 |
|
د. محمد سليم العوا |
أكد عدد من
الفقهاء أن مشاركة أي دولة عربية أو إسلامية لأمريكا في
حربها المزمعة على إيران حرام شرعا، مشددين على أن
المشاركة المقصودة تنسحب على أي نوع من الأعمال، ابتداء
بالمشاركة الفعلية في ضرب منشآتها، أو السماح باستخدام
أراضيها ومطاراتها، وانتهاء بتقديم أي نوع من المعلومات
الاستخباراتية للقوات المعتدية.
واتفق الفقهاء
الذين استطلعت إسلام أون لاين آراءهم على أن الحالة
الوحيدة التي يجوز فيها المشاركة في الحرب ضد بلد مسلم هي
اعتداؤه على بلد مسلم آخر، وهذا غير متحقق بالنسبة للحالة
الإيرانية، مؤكدين أن المصالح العامة للأمة يجب أن تكون هي
المنطلق للحكومات الإسلامية، وليست المصالح الشخصية أو حتى
القطرية.
وقد جاءت هذه
الآراء بعد تصاعد وتيرة التهديد بشن عمل عسكري من جانب
الولايات المتحدة ضد إيران، وورود أنباء عن مشاركة بعض
الدول العربية والإسلامية في تدريبات مشتركة مع أمريكا
لهذا السبب.
فقد كشفت
صحيفة ديلي تلغراف البريطانية أن القوات الجوية الأمريكية
تقوم بتدريب طيارين من دول الخليج وتهيئة القوة الجوية
الخليجية تمهيدا لمشاركتها في حرب محتملة على إيران، كما
ذكر المصدر أن وزارة الدفاع الأمريكية أسهمت في إقامة مركز
للتدريب في دولة الإمارات مشابه لمركز إدارة العمليات
الحربية المقام في قاعدة نيليز بصحراء نيفادا، وأن الأردن
والإمارات شاركتا بالتدريبات المشتركة.
وأوضح مراسل
الصحيفة في واشنطن أن التدريبات تشمل تبادل المعلومات
الاستخباراتية والقيام بتدريبات مشتركة، مضيفا أن ضباطا
أمريكيين شاركوا منذ فترة في مؤتمر عقد بواشنطن، وقدموا
تقريرا عن سير التدريبات المشتركة.
معاهدات دفاع
لا اعتداء!
بداية يؤكد
المفكر الإسلامي الكبير الدكتور محمد سليم العوا أمين عام
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن قتال دولة إسلامية
لأخرى غير جائز شرعا، مشيرا إلى أن اعتداء دولة مسلمة على
أخرى مسلمة هو المسوغ الأوحد لقتالها.
ويقول: "لا يجوز شرعا لأي دولة إسلامية أن تقاتل دولة
إسلامية أخرى إلا إذا بدأت بالاعتداء عليها؛ لأن الله
تعالى يقول: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا
بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى
تفيء إلى أمر الله)..".
ويلفت إلى أن
إيران لم تبدأ العدوان على أي دولة عربية أو إسلامية، بل
كانت مواقفها المعلنة مؤيدة للحق العربي الفلسطيني، ومؤيدة
للحقوق الإسلامية في آسيا وإفريقيا، ومناهضة للهجوم على
الإسلام إعلاميا وثقافيا وسياسيا من أي مصدر جاء الهجوم.
ويطالب العوا
بما هو أبعد من عدم المشاركة في الحرب على إيران حيث يقول:
"إن الوقوف مع إيران وتأييدها وتقوية شوكتها هو الواجب على
الدول العربية والإسلامية، وإذا كان لبعض السياسات
الإيرانية أثر مناهض لمصالح بعض تلك الدول فإن هذا يحل
بالتفاهم والتفاوض والحوار وليس القتال".
وردا على سؤال
بتعلل بعض الدول بوجود اتفاقيات ومعاهدات بينها وبين
أمريكا تلزمها بهذه المشاركة، يجيب العوا: "لا وجه
للاضطرار مطلقا في أي حالة، حيث لا يوجد معاهدة تسوغ
المشاركة في الحرب العدوانية".
ويضيف: "إن
المعاهدات العسكرية هي معاهدات دفاع مشترك، والدفاع يقتضى
أن يسبقه هجوم أو عدوان، فإذا لم يقع هجوم فليس هناك أي
مسوغ للعدوان، وبالتالي فإن تعاون المسلمين في هذه الحرب
بأي شكل من الأشكال غير جائز".
وعن الملف
النووي الإيراني وخطورته على المنطقة كما يراه البعض،
فيوضح العوا أنه "فخر لكل مسلم.. وهو لنا -كمسلمين وعرب-
وليس علينا، وهو ضد إسرائيل وأمريكا، وليس ضد المسلمين".
مشددا على أن "الواجب الإسلامي يحتم علينا أن نؤيده
وندعمه، كي يكون ملفا نوويا حربيا وليس سلميا، ليكون في
مواجهة الكيان الصهيوني".
ويلمح العوا
إلى أمر آخر وهو إشكالية وجود جنود مسلمين أمريكان في صفوف
الجيش الأمريكي، فيقرر أن "أمامهم خيارين في حالة أمرهم
بالقتال، إما تحمل تبعة رفض الانصياع في قتال أخيه المسلم
سواء كان الفصل من الجيش أو العقوبة بالحبس.. وهنا عليه أن
يسلك الطريق القانوني للحصول على حقوقه..". ويتابع: "أما
الخيار الثاني فهو تنفيذ الأمر العسكري إن لم يستطع تحمل
نتيجة رفضه لهذه الحرب، وإبراء نيته من هذه الحرب
الظالمة.." ويهيب العوا بمستشاري الدول العربية والإسلامية
والحكماء ورجال الدين أن يعلنوا للكافة أن هذه الحرب غير
مشروعة.
أما الدكتور
صلاح الصاوي الأمين العام لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا
فيشير إلى أن الواجب على عقلاء الأمة رأب أي صدع يمس أحد
دعائمها، في إطار الأمة الواحدة متراصة البنيان.
وقال: "إن على
أهل البصيرة أن يسعوا لمنع الاقتتال بين أهل القبلة، وكف
الأذى فيما بينهم وبذل النصيحة لمن نكب منهم عن الصراط
وزاغ عن الحق.. وهذا بشكل عام في كل ما يمس الدول
الإسلامية..".
ويضيف الصاوي:
"وعلى الرغم مما وقع ويقع بين السنة والشيعة في العراق
وغيرها من أحداث مؤسفة تشيب لهولها الرؤوس، فإنه لا تحل
مظاهرة غير المسلمين عليهم، سواء على مستوى الأفراد أم على
مستوى الدول".. داعيا إلى التماس كل الوسائل السلمية
للخروج من المأزق الحالي. ويتابع: "ولا تستباح تلك الدماء
إلا في الحرب المشروعة التي تكون لدفع العدوان عن إحدى
البلدان الإسلامية، أو العدوان على الإسلام نفسه، وهو هنا
غير منطبق على إيران".
ويقرر
الصلاحين أن "التعاون على الإثم والعدوان هو العنوان
الحقيقي لهذه الحرب التي يتم الاستعداد لها"، داعيا إلى
تكاتف الدول العربية والإسلامية للوقوف في وجه الغطرسة
الأمريكية والصهيونية.
الولاء للدين
أما الدكتور
على السالوس الأستاذ بجامعة قطر ونائب رئيس مجمع فقهاء
الشريعة بأمريكا فيشدد على أن "مبدأ الولاء والبراء يوجب
عدم المشاركة في تلك الحرب من قبل الدول الإسلامية".
ويذهب السالوس
إلى أبعد من ذلك حين يطبق ذات المبدأ على المسلم داخل صفوف
الجيش الأمريكي، حيث يقول: "إن المسلم الأمريكي يجب عليه
عدم التعاون على ضرب أخيه المسلم، فولاؤه يجب أن يكون
للدين أولا، فالإسلام جعل الولاء للحق الذي نزل من عند
الله، وأمر أتباعه أن يكونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو
على أنفسهم أو الوالدين والأقربين، وهو بهذا لا يفرق بين
من يقيم في دار الإسلام أو يقيم خارجها".
وقال: "لقد
اختلف العلماء حول موقف الجنود المسلمين الأمريكيين فذهب
البعض منهم إلى حرمة المشاركة، ورأى أن يحاول الجندي طلب
إجازة أو حتى ترك الخدمة العسكرية إن أمكن، بينما رأى فريق
آخر أن إبراء النية من القتل هو الحل أمام من يتعذر عليه
الإقدام على الخطوة السابقة".
وعودة لموقف
الدول الإسلامية والعربية من الحرب المحتملة على إيران
يؤكد الدكتور عبد الحميد العبيدي الأستاذ بجامعة بغداد
سابقا -عراقي الجنسية- أنه "لا يجوز لمسلم أن يضرب مسلما
تحت أي ذريعة، حيث يقول تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا
فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له
عذابا عظيما).
ويضيف: "ولا
يجوز أيضا لدولة مسلمة ضرب أخرى مسلمة أو التعاون على
ضربها لأي سبب من الأسباب مادامت لم تعتدِ عليها، ولا يجوز
الاستعانة بكافر على مسلم".
ولذلك يقرر
العبيدي: "من هنا لا يجوز لأحد أن يضرب إيران". مؤكدا أن
هذا القتال سيكون لصالح أمريكا واليهود، وليس لصالح
المسلمين.. يقول تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا
اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم
فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين".
وأنهى العبيدي
حديثه مؤكدا على أن "الحكم الشرعي بشأن تدريب الطيارين أو
التعاون بأي شكل من الأشكال، أو مشاركة المسلم الأمريكي هو
الحرمة المؤكدة استنادا إلى الآيات السابقة".
لكنه استدرك
قائلا: "من المعروف أن إيران لها يد في مقتل بعض الطيارين
العراقيين، فإن ثبت هذا يقينا للطيار العراقي فلا بأس
بالمشاركة في قتال من قتلوا أبناءه أو عشيرته".
هذا وقد رفض
بعض الفقهاء العراقيين الحديث في هذه القضية أمثال الدكتور
طه جابر علواني رئيس جامعة قرطبة ومفتي الأمريكتين السابق،
الذي أكد رغبته في عدم الإفصاح عن رأيه، مشيرا إلى أن
موقفه هذا -حجب رأيه- هو موقف قديم منذ الحرب الأمريكية
على العراق وما زال إلى الآن، وشارك علواني هذا الامتناع
الدكتور ضرغام الدليمي أستاذ الفقه في جامعة بغداد!!.
حرب نفسية
وبنظرة أخرى
يغلب عليها التحليل السياسي يرى الدكتور سيف عبد الفتاح
الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة
أن الخبر الذي نشرته صحيفة ديلي تلغراف البريطانية عن
التعاون ضد إيران ينبغي ألا نقيم له وزنا على المستوى
السياسي؛ لأنه لا يعدو كونه حربا نفسية لا أكثر.. ويعلل
ذلك بخمسة أسباب:
أولها رغبة
أمريكا -بحسب قوله- في دق "إسفين" بين إيران من جانب
والدول العربية كلها من جانب آخر، لتأكيد وجود حالة من
الحرب والاستنفار بين أبناء الأمة الإسلامية، والدخول في
معارك جانبية بعيدا عن المعركة الحقيقية.
وثاني هذه
الأسباب هو محاولة إحياء وإعداد حليف من الدول العربية،
واستثمار بعض الخلافات العربية مع إيران وتضخيمها لكي تشكل
لأمريكا سندا، وهى تطبق نفس المحور "العراقي الكويتي"
وتجيش الدول العربية والإسلامية ضد إيران، كما فعلت وقت
اجتياح العراق للكويت وشن حرب عربية لتحرير الكويت.
والثالث أن
هناك بالفعل تصريحات عربية وخليجية مباشرة وغير مباشرة بأن
دول الخليج لن تسمح بالتعاون على ضرب إيران.. فمن المعروف
أن المنطقة ككل سوف تتأثر بالغ الأثر بهذه الحرب إن حدثت.
والسبب الرابع
كما يقول د. سيف فهو أن التلويح بالحرب أحيانا يأتي بنتائج
الحرب ذاتها، فتعتقد أمريكا أن إحكام الحلقة على إيران
يمكنها من تقديم الأخيرة لبعض التنازلات.
أما السبب
الأخير فهو تعذر خوض أمريكا حربا جديدة في منطقة الشرق
الأوسط بعد فشلها في العراق ودخولها مستنقع لم تستطع
الخروج منه حتى الآن، إلى جانب امتلاك إيران أوراق ضغط
كثيرة منها حماس وحزب الله.
ويضيف د. سيف:
"ولا يمكن أن نهمل تصريح الوزير الإيراني عندما قال إن
هناك خيارا إيرانيا إذا أقدمت أمريكا على ضرب إيران، وهو
ضرب القوات الأمريكية في أفغانستان والعراق".
ويؤكد الدكتور
سيف أن "إيران ما زال في جعبتها أوراق ضغط عديدة، فهي ليست
مصر ولا السودان، فهي تملك أدوات اللعبة الإستراتيجية،
وتدير الصراع مع أمريكا بحرفية شديدة".
اقرأ
أيضاً:
|