ÇÊÍÇÏÚáãÇÁ ÇáãÓáãíä
 
Untitled-1

احتجاز الرهائن في ميزان الإسلام*

24-7-2007

المستشار فيصل مولوي** - موقع الاتحاد

 

يخوض كثير من الشعوب الإسلاميّة المستضعفة اليوم معارك تحرّر ضدّ أعدائها المحتلِّين، كما في فلسطين وكشمير وأفغانستان، وقد تتعرّض شعوب أخرى لمثل ذلك أمام الهجمة الماكرة التي يخوضها اليمين المسيحي المتصهين في الولايات المتّحدة الأمريكيّة ضدّ الإسلام والمسلمين في كلّ مكان، متذرّعًا بما يسمّيه محاربة الإرهاب.

وأمام عدم التكافؤ بصورة مطلقة بين المسلمين وأعدائهم تبدو مثل هذه المعارك للوهلة الأولى شبه خاسرة؛ ممّا يدفع الشباب المسلم الذي يتلهّب حماسة لدينه وأمّته، إلى استحداث أساليب جديدة في إدارة الصراع، يبتغي من ورائها كسر جدار انعدام التكافؤ، والضغط على الأعداء حتى يتراجعوا عن عدوانهم، ويسلّموا بحقوق شعوبنا المستضعفة.

وقد تدفع الحماسة بعض الشباب إلى القيام بعمليات نوعيّة مهمّة دون التأكّد من شرعيّتها؛ ممّا قد يشوّه صورة الإسلام الذي أراده الله رحمة للعالمين، وجعله محفوفاً بقيم أخلاقيّة مطلقة، حيث يقول تعالى: "قل إنني هداني ربّي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملّة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين" (الأنعام: 161).

من أمثال هذه العمليات ما جرى في أحد مسارح موسكو، حين دخله عدد كبير من المجاهدين الشيشان، واحتجزوا كلّ من فيه كرهائن، وطالبوا الحكومة الروسيّة بالانسحاب من الشيشان، وإلاّ فإنّهم سيفجّرون المبنى على من فيه. ثمّ أطلقوا الأجانب غير الروس، والأطفال، قبل أن تقتحم الوحدات الروسيّة الخاصّة المسرح، وتطلق نوعاً من الغاز الذي أدى إلى وفاة الشيشانيين ومعهم 120 من الرهائن، فضلاً عن إصابة الباقين، ومنهم أعداد كبيرة يعانون حالات صعبة.

التحليل السياسي: فقه الواقعة

ونحن في تحليلنا السياسي لهذه الحادثة نعتبرها خطيئة فظيعة لسببين اثنين:

الســـبب الأول:

أنّ أيّ دولة ولو كانت صغيرة أو ضعيفة لا يمكن أن تغيّر سياستها بمثل هذه الضغوط؛ فكيف إذا كان الأمر يتعلّق بروسيا وهي إحدى الدولتين العظميين في العالم، والتي اضطرّت إلى مغادرة هذا المركز، وسلّمت للولايات المتّحدة بقيادة العالم تحت ضغط ظروفها الاقتصاديّة الصعبة، وانهيار الاتحاد السوفيتي الذي كانت تمثّل محوراً له. لكنّها لا تزال تعيش بقيّة من العنفوان السابق، وتعتبر نفسها لا تزال قوّة كبرى في هذا العالم.

الســـبب الثاني:

أنّ الولايات المتّحدة اتّخذت قرارها بغزو العراق -تحت حجّة إسقاط النظام فيه-، وهي تحاول استدراج مجلس الأمن أو الضغط عليه لاتخاذ قرار دولي يسمح لها بذلك، ويزيل اعتراض كثير من الدول العربيّة التي لا توافق على استعمال القواعد الأمريكيّة الموجودة عندها في غزو العراق إلاّ إذا سمح مجلس الأمن بذلك. ومن المعروف أنّ روسيا وفرنسا تبنّتا الموقف المعارض لغزو العراق داخل مجلس الأمن، وكان من المفترض أن تُشكر روسيا على هذا الموقف، وأن يطلب منها التشدّد فيه حتّى استعمال حقّ الفيتو، لا أن تقابل بمثل هذه العمليّة في قلب موسكو.

إنّ صدور قرار من مجلس الأمن يسمح بغزو العراق لا يتوقّف ضرره على ما سيحدث في العراق وهو أمر خطير، لكن الأكثر خطورة هو أن تشارك بعض الدول العربيّة في هذا الغزو عن طريق السماح باستخدام أراضيها من قبل القوات الأمريكيّة. وهو الأمر الذي يعيدنا إلى أجواء حرب الخليج الثانية التي تواجهت فيها الدول العربيّة ضدّ بعضها، وأدّت إلى تمزيق مشاعر الأخوّة بين الشعوب. في الوقت الذي لم تستطع أمّتنا حتى الآن، ورغم كلّ الجهود المبذولة، إنهاء حالة الخلاف القائم، واستعادة أجواء التضامن العربي ولو في حدّه الأدنى.

