عليهم دينهم. وبهذا تتحقَّق هذه المعادلة التي قد يظنها بعضهم صعبة، وهي: استقامة بلا انغلاق، واندماج بلا ذوبان.

هذا هو موقف العلم والفكر الإسلامي من قضية الاندماج والمواطنة للأقليات المسلمة في أوربة وفي الغرب عموما، ولكن غفل علماء المسلمين وباحثوهم بصفة عامة عن موقف الغرب من قبول (مواطنة ) المسلمين معهم، واندماجهم فيهم. إذ كان المفهوم من قبل: أن العائق إنما هو عند المسلمين، ولم يكن معروفا أن أوربة والغرب لديهم عقبة أو عائق من قِبَلهم أنفسهم. فقد كانت الفلسفة الليبرالية السائدة عند الغربيين، وخصوصا أوربا الغربية، وأمريكا الشمالية، ترحِّب باندماج المسلمين فيهم، وتجعل لهم كلَّ الحقوق الممنوحة للمواطنين الأصليين، ولغيرهم من المهاجرين إليهم من الجنس الأبيض، فلم يكن هناك - في الغالب - تمييز بين أبيض وأسود وملوَّن، إنما هي حقوق الإنسان من حيث هو إنسان، بغضِّ النظر عن لون جلده، أو لون عينيه، أو شكل أنفه، أو رأسه، أو مدى نعومة شعره! وساعد على هذا التوجُّه أن الأفواج الأولى من المهاجرين لم يكن يعنيها إلا لقمة العيش، ولم تكن تهتمُّ بأمر الإسلام فكرا أو سلوكا.

ولكن في السنوات الأخيرة، وبعد ظهور الصحوة الإسلامية - وخصوصا بعد 11 سبتمبر 2001م - تغيَّر الموقف كثيرا، وأضحى المسلمون يعاملون معاملة خاصة، فيها كثير من الإساءة والاستفزاز، بل التحقير والإيذاء أحيانا: لا لشيء إلا لأنهم مسلمون.

جاء ذلك نتيجة تغيُّر السياسات، التي تتبنَّاها الأنظمة الحاكمة، كما في سياسة جورج بوش وجماعة اليمين المسيحي المتطرِّف والمتصهين في أمريكا، وتوني بلير في بريطانيا، وإنجيلا ميركل في ألمانيا، وغيرهم. ومعظم ما حدث من تغيُّر نتيجة تاثير اللوبي الصهيوني الذي يغذِّي مخابرات البلاد الغربية بمعلومات كاذبة أو ملفَّقة حول المسلمين ودعوتهم، ويعظِّم من شأن الغلاة والمتطرِّفين، وكأنهم أكثرية المسلمين، وما هم إلا فئة قليلة، ينبذها جمهور المسلمين.

ولا غرو أن تجد في أوربا أحزابا يمينية متطرِّفة، تقوم برامجها على إعلان العداء للمهاجرين، والسعي إلى طردهم، وتطهير البلاد من وجودهم، أو على الأقل تحجيمهم وتقزيمهم وتهميشهم، حتى لا يكون لهم دور في المجتمع.

وأحيانا نجد تغيُّر الموقف ضد المسلمين، نتيجة لتغيُّر (الفلسفة) السائدة والمؤثِّرة في التفكير العام، والتي يتبنَّاها الإعلام ويروِّج لها.

 ظهور فلسفات رجعية في فرنسا:

مثال ذلك: ما حدث في فرنسا التي كانوا يعتبرونها (أم الحريات)، ومحضن الليبرالية، وسادنة حقوق الإنسان!

فقد ظهر فيها بعض هؤلاء الذين ينقدون فلسفات الماضي، ويعتبرونها فلسفة مثالية، لا تمتُّ للواقع بصلة، ويدعون إلى فلسفة جديدة، على النقيض من تلك الفلسفات القديمة، التي ضلَّلت العقل الفرنسي بما قدَّمته له من رؤى ومعارف غير حقيقيَّة. ولهذا عدَّها الباحثون والراصدون للأفكار (فلسفة رجعية) حقًّا، لا أثر لها إلا تأخير فرنسا إلى القرون الوسطى، على عكس ما نادى به فلاسفة التنوير أمثال فولتير ورسُّو، وفلاسفة الحرية والإنسانية مثل سارتر وفوكو وألتوسير.

