|
نحن نعتقد أن
الله سبحانه وتعالى أكرمنا بهذه الشريعة التي ختم بها
الشرائع، فأصبحت شريعة الزمن كله، كما أنها شريعة العالَم
كله، وهي أيضا شريعة الإنسان كله، وشريعة الحياة كلها، هي
شريعة للفرد، وشريعة للأسرة، وشريعة للمجتمع، وشريعة
للأمة، وشريعة للدولة، وشريعة للإنسانية كلها.
وهي شريعة
للإنسان في عقله وجسمه وروحه وعواطفه وعلاقاته، وشؤون
دنياه وآخرته. إنها شريعة عامة خالدة شاملة: عامة في
المكان، خالدة في الزمان، شاملة لكل ما يصلح للإنسان،
ويسعد الإنسان. أما عمومها المكاني فمستمد من قوله تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}
(الأنبياء:107)، وأما عمومها الزماني فمستمد من قوله
تعالى:{وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ
النَّبِيِّينَ}(الأحزاب: 40)، وأما شمولها الإنساني
والعمراني، فذلك مستمد من قوله تعالى : {وَنَزَّلْنَا
عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى
وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: 89).
وقوله: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي
الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ
تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ
شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}
(يوسف:111).
وجوب الاحتكام إلى الشريعة
أكرمنا الله
بهذه الشريعة التي يجب أن نحتكم إليها. فالاحتكام إليها
ليس نافلة، ولكنه فرض إلهي، بل هو من تمام الإيمان. لا يتم
الإيمان ولا يصح الإيمان إلا بالالتزام بهذه الشريعة،
وقبول أحكامها، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ
إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ
لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } (الأحزاب: 36).
{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى
اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} (النور:51). {فَلَا وَرَبِّكَ لَا
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ
ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا
قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء:65).
وهذا يشمل
الحكام لقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ
اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } وقوله: {وَمَنْ
لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ} وقوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا
أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}
[المائدة:44، 45، 47]. ويشمل المحكومين لقوله تعالى:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ
اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ
يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً} [النساء:61].
صلاحية الشريعة للخلود
وهذه الشريعة
ـ لأنها خاتمة الشرائع والمؤمن يعتقد أن ما اختاره الله
له: خير مما يختاره هو لنفسه، لقصور علمه، وغلبة شهوته،
وكثرة الحُجُب التي تحول بينه وبين الحقيقة، ولكن الله
الذي خلقه يعلم ما يحتاج إليه، وما يصلح له، ويرقى به،
{أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}
(الملك:14). وهو كذلك أبرّ بالإنسان من نفسه، وأرحم به من
أبويه، فلا يأمره إلا بما هو خير، ولا ينهاه إلا عما هو
شر. ولهذا أجمع العلماء على أن الشريعة إنما أقيمت لمصلحة
العباد في المعاش والمعاد، وتضمنت من عناصر الخلود والسعة
والمرونة ما يجعلها صالحة لكل زمان ومكان[1].
تغيّر الفتوى
ومن هذه
العناصر: أن الفتوى فيها تتغير بتغير الزمان والمكان
والعرف والحال، وموجبات كثيرة تتغير الفتوى بموجباتها.
وهذا ما قرره
العلماء المحققون، وفي مقدمتهم الإمام ابن القيم الذي كتب
فصلا مهما في كتابه (إعلام الموقعين) عن تغيّر الفتوى
بتغيّر الزمان والمكان والعرف والحال، وفصّل في ذلك تفصيلا
تنشرح به الصدور، وتقتنع به العقول، وتطمئن به القلوب،
فليرجع إليه. وهو ما قرّرته (مجلة الأحكام العدلية) التي
كانت تمثل القانون المدني لدولة الخلافة الإسلامية
العثمانية في فتراتها الأخيرة، والتي كانت تحكم بها بلاد
عربية شتى، منها: سورية والأردن والكويت إلى فترات قريبة.
هذه المجلة تقول في إحدى موادها، وهي المادة التاسعة
والثلاثون: (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان).
ملاحظات على صياغة مجلة الأحكام
العدلية
وقد كان لي
بعض ملاحظات سجلتها في بعض كتبي[2]
على هذه الصياغة، وأن فيها شيئا من الإجمال والعموم،
والمقصود بالأحكام: الأحكام الاجتهادية، والأحكام الظنية،
وليست الأحكام القطعية، فمعظم أحكام الشريعة - كما يعلم
الدارسون - أحكام ظنية. والأحكام الظنية ليست هي المأخوذة
من القياس والاستصلاح والاستحسان فقط، ولكن حتى الأحكام
المأخوذة من النصوص قد تكون ظنية، لأن الظنية تدخل إلى
النصوص من ناحية ثبوتها، ومن ناحية دلالتها، فمعظم النصوص
من غير القرآن ظنية الثبوت، كما أن دلالة النصوص في معظمها
دلالات ظنية، ولذلك تختلف فيها الأفهام، وتختلف فيها
المذاهب والمدارس المختلفة. لذا كنت أود أن يقال: (لا ينكر
تغير الأحكام الظنية أو الاجتهادية بتغيّر الأزمان).