في ضوء هذه المقدّمة تزداد أهميّة دراسة مثل هذه الأعمال من الناحية الشرعيّة حتّى يتبيّن للشباب المسلم وجه الخطأ أو الصواب.

توصيف المسألة

1- هناك حالة حرب قائمة ومعلنة بين روسيا والشيشان.

2- روسيا متفوّقة على الشيشان على جميع الأصعدة. وهو أمر ظاهر ومعروف. والقوات الروسيّة التي تحتلّ بلاد الشيشان تستعمل كلّ ما تملك من الأسلحة الفتّاكة، وتصيب الأطفال والنساء والشيوخ، فضلاً عن التدمير الهائل الذي أصاب أماكن القتال.

3- من أجل إيجاد نوع من التكافؤ والتوازن اعتاد المجاهدون الشيشان على استعمال أساليب استثنائيّة، ومنها: خطف مجموعة من الروس، واحتجازهم كرهائن، والتهديد بقتلهم إن لم يتحقّق لهم مطلب معيّن.

وبناءً على هذا التوصيف للمسألة في واقعها نتناول المسائل الشرعيّة المطروحة في النقاط التالية:

1- دراسة أهمّ حوادث الخطف والاحتجاز في السيرة النبويّة:

إنّ المتتبّع لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد عدداً محدوداً من حوادث الخطف والاحتجاز للأعداء، ويمكن أن نقسّمها إلى مجموعتين:

المجموعة الأولى:

وهي عمليات اختطاف للأعداء جرت بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم نعثر على مثال لها إلا حادثة اختطاف ثمامة بن أثال الحنفي، وخلاصتها: "أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي إلى ملك البحرين المنذر بن ساوى ليدعوه إلى الإسلام، وبعد أنّ أسلم رجع العلاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: مررت بثمامة بن أثال الحنفي، فقال: أنت رسول محمّد؟ فقلت: نعم. فقال: والله لا تصل إلى محمّد أبداً. وأراد قتلي، فمنعه عمّه عامر بن سلمة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهمّ اهد عامراً، وأمكني من ثمامة". فأسلم عامر، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يأمر كلّ من خرج إلى وجه: "إن ظفرت بثمامة فخذه". فخرج محمّد بن مسلمة في بعث من البعوث، وقد أوصاه النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان ببطن نخل (مكان من نجد)، إذا هم بقوم يصطنعون طعاماً، وفيهم ثمامة بن أثال، فأخذه محمّد بن مسلمة، فأوثقه في جامعة (أي قيد جامع)، وبعث به مع أبي نائلة وأربعة نفر. فلمّا أتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم أمر به فربط إلى سارية من سواري المسجد. فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "ماذا عندك يا ثمامة؟" فقال عندي خير يا محمّد. إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت. فترك حتّى كان الغد. ثمّ قال له: "ما عندك يا ثمامة؟" فقال: ما قلت لك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أطلقوا ثمامة. فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثمّ دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله. يا محمّد، والله ما كان على وجه الأرض أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه إليّ. والله ما كان من دين أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك أحبّ الدين إليّ. والله ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك، فأصبح بلدك أحبّ البلاد إليّ. وإنّ خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشّره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر. فلمّا قدم مكّة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا. ولكن أسلمت مع رسول الله، والله لا يأتيكم من اليمامة حبّة حنطة حتّى يأذن فيها النبيّ صلى الله عليه وسلم". (هذه القصّة وردت في روايات مختلفة في صحيح البخاري وصحيح مسلم وسيرة ابن هشام وغيرها).

ما يستنتج من هذه القصّة:

1-  كانت هناك حالة حرب فعليّة، وقد أراد ثمامة بن أثال أن يقتل العلاء بن الحضرمي رسولَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، مع أنّ الرسل لا تقتل حتّى في حالة الحرب.

2-  أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخطف ثمامة وهو من زعماء الأعداء المقاتلين، وقد أراد قتل أحد المسلمين خارج المعركة؛ فهو مستحقّ للقتل خارج المعركة أيضاً.

3-  عندما خطف ثمامة لم يقدم الخاطف على قتله، وإنّما سلّمه إلى وليّ الأمر (رسول الله صلى الله عليه وسلم) ليرى فيه رأيه. ورغم خطورة فعله واستحقاقه القتل فقد أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سراحه دون مقابل؛ رغبةً في إسلامه؛ ممّا يؤكّد أحد المقاصد الهامّة للشريعة الإسلاميّة، وهو الحرص على إسلام الناس، وليس على قتلهم.