كتب الكاتب التونسي (لسْعَد الواعر) في صحيفة (الصباح) التونسية مقالتين في (3، 4/4/2007م) بعنوان (تساؤلات حول الفلسفة المعاصرة في فرنسا)، كشف فيها النقاب عن هذا الفكر أو هذه الفلسفة الرجعية الجديدة، التي يجسِّدها الفيلسوف (فيلكينكروت) الذي انتقل من اليسار إلى أقصى اليمين المتطرف، والذي سانده قلة من الفلاسفة والمثقفين الشبان مثل (برنارد هنري ليفي) و(أندريه غلوكسمان) وغيرهما.

سمَّى هذا الفيلسوف اتجاهه الرجعي الجديد (مراجعة ذاتية) وفيها هاجم التيار اليساري والتقدُّمي الذي كان ينتمي إليه، وزعم أنه كان أسطورة أو خرافة في تبنِّيه للمساواة المطلقة بين الأجناس والطبقات والأفراد.

وفي كتابه (هزيمة الفكر) الذي نشره سنة 1987م أعلن صراحة عن اتجاه نقدي راديكالي، للفلسفة أو للثقافة المعاصرة، ووصفها بالتسيُّب والانحلال، وخصوصا بسوء تشخيصها (الأخلاقي) وغير الواقعي لمشاكل المجتمعات الغربية المعاصرة، مثل سوء التفاهم بين الثقافات الموجودة في فرنسا، أو مشكل البطالة، أو مشكل الفشل المدرسي.

فإذا كان الحديث عن إخفاق العرب أو الأفارقة المهاجرين في (التأقلم) مع نموذج العيش الفرنسي، فإن فيلكينكروت وغلوكسمان لا يرجعان ذلك إلى الحيف الطبقي الاقتصادي والاجتماعي الواقع والضاغط على هذه الأقليات المهاجرة، بل إلى (الذهنية) الرمزية العربية أو الإفريقية، التي لا يمكنها أن (تتأقلم) مع الذهنية الغربية المتقدِّمة علميا وسياسيا.

وكأنه يعيد نظرية تفاضل الأجناس من جديد، و(تفوق الرجل الأبيض) على غيره، وأنه خلق ليسود ويقود، وأن غيره من الأجناس إنما خلقوا لينقادوا له ويتبعوه!! وكانت هذه النظرية (اللاعلمية) قد عفا عليها الزمن، وجرفتها النظريات التي تسوِّي بين البشر في العقل والروح والخصائص الإنسانية.

على كلِّ حال، هذا هو الفكر الذي يروِّج له الإعلام في فرنسا، وهي نموذج لغيرها من دول الغرب. ومعنى هذا: أن الغرب بعد أن كان قوَّة جاذبة للمسلمين إلى دياره، أصبح قوَّة طاردة لهم، وأضحى يضيق بهم ذرعا، وكأنه يردِّد مجدَّدا مقولة الأديب الغربي القديم: الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقيا!!

 وقفة للتأمل:

ولكن يجب علينا للإنصاف وللوصول إلى الحقيقة: أن نقف هنا وقفة للتأمل والتعمُّق في القضية، فهل فكر هؤلاء (الرجعيين) يمثِّل الفكر العام في أوربة وأمريكا؟ أو هو يمثِّل شريحة معينة من أهل الفلسفة أعماهم التعصُّب عن رؤية الحقيقة، ولم ينظروا إلى الأمر نظرة أعمق، تتجاوز الغلاف أو القشرة الظاهرة للإنسان والأشياء، وتتأمَّل في الإنسان من حيث هو إنسان، فإذا هو جوهره واحد، وإن اختلفت الأوطان والألوان والألسنة، أو اختلفت الأشكال والمستويات والطبقات.

أكبر ظني: أن الذي يسود في النهاية هو النظرة الإنسانية، والفكرة الكونية، التي لا تركِّز على ما يفرِّق الناس ويميزهم بعضهم عن بعض، بل على ما يجمع بينهم، وهو كثير. والبقاء دائما للأصلح، والقرآن يؤكِّد ذلك فيقول: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد:17].

ولا ريب أن الواقع يفرض نفسه، فقد أصبح المسلمون جزءا من الواقع الأوربي، وغدا منهم أعضاء في البرلمانات المختلفة في عدد من الأقطار الأوربية، ومنهم أعضاء في مجلس العموم البريطاني، وفي مجلس اللوردات، وأعضاء في الأحزاب الحاكمة أو المعارضة، بل بات منهم مَن يتبوَّأ منصب الوزارة، ولم يعُد من الممكن - كما أنه ليس من المفيد قطعا - التفكير في محو الوجود الإسلامي من أوربا، أو من أمريكا، ولا سيما أن بعض هذا الوجود أصيل وليس مهاجرا.