كما أن
الصياغة فيها قصور، لأنه ليست الأزمان وتغيرها وحدها هي
التي تتغير بها الأحكام، فهناك تغير الزمان والمكان
والعُرف والحال والضرورة والحاجة..إلخ. كما سنبين في هذا
البحث.
حجج واهية للعلمانيين
لقد رأينا بعض
الذين دعوا إلى العلمانية قالوا: إن العلمانية مفروضة
علينا، فأتاتورك وجماعته قالوا: إن الحياة متغيرة ومتجددة،
والشريعة جامدة وثابتة، فكيف نستطيع أن نحكم على حياة
متغيرة متجددة، بشريعة أحكامها ثابتة؟!!.
وكلتا
القضيتين غير مسلّمة. فالحياة ليست كلها متجددة، ولا كلها
متغيرة، فالحياة فيها الثابت وفيها المتغير. تتغير أشياء
في الحياة، ولكن الجوهر فيها قائم. والإنسان في هذه الحياة
تغيّرت فيه أشياء كثيرة. معلوماته ومعارفه تغيرت، آلاته
وأدواته تغيرت، لكن جوهر الإنسان هو هو، بعقله، بغرائزه،
الإنسان زمن قابيل وهابيل هو نفسه موجود اليوم بصور أخرى.
فالحياة تتغير فيها أشياء، والإنسان تتغيّر فيه أشياء، لكن
جوهرهما ثابت.
والشريعة
كذلك، ليست كل الأشياء فيها ثابتة، فيها الثوابت وفيها
المتغيرات، فيها ما أجمعت عليه الأمة، وقطعت فيه برأي:
وفيها ما اختلفت فيه المذاهب، وتعددت المشارب، وتنوعت
الأقوال. فيها أصول العبادات، وأصول المعاملات، وأصول
المحرمات، وأصول السلوكيات، لا ريب فيها، ولا خلاف عليها،
وفيها فرعيات كثيرة اختلف فيها العلماء، وقال المحققون:
اختلافهم رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة.
الشريعة فيها
دائرة ثابتة مغلقة لا يدخلها اجتهاد ولا تطوير ولا تجديد،
وهي دائرة القطعيات، وهي دائرة محدودة جدا لكنها مهمة جدا.
هذه الدائرة
مهمة جدا، لأنها تمثل الثوابت التي تمسك الأمة أن تذوب، أو
أن تتحول إلى أمم. لذلك نقول: إن الشريعة – لأنها تعالج
قضايا متجددة دائما- فيها من عناصر الخلود ما يجعلها صالحة
ومُصلحة لكل زمان ومكان، ومن هذه العناصر مسألة تَغيُّر
الفتوى.
العلماء الأقدمون تكلموا في
تَغيُّر الفتوى
تَغيُّر
الفتوى مسألة تحدّث فيها الإمام القرافي[3]،
والإمام ابن القيم[4]،
وعلاّمة متأخري الحنفية ابن عابدين في رسالة (نشر العَرف[5]
فيما بني من الأحكام على العُرف) والمحققون جميعًا أقروا
هذا، ومن يقرأ كُتب الفقه يجد هذا واضحا.
تخوفات بعض المخلصين
وحديثنا في
هذا البحث عن (موجبات تَغيُّر الفتوى في عصرنا). يثير في
أنفس بعض الإخوة من المنتسبين إلى العلم الشرعي توجسات،
سببها الخِيفة من عبارة (تغيّر الفتوى) كأنما يخشون أن
تُتخذ تكأة للذين يريدون أن يتلاعبوا بأحكام الشريعة
الثابتة، فيحلّوا ما حرّم الله، ويُحرّموا ما أحل الله،
ويسقطوا ما فرض الله، ويشرعون في الدين ما لم يأذن به
الله.
وأحب أن
أُطمئن هؤلاء الإخوة: أن ثوابت الشريعة ومُحْكماتها لا
يلحقها التغيّر بحال، أما الذي يتغير، فهو دائرة الظنيات
والأحكام الاجتهادية، التي تقبل الاختلاف، وتقبل التغيّر
بتغيّر المكان والزمان والحال، وهذا من روائع هذه الشريعة
وخصائصها المميزة.
كم ترك الأول للآخر
كما أن هناك
إخوة آخرين من أهل العلم الشرعي يقولون: إن كتبنا الفقهية
القديمة فيها حل لكل المشكلات، ولسنا في حاجة إلى اجتهاد
جديد ولا إلى فتاوى جديدة. وهم يرددون قول القائل: ما ترك
الأول للآخر شيئا!