المجموعة الثانية:

حوادث خطف قام بها المسلمون تلقائياً، نذكر منها:

 الحادثة الأولى: حادثة اختطاف أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم ناسًا من أهل الحرم غافلين، عندما خرج إلى مكّة معتمراً، وقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم سراح المختطفين كما روى الطبري في تفسيره (26  /  59) عن مجاهد قال: "أقبل معتمراً نبي الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ أصحابه ناساً من أهل الحرم غافلين، فأرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم".

وما يمكن استنتاجه من هذه القصّة، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن في ذلك الحين يعتبر نفسه في حالة حرب مع المشركين، وقد خرج معتمراً، ولذلك فقد أطلق سراح المختطفين باعتبار أنّ الخطف لا يجوز في غير حالة الحرب الفعليّة.

الحادثة الثانية: حادثة اختطاف سلمة بن الأكوع لأربعة من المشركين، وحادثة اختطاف عمّه عامر لرجل من العبلات (وهم أبناء عبلة بن عبيد) بعد صلح الحديبية، وإطلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء المختطفين، وقد وردت هذه القصّة في صحيح مسلم (غزوة ذي قرد) يقول سلمة بن الأكوع: (... لمّا اصطلحنا نحن وأهل مكّة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها (أي كنسته)، واضطجعت في أصلها، فأتاني أربعة من المشركين، فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي يذمونه)، فأبغضتهم، فتحوّلت إلى شجرة أخرى، وعلّقوا سلاحهم واضطجعوا. فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين! قتل ابن زينم. فاخترطت سيفي، ثمّ شددت على هؤلاء الأربعة وهم رقود، فأخذت سلاحهم، وجعلته ضغثاً في يدي (أي حزمة مجموعة)، ثمّ قلت: لا يرفع أحدكم رأسه إلاّ ضربت الذي فيه عيناه، ثمّ جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء عمّي عامر برجل من العبلات، يقال له مكرز، يقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس مجفّف في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "دعوهم، يكن لهم بدء الفجور وثناه...".

وما يستنتج من هذه القصّة: أنّ الصلح كان قائماً بين رسول الله والمشركين، ولذلك صبر سلمة على ذمّ المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنّه عندما سمع بقتل ابن زينم اعتبر أنّ المشركين نقضوا الصلح فاستباح خطفهم، وهكذا فعل عمّه عامر. لكن يلاحظ أنّ سلمة وعامر رضي الله عنهما لم يقتلا أحداً من المختطفين، وإنّما سلماهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو وليّ الأمر، وأنّ رسول الله عفا عنهم، وقال تلك الكلمة الرائعة: "دعوهم، يكن لهم بدء الفجور وثناه". وهي تبيّن بوضوح أنّ مقتضيات الدعوة تتغلّب على مقتضيات القتال والانتقام، وأنّ بدء الفجور وإعادته ثانية هو من أخلاق المشركين، وليس من أخلاق المسلمين. وإذا أبيح للمسلم الردّ على الفجور بمثله؛ فليس ذلك استجابة للرغبة في الانتقام، وإنما هي محاولة لمنع تكرار الفجور، ولإزالته من ميدان العلاقات الإنسانيّة، ولذلك فإنّ الإسلام يدعو للعفو والصبر؛ لأنّه عادة يكون أبعد أثراً في منع تكرّر الفجور.

الحادثة الثالثة: حادثة أسْر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني عقيل، وقد كانوا حلفاء لثقيف، وأسر ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جرى حوار بين العقيلي ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأل العقيلي: بم أخذتني؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف. قال العقيلي: إني جائع فأطعمني، وظمآن فاسقني. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه حاجتك (أي أنها تقضى فوراً).

ومما يُستنتج من هذه الحادثة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرّ أصحابه على خطف العقيلي وأسره؛ باعتباره حليفاً لأعدائه المحاربين، لكنّه قضى له حاجته من الطعام والشراب، أي أنّه لا يجوز إيذاء المخطوفين أو تجويعهم.

الأحكام الشرعيّة المتعلّقة باحتجاز الرهائن:

1- خطف الرهائن واحتجازها يُعتبر من الأعمال الحربيّة؛ ولذلك فهو غير جائز أصلاً إلا في حالة الحرب المعلنة والقائمة. يؤيّد ذلك أنّ جميع أحداث الخطف والاحتجاز للأعداء والمذكورة آنفاً وقعت في حالة الحرب، وأنّ ما وقع منها أثناء معاهدات الصلح لم يقرّه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمر بإطلاق الأسرى.

2- حتّى في حالة قيام حرب معلنة فإنّ خطف الأعداء أو احتجازهم لا يجوز إذا كانوا من السفراء ومن في حكمهم، أو من المستأمَنين، أو من المقيمين في دول أخرى بينها وبين المسلمين معاهدات سلميّة.. يدلّ على ذلك:

أ - قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا أحبس البرد" -أي الرسل-. (رواه أبو داود، برقم: 3  /  110، وصحّحه الألباني). وهناك كذلك قول ابن مسعود: "مضت السنّة أن الرسل لا تقتل" (رواه البيهقي برقم: 9/212).