على أن من الخير كلِّ الخير: أن يظلِّ هذا التنوع قائما، فالكون كلُّه قائم على ظاهرة التنوع، أو ما يسمِّيه القرآن (اختلاف الألوان)، وبهذا تتلاقح الثقافات، وتتفاعل الحضارات، ويأخذ بعضها من بعض، كما يعطي بعضها بعضا. ويكفي الجميع وجود الأصل الإنساني المشترك: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً} [النساء:1].

 مرحلة ما بعد 11 سبتمبر استثنائية:

وهذه المرحلة التي حدثت بعد 11 سبتمبر 2001م لا ينبغي أن تلغي التاريخ كلَّه، ولا أن تحكم على المستقبل كلِّه. إنها فترة استثنائية، لا بد أن تنتهي، وتعود المياه إلى مجاريها الطبيعية، كما يقولون.

وعلى المسلمين في أوربة - وفي أمريكا كذلك - أن يصبروا على مواجهة هذه الفترة بما يصاحبها من مضايقات وسلبيات، ويثبتوا أنهم أصحاب رسالة عالمية، وأن لدينهم مفاهيم وقِيَما دينية وخلقية تجعلهم يتعايشون مع جيرانهم من أهل هذه البلاد بأخلاق المؤمنين، وفضائل الملتزمين، وبخاصة أن أهل هذه البلاد في نظر المسلمين: (أهل كتاب) خصَّهم الإسلام بمعاملة متميِّزة دون سواهم من غير المسلمين، حتى شرع للمسلم أن يصاهرهم ويتزوَّج منهم.

ومن هنا لا يجد المسلم الفاقه لدينه: صعوبة في الاندماج في المجتمع الغربي، والامتزاج بأهله، والتأقلم معهم، دون أن يفرِّط في دينه وما فرض الله عليه من واجبات، وما حظر عليه من محرمات.

والأصل في المجتمعات الغربية اليوم: أنها مجتمعات (علمانية). وذلك بعد أن اصطدمت هذه المجتمعات بالكنيسة الغربية التي كانت تمثِّل سُلطة الدين، وقد وقفت مع الجمود ضد التحرر، ومع الظلام ضد النور، ومع الخرافة ضد العلم، ومع الإقطاع ضد الفلاحين، ومع الملوك ضد الشعوب، فلا عجب أن ثارت عليها الجماهير، وتمرَّدت على سلطانها، وجرَّدتها من سيف السلطة الزمنية، وقصرتها على السلطة الرُّوحية، وبهذا فصلت الدين عن الدولة أو المجتمع، أي عن الكنيسة. وكانت مصلحة تلك المجتمعات في اختيار مبدأ العلمانية. أما مجتمعاتنا فلم تكن في حاجة قط إلى مثل ذلك الاختيار، لأن الوضع غير الوضع، والتاريخ غير التاريخ.

والمفهوم أن العلمانية الليبرالية (محايدة) مع الدين، لا تؤيِّده ولا تعاديه، ومعنى ذلك: أن المسلم يستطيع أن يحيا بعقيدته، ويؤدِّي عباداته، ويجتنب ما حرِّم الله عليه، دون أن يضغط عليه أحد، أو يُكرهه على ترك مأمور، أو فعل محظور. وهذا هو ما تنصُّ عليه الدساتير ومواثيق حقوق الإنسان، من توفير الحرية الدينية لكلِّ الناس.

بيد أن هناك بعض العلمانيات لا تلتزم بموقف الحياد من الدين كما هو الأصل المقرَّر في ذلك، بل تتدخَّل أحيانا بما ينافي الحرية الدينية، والحرية الشخصية، وهما حريتان مقدستان عند الفلسفات والشرائع المختلفة.

 قضية الحجاب في فرنسا:

من أمثلة ذلك: ما وقع في فرنسا بالنسبة لقضية (الحجاب) مع المسلمات، ولا سيما الطالبات في المدارس الفرنسية، ومنعهن - قانونا - من دخول المدرسة بالحجاب.

وحجَّتهم في ذلك: أن (الحجاب) رمز ديني، ولا يجوز اتِّخاذ الرموز الدينية في المدارس، لما فيها من تمييز بين الطالبات بعضهن وبعض بسبب الدين.

وقد رددتُ عليهم في ذلك بما يبطل هذه الحجَّة، وقلتُ لهم: إن الحجاب ليس رمزا دينيا بحال من الأحوال، لأن الرمز الديني ما ليس له وظيفة إلا الإعلان عن دين صاحبه، مثل وضع الصليب على الصدر ونحو ذلك. أما الحجاب فله وظيفة معلومة، وهي ستر جزء معيَّن من جسد المرأة مثل الرأس والعنق والنحر الذي يحرم الإسلام كشفه أمام الرجال الأجانب. ولهذا لا تلتزم المسلمة بالحجاب أمام النساء، ولا أمام الرجال المحارم، والرمز الديني يلبس أمام الرجال والنساء جميعا.

على أن الصليب - وهو رمز ديني باتفاق - لم يمنع في مدارس فرنسا، إنما منع فقط الصليب الكبير، ولا حاجة لامرأة في لبسه.

وعندما ثارت قضية الحجاب في فرنسا، واشتدَّ أُوراها، كتبتُ رسالة إلى الرئيس شيراك، بيَّنتُ له فيها: أن منع المسلمة من الحجاب ينافي المبادئ التي قامت عليها الثورة الفرنسية، وهي: الحرية والإخاء والمساواة.

أما منافاتها لمبدأ (الحرية)، فلأنه ضد الحرية الدينية، والحرية الشخصية.

أما الحرية الدينية، فهو يُلزم المسلمة أن تخرج عن تعاليم دينها، وأن تخالف أمر ربها في القرآن الكريم الذي قال: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور:31].

وأما الحرية الشخصية، فلأنها تتدخَّل في زيٍّ ارتضته المرأة لنفسها مختارة، فلماذا نجبرها على خلعه؟ في حين تلبس الأخريات ما يشفُّ وما يصفُّ، وما يكشف عن أجسادهن مما يسمى (الميني جيب) و(المكرو جيب) ولا يتدخَّل أحد في شأن ما يلبسنه!!

وأما منافتها لمبدأ (الإخاء)، فلأنه يشعر المسلمة بأنها (مضطهدة) في دينها، وأنها مجبرة على مخالفة أمر ربها، وأن الأخريات لهن حرية التبرُّج، وليس لها حرية التستُّر والاحتشام. وهذا الشعور ينعكس على نفسيتها ضيقا وتبرُّما بالمجتمع من حولها، وهذا لا يحقِّق الإخاء الذي دعت إليه ثورة فرنسا.

وأما منافاته لمبدأ (المساواة)، فهذا واضح، فأين المساواة بين طالبة تلبس ما تحبُّ وتذهب به إلى مدرستها، وأخرى يفرض عليها زيٌّ لا ترضاه، وإذا خالفت ذلك فُصلت من المدرسة؟!

 موقف المجلس الأوربي للإفتاء:

وكان مما وفِّق إليه إخواننا المسلمون في أوربة: أنهم عرفوا طبيعة عصرهم، وأنه عصر المؤسسات لا عصر الأفراد، فالأفراد - مهما تكُن عبقريتهم - زائلون وراحلون، والمؤسسات هي التي تستقرُّ وتبقى.

ولهذا أنشأوا المساجد والمدارس والمعاهد والأندية والجمعيات والمراكز المختلفة، لسدِّ حاجاتهم وتلبية مطالبهم المتعدِّدة والمتنوِّعة، الرُّوحية والمادية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والرياضية والترفيهية.

ومنها: المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، الذي سدَّ ثغرة مهمَّة في العلاج الفقهي لقضايا الأقليات المسلمة المتجدِّدة، والتي قد تختلف كثيرا عن قضايا المجتمعات الإسلامية الخالصة، والتي تحتاج إلى اجتهاد جديد، جزئي وكلي، انتقائي وإنشائي، فردي أو جماعي. والمجلس بتكوينه المتنوِّع يمثِّل هذا النوع من الاجتهاد الجماعي المتخصِّص.

وهو يعمل على مساعدة المسلمين في أوربا على العيش بدينهم وأخلاقياتهم مع جيرانهم من غير المسلمين، دون أن يفرِّطوا في أحكام شريعتهم، ما داموا متمسِّكين بالأصول، مراعين للمقاصد، متحرِّين رضا الله سبحانه.

ولقد حرص المجلس منذ إنشائه على أن يحثَّ الأقليات في كلِّ بلد: أن يشاركوا في خدمة الوطن الذي يعيشون فيه، ويعتبروا أنفسهم جزءا منه، ويتعايشوا مع أهله، ويتفاعلوا مع أبنائه، بكلِّ صفاء وإخلاص، متمسِّكين بقِيَمهم، معتزِّين بإيمانهم، مؤدِّين لشعائرهم، بعيدين عن كلِّ غلوٍّ وتفريط. كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة:143].

   

Untitled Document

تم تطوير الموقع بواسطة ميديا إنترناشيونال