ونحن طبعًا
نقدّر هذه العاطفة نحو أئمتنا القدامى وفقهائنا السابقين،
ونحن من أعظم الناس تقديرًا واحترامًا لهم.. لكنّا نقول:
هم بذلوا ما عندهم، وأعملوا عقولهم، واجتهدوا لزمانهم
ولمكانهم ولبيئتهم، فأحسنوا وأجملوا، وحفظوا دينهم، وخدموا
أمتهم، فأولى بنا إذا كنا نريد الاقتداء بهم أن نجتهد كما
اجتهدوا، أن نجتهد لزماننا، ولمكاننا، وبيئتنا، وظروفنا؛
كما اجتهدوا، فهذا هو الاقتداء المحمود، والاتباع المشروع،
الاتباع في المنهج، وليس التقليد المطلق للأقوال الجزئية.
أما قولهم: ما
ترك الأول للآخر شيئا، فهو قول مردود، فكم ترك الأول للآخر،
ولا يزال الخير في هذه الأمة إلى يوم القيامة. وفي
الحديث"إن مثل أمتي مثل المطر، لا يُدري أوله خير أو آخره"[6].
وقد صح
عن عدد من الصحابة حديث الطائفة المنصورة القائمة على الحق
إلى يوم الدين "لا تزال طائفة من أمتي قائمين على الحق، لا
يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك"[7].
وفي الحديث المشهور الذي رواه أبو داود وغيره: "إن الله
يبعث على رأس كل مائة عام لهذه الأمة: من يجدد لها دينها"[8].
تَغيُّر الفتوى لا يعني عدم
الاستفادة من القديم
أما موقفنا من
أئمتنا المجتهدين فهو واضح بيّن، وهو: أن نتبعهم في
منهجهم. ونجتهد لبيئتنا وعصرنا، كما اجتهدوا. ولذلك نقول:
ليست الكُتب القديمة وحدها كافية لنحل بها مشكلات العصر.
إننا نستفيد منها، ولا يمكن أن نطرحها ونبدأ من جديد.
بعض الدعاة
الكبار دعوا إلى أن نطرح هذا الفقه القديم، ونبدأ بتفصيل
فقه جديد من القماش العريض، من الكتاب والسنة! وأنا أقول:
هذا غير مفيد، كما أنه غير ممكن. أجلْ، لا يمكن أن يبني
اللاحق إلا على ما أسسه السابق؛ لا يمكن أن نبدأ من الصفر.
إن التراكم المعرفي، في كل العلوم مهم جدا، في علوم الدين
أو علوم الدنيا. وكل عالم يستفيد من الرصيد العلمي لمن
سبقه، ويضيف إليه، أو يستدرك عليه.
لقد ألفتُ
كتابا من مجلدين في (فقه الزكاة). تصوروا لو أني تركت فقه
الزكاة الذي ورد عن السابقين، وامتلأت به الكتب في مختلف
المذاهب، وقلت: سأقرأ القرآن وحدي، وسأقرأ الحديث الشريف
وحدي، وسأضرب صفحا عن أقوال الأئمة وأصحابهم وتلاميذهم،
وسأبدأ من الصفر، كما يقال. ما الذي كان يمكن أن آتي به؟!
لا بد أن يكون شيئا ناقصا أو قاصرا؛ ككل شيء في بدايته.
لقد استفدت من
عقول الأمة في أربعة عشر قرنا، واستفدت من اجتهادات
المذاهب المختلفة، والمدارس المختلفة، في الأقطار المختلفة،
واستطعتُ أن أقف على هذا التراث الهائل، وأن أقارن وأوازن
وأرجّح وأختار، وهذا هو عمل الفقيه. ولا يمكن أن نقول:
إننا نعتمد على الجديد وننسى القديم؛ بل يجب أن نأخذ منه
ونبني عليه، لأن الأجيال تتكامل، والأمة متواصلة، يأخذ
بعضها عن بعض، وخير الخلف من انتفع بالسلف.
__________________
[1] راجع
ذلك في كتابنا ( عوامل السعة والمرونة في الشريعة
الإسلامية).
[2] انظر:
كتابنا (مدخل لدراسة الشريعة) / ص229/ طبعة مكتبة
وهبة، القاهرة، ومؤسسة الرسالة، لبنان.
[3] في
كتابه (الفروق)، وكتابه (الأحكام في تمييز الفتاوى
والأحكام) .
[4] في
كتابه (إعلام الموقعين).
[5] العَرْف
يعني الرائحة الطيبة.
[6]
رواه أحمد في المسند (12327) عن أنس، وقال مخرّجوه:
حديث قوي بطرقه وشواهده, وهذا إسناد حسن، والترمذي
في الأمثال (2869)، وقال: حسن غريب من هذا الوجه،
وأبو يعلى (6/190).
[7] رواه
البخاري في المناقب (3641)، ومسلم في الإمارة
(1037)، وأحمد في المسند (16932)، عن معاوية.
[8]
رواه أبو داود في الملاحم (4291) عن أبي هريرة،
والحاكم في المستدرك كتاب الفتن والملاحم (4/567)،
والطبراني في الأوسط (6/324)، وصححه الألباني في
صحيح الجامع (1874).
|