ب - أما المستأمَنون أو المقيمون في دول أخرى بينها وبين المسلمين معاهدات سلميّة؛ فلا يجوز التعرّض لهم بالخطف أو الاحتجاز أو القتل؛ لأنّه خيانة، والله لا يحبّ الخائنين، وهو نوع من الغدر. وقد ثبت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الغدر.

3- وطالما أنّ الخطف والاحتجاز في حالة الحرب يعتبر من الأعمال الحربيّة؛ فهو لا يجوز توجيهه لمن لا يجوز توجيه الأعمال الحربيّة ضدّهم، وهم غير المقاتلين من النساء والأطفال والشيوخ العاجزين الذين لا رأي لهم في القتال والرهبان، وإذا حصل مثل هذا الأمر فالواجب الشرعي يفرض إطلاق سراح هؤلاء وأمثالهم فوراً.

4- خطف الأعداء المقاتلين أو الذين من شأنهم القتال أثناء قيام حالة حرب جائز إذا كان بأمر ولي الأمر أو إذنه، كما في حادثة ثمامة بن أثال.

أما إذا وقع بمبادرة من المجاهدين؛ فعليهم أن يسلّموا المخطوفين لوليّ الأمر الذي يقرّر فيهم ما يشاء من القتل، أو إطلاق سراحهم بدون مقابل، أو إطلاق سراحهم في مقابل.

5- المخطوفون أو المحتجزون أو الرهائن لهم أحكام  الأسرى. وبالتالي:

أ - يجب إكرامهم؛ لأنّ "رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى؛ فكانوا يقدّمونهم على أنفسهم عند الغداء" (ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره، برقم: 4/454). وكان يقول: "استوصوا بالأسارى خيراً" (رواه الطبراني في الصغير والكبير، وإسناده حسن، مجمع الزوائد، رقم: 10007). ولا يجوز ضرب الأسير إلاّ لسبب مشروع وبناءً على طلب ولي الأمر.

ب - وممّا اتّفق عليه جمهور الفقهاء أنّ الإمام مخيّر في الأسرى بين أمور أربعة:

* المنّ عليهم: أي إطلاق سراحهم من غير فداء؛ لقوله تعالى: "فإمّا منًّا بعدُ وإمّا فداء" (محمّد: 4).

* الفداء: وهو إطلاق سراحهم مقابل المال، أو مقابل إطلاق سراح أسرى المسلمين عندهم، أو مقابل عمل يفيد المسلمين، كما ثبت عن النبيّ أنّه فادى بعض أسرى بدر على تعليم جماعة من المسلمين الكتابة (زاد المعاد لابن القيّم: 5/65). وكلّ أنواع الفداء هذه ثبتت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة.

* القتل: لما ورد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل عقبة بن أبي معيط، وطعيمة بن عديّ، والنضر بن الحارث يوم بدر (مجمّع الزوائد: 6/89) وقال يومها: "لا يفلتنّ أحد إلاّ بفداء أو ضربة عنق" (الترمذي: 5/271).

* الاسترقاق: وقد فعله الخلفاء الراشدون على قاعدة المعاملة بالمثل لشيوع نظام الرقّ في ذلك العصر، وفعله قبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول ابن القيّم في (زاد المعاد: 5/65): "ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الأسرى أنّه قتل بعضهم، ومنَّ على بعض، وفادى بعضهم بمال، وبعضهم بأسرى من المسلمين، واسترقّ بعضهم. ولكن المعروف أنّه لم يسترقّ رجلاً بالغاً".

6- ولا يجوز القتل الجماعي للأسرى أو الرهائن: لأنّ الآية الكريمة "فإمّا مَنًّا بعدُ وإمّا فداء" (محمد: 4) حدّدت الحكم الأساسي بحقّ الأسرى، ومنهم المختطفون والرهائن. أمّا الاسترقاق فقد كان حكماً استثنائياً مرتبطاً بنظام الرقّ، ولمّا ألغى العالم هذا النظام لم يعد له أي مبرّر. وكذلك القتل كان أيضاً حكماً استثنائياً، يتناول بعض الأسرى الذين كانوا يستحقّون عقوبة القتل لأسباب أخرى غير الأسر، لكن تنفيذ هذه العقوبة بحقّهم أصبح ممكناً بعد الأسر، وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع بعض الأسرى، ولم يفعله مع الآخرين.

ولذلك يرى الكثير من العلماء أنّ الإمام مخيّر فقط بين المنِّ والفداء. وقد نقل هذا الرأي ابن كثير