|
"خبراء
السياحة قدروا إجمالي ما أنفقه المصريون في العمرة العام
الحالي بما يقارب 3.5 مليارات جنيه، منها مليار جنيه
تذاكر طيران، و250 مليونًا لتذاكر البحر، ومائة مليون
للبر، ومتوسط ألف جنيه مشتريات لكل معتمر".
كان هذا
تصريحًا لوزير السياحة المصري "زهير جرانة" نقلته جريدة
الأهرام المصرية الخميس 25/10/2007، وأوضح الوزير المصري
أن عدد المعتمرين وصل إلى أكثر من نصف مليون سافروا بحرًا
وجوًّا وبرًّا، بزيادة نحو 44 ألف معتمر على العام
الماضي..5
وفي عام 2000
كشفت الأرقام الرسمية المعلنة وقتها عن أن المصريين ينفقون
سنويًا ثلاثة مليارات دولار على الحج والعمرة، وهو مبلغ
يعادل تقريبًا دخل مصر السياحي كله، وأكثر من عائدات قناة
السويس، وما يعادل إجمالي قيمة الصادرات المصرية مرة ونصف
المرة آنذاك..
ونشرت صحيفة
"الأخبار" المصرية الرسمية حينها أنباء تشير إلى أن سعر
الجنيه المصري تأثر بهذه النفقات الكبيرة، ونقلت الصحيفة
عن مسئول بالبنك المركزي المصري أن معدلات الإنفاق في موسم
الحج والعمرة تشكل ضغطًا على الجنيه المصري، واستنزافًا
له؛ إذ يظل سعر الريال ثابتًا حتى هذا الموسم فيرتفع أمام
الجنيه.
هذه الأرقام
-وهي بالطبع خاصة بمصر وحدها دون بقية بلدان العالم
الإسلامي- تفتح الباب لأسئلة عديدة، تتعلق جميعها بما يسمى
"فقه الأولويات".. فهل الأولى تكرار الحج والعمرة أم
الإنفاق في سبيل الله بطرقه الكثيرة، من إعانة المحتاج
وإطعام الجائع، حتى إمداد المجاهدين في فلسطين والعراق
وغيرها..
ثم ماذا عن
المردود الاجتماعي والاقتصادي لتلك الظاهرة، وهل يجوز
الإفتاء بجواز تقييد ولي الأمر لهذه العبادة دفعًا للضرر
الحاصل منها على المستوى الاقتصادي أو التنظيمي وقت أداء
الشعيرة ذاتها، كما أفتى بذلك شيخ الأزهر ونشرته جريدة
الأخبار المصرية في 17/9/2000؟.. أسئلة كثيرة يحاول هذا
التقرير الإجابة عنها..
بداية يؤكد
الخبير الاقتصادي د. أشرف دوابة أنه مع تحكيم ما يسمى بفقه
الأولويات في مثل تلك القضايا، لكنه في الوقت ذاته يرى أنه
"يجب ألا نغفل قيمة الحج والعمرة كعنصر أساسي في علاج
العديد من المسلمين من الضغوط النفسية التي يتعرضون لها في
حياتهم اليومية؛ ولذلك يجب أن ننظر إلى الموضوع من باب فقه
الأولويات والتوازنات في ظل تفشي البطالة والفقر والمرض في
الدول الإسلامية".
وينبه دوابة
إلى أن الذين ينادون بالتقليل من تلك الشعائر مراعاة
للجانب الاقتصادي عليهم فعل نفس الشيء مع ثقافة الرذيلة
والاستهلاك التّرفِي في المصايف والليالي السياحية التي
يتباهى البعض بتحقيقها.
زيادة
الاستهلاك
ويسلم دوابة
بالأثر الاقتصادي لهذا الموضوع على الجانب الاستهلاكي، حيث
يرى أنه سيؤدي بالطبع لزيادة الاستهلاك في داخل المجتمع،
أما بالنسبة للادخار فيمكن القول إنه في حالة توفير هذه
الأموال فإن الأمر لن يفترق كثيرًا، فالجزء الأكبر منها
سوف يتوجه إلى الاستهلاك.
ويتابع: "أما
لو نظرنا للتأثير على العملة فهو لا شك يزيد من الطلب على
الريال السعودي، وفي رأينا أنه لا يوجد أثر ملموس لذلك في
ظل السياسة النقدية الحالية، وفي ظل ترنح الدولار وارتباط
العديد من الأنظمة النقدية به.
وعن استفادة
الاقتصاد السعودي من هذه المواسم في إحداث رواج اقتصادي
أكد دوابة على ذلك، مشيرًا إلى أن هذا من فضل الله على هذه
البلاد، حيث جعلها الله مثابة للناس وأمنًا.
لكنه عاد
واستدرك قائلاً: "لكنها استفادة في الجانب التجاري ورواجه
فقط، فالواقع يكشف أن المستفيد الأكبر هي الدول المنتجة
للسلع والخدمات التي تتداول في تلك الأماكن المقدسة، فتلك
المنتجات جميعها بلا استثناء ليست من صنع أيدينا، حتى
المسابح والمصليات التي نصلي عليها من غير صنع المسلمين".
وفي النهاية
أكد دوابة على أنه في ظل غياب وحدة المسلمين وعدم ثقة أهل
الخير في أهل الحكم فإن من فقه الأولويات ألا تتحول
العبادات إلى عادات، ومن ثَم ينبغي التوازن وتوجيه تلك
الأموال طواعية وإيثارًا نحو عمل الخيرات من خلال الجمعيات
الخيرية الموثوق بها.
فقه الأولويات
العلامة
الدكتور يوسف القرضاوي – رئيس الإتحاد العالمي لعلماء
المسلمين - أكد في فتوى له حول هذا الموضوع على مجموعة من
القواعد التي تحكم الفتوى فيه، ومنها:
أولاً: أن
الله لا يقبل النافلة إذا كانت تؤدي إلى فعل محرم؛ لأن
السلامة من إثم الحرام مقدمة على اكتساب مثوبة النافلة..
مشيرًا إلى ما يترتب على كثرة الحجاج المتطوعين من إيذاء
لشدة الزحام، مما يسبب غلبة المشقة، وسقوط بعض الناس حتى
تدوسهم أقدام الحجيج.
وأكد الشيخ على أن أولى الخطوات في ذلك أن يمتنع الذين
حجوا عدة مرات عن الحج؛ ليفسحوا المجال لغيرهم، ممن لم يحج
حجة الفريضة.
ثانيًا: أن
درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وخصوصًا إذا كانت
المفاسد عامة، والمصالح خاصة.. وأوضح أنه "إذا كانت مصلحة
بعض الأفراد أن يتنفل بالحج مرات ومرات، وكان من وراء ذلك
مفسدة عامة للألوف ومئات الألوف من الحجيج مما يلحقهم من
الأذى والضرر في أنفسهم وأبدانهم حتى هؤلاء المتنفلون
أيضًا يتأذون من ذلك - كان الواجب منع هذه المفسدة بمنع ما
يؤدي إليها وهو كثرة الزحام.
ثالثًا: أن
أبواب التطوع بالخيرات واسعة وكثيرة، ولم يضيق الله على
عباده فيها، والمؤمن البصير هو الذي يتخير منها ما يراه
أليق بحاله، وأوفق بزمانه وبيئته.. حسب تعبير الشيخ.
وعدد الشيخ
منافذ الخير قائلاً: "هناك الصدقة على ذوي الحاجة
والمسكنة، ولا سيما على الأقارب وذوي الأرحام، وكذلك على
الفقراء من الجيران؛ لما لهم من حق الجوار بعد حق الإسلام،
وقد ترتفع المساعدة المطلوبة لهم إلى درجة الوجوب الذي
يأثم من يفرط فيه".
وتابع "وهناك
الإنفاق على الجمعيات الدينية، والمراكز الإسلامية،
والمدارس القرآنية، والمؤسسات الاجتماعية والثقافية التي
تقوم على أساس الإسلام، ولكنها تتعثر وتتخبط؛ لعدم وجود من
يموّلها ويعينها.. على حين تجد المؤسسات التنصيرية مئات
الملايين من الدولارات".
وفي نهاية
فتواه أوضح القرضاوي أن "جنس أعمال الجهاد أفضل من جنس
أعمال الحج، وهذا ثابت بنص القرآن، يقول تعالى:
"أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ
عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ
وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ
وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ".
وكان العلامة
بن باز رحمه الله قد أكد على هذا المعنى في فتوى نشرت على
موقعه، حيث قال: "الأفضل لمن أدى فريضة الحج والعمرة أن
ينفق ما يقابل حج التطوع وعمرة التطوع في مساعدة المجاهدين
في سبيل الله؛ لأن الجهاد الشرعي أفضل من حج التطوع وعمرة
التطوع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل أي العمل
أفضل؟ قال: ((إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم أي؟ قال: الجهاد
في سبيل الله، قيل ثم أي؟ قال: حج مبرور)) متفق على صحته".
كذلك فإن
الشيخ بن العثيمين رحمه الله سئل: هل إنفاق نفقة عمرة
التطوع في الجهاد ونشر العلم وقضاء حوائج الضعفاء أفضل من
الاعتمار أو الاعتمار أفضل؟ وهل يشمل ذلك عمرة رمضان؟.
فأجاب رحمه
الله: يمكن الجمع بينهما فيما يظهر إذا اقتصد في نفقات
العمرة، ولا سيما العمرة في رمضان، فإن لم يكن الجمع فما
نفعه متعديًا فهو أفضل، وعلى هذا يكون الجهاد ونشر العلم
وقضاء حوائج المحتاجين أولى.
أيضًا فإن دار
الإفتاء المصرية قد أفتت بذلك ردًّا على سؤال مشابه فقالت:
"الحج والعمرة ليسا واجبين على السائل بعد أداء الحج
والعمرة الأولين، بل يكونان تطوعًا ونافلة في التقرب إلى
الله، وقواعد الشريعة وحكمة الله تعالى في توجيه عباده إلى
فعل الخير على أساس تقديم الأهم والأصلح؛ وذلك يقتضي بأن
يقدم السائل وأمثاله مصالح وحاجات إخوانه المسلمين
المعدمين الذين هم في مسيس الحاجة إلى ما يؤويهم وما
يستعينون به على قضاء حوائجهم الضرورية، فليس لله حاجة في
الطواف ببيته من شخص يترك إخوانه البائسين فريسة للفقر
والجهل والمرض؛ لأن المسلمين جميعًا يجب أن يكونوا يدًا
واحدة يتعاونون على البر والتقوى".
التقييد لا
يجوز
د. منير جمعة
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يؤكد أنه لا يجوز
للحاكم تقييد الحج والعمرة بزعم ترشيد النفقات؛ لأن
الإنفاق في العبادات مستحب، والبذل فيها مطلوب شرعًا، وعلى
ذلك فلا يجوز مطلقًا بزعم المصلحة أن نضيق أبواب العبادة.
ويتابع: "أما
تنظيم الحج والعمرة بحيث لا يتزاحم الناس في الموسم فهو
أمر مطلوب، ولكن نرى أنه يتم الآن فعلاً عن طريق تحديد
أعداد معينة لكل دولة من السلطات السعودية فلسنا في حاجة
إلى قرارات زائدة".
ويشير جمعة
قائلاً: "هذا مع أني أذهب إلى تأييد ما نادى به العلامة
القرضاوي في وجوب الأخذ بفقه الأولويات، وبتقديم إنقاذ
الأمة والدفاع عنها ومواجهة غول التنصير المنتشر فيها على
تكرار الحج والعمرة".
ويستدرك: "لكن
المسألتين منفصلتان والجهة منفكّة بين هذا وبين الدعوة إلى
تدخل ولي الأمر لمنع عبادة أو تقييدها، فالأمر الأول يقوم
به المسلم الصادق وحده بدافع من فقهه الصحيح لدين الله"..
أما الأمر
الثاني فإن من يدعو إليه بدافع المصلحة قد يدعو غدًا إلى
منع الصيام؛ لأنه يضر بالاقتصاد القومي كما فعل بورقيبة من
قبل، أو إلى منع صلاة الجمعة لأنها تعطل الإنتاج، وهذا قول
واضح البطلان.
ويلفت جمعة
إلى أن من يدعو إلى اختزال نفقات العبادات عليه أن يدرك أن
النفقات تهدر الآن على ما يسمونه الفن وعلى لاعبي الكرة
وعلى وسائل الترويح الحرام، فهذه هي التي يجب ترشيدها، أو
منعها.
اختزال غير
مبرر
د. محمد
المهدي أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر يؤكد أن الأمر
بداية يحتاج لتحديد الدوافع التي قد تدفع البعض لتكرار
الحج أو العمرة.. حيث يرى المهدي أولاً: أن البعض يعتبرون
رحلة العمرة كل عام بمثابة سياحة دينية، وبعضهم يجعلها
بديلاً للذهاب للمصايف أو المنتجعات السياحية، على أساس
أنه يشعر بالراحة في الأراضي المقدسة أكثر من أي مكان آخر،
وهنا يصبح الهدف هو المتعة والشعور بالسكينة والراحة
النفسية في ظلال المشاعر المقدسة.
ثانيًا: فريق
آخر من الناس لديه مشاعر كامنة أو ظاهرة بالذنب نتيجة
التورط طوال العام في أشياء ربما لا يرضى عنها الضمير
العام أو الخاص، وهنا تصبح رحلة العمرة أو الحج نوعًا من
التنظيف والتطهير لما لحق بالنفس وبالضمير من تلوث ربما
تزيده طبيعة الحياة العصرية بما فيها من مغريات وملوثات.
ويتابع
المهدي: "أي أن الذهاب للحج والعمرة هو نوع من التكفير عن
الذنوب، ونوع من التخفيف من الإحساس بالإثم والخطيئة، وهذا
يفسر لنا إصرار بعض فئات من الناس على الذهاب إلى العمرة
والحج كل عام، على الرغم من ابتعادهم في حياتهم اليومية
طول العام عن السياق الديني الصحيح".
ثالثًا: من
الدوافع كذلك كما يرى المهدي هذا المد الديني الواسع لدى
كثير من فئات وطبقات المجتمع، وهذا المد يتجلى في رغبة
قوية في الذهاب للأراضي المقدسة؛ لاكتساب مزيد من الشحنات
الإيمانية، ولتدعيم البناء النفسي للشخص طوال العام؛
ليواجه ضغوط الحياة ومغرياتها.
كذلك فإن هناك
فريقًا آخر يذهب لأغراض دنيوية تمامًا، حسب المهدي.. منها
التباهي وحمل الألقاب والتسوق والتجارة، وتوسعة العلاقات
في أي مجال من المجالات، خاصة أن موسم العمرة والحج هو
موسم لالتقاء الناس من كافة أقطار الأرض.
ويعلق المهدي
على تلك الدوافع بعد تفصيلها قائلاً: "يبدو من هذا العرض
أن هناك توجهًا اختزاليًّا لسلوك التدين لدى هؤلاء الناس،
فهم يضعون في شعيرة العمرة والحج كل اهتمامهم، ويُسخّرون
لها أكثر إمكانياتهم، في حين يغيب هذا الاهتمام وتلك
العطاءات عن جوانب مهمة أخرى، وقد تكون أكثر وجوبًا مثل
إعانة المجاهدين، ورعاية الفقراء وجهود التنمية في
المجتمعات المتخلفة، والحرص على الارتقاء بالمستويات
التعليمية والصناعية والاجتماعية التي هي جزء حيوي من نهضة
الأمة الإسلامية".
ويتابع: "وهذا
يعني وجود اضطراب في التصور وخلل في التوازن، وتدهور في
الأولويات؛ لأن هناك مبالغة وغلوًّا في تكرار سنّة وهي
العمرة أو حج النافلة على حساب واجبات أكثر حيوية وأكثر
تأثيرًا في حياة الأمة الإسلامية، فبعضهم مثلاً ينفق ما
يصل إلى ثلاثين ألف جنيه سنويًّا في رحلة العمرة، ولو طلب
منه الإسهام في مدرسة أو مصنع أو جمعية خيرية أهلية، أو
دعم المجاهدين قد يبخل أو يعطي الفتات الذي لا يسمن ولا
يغني من جوع".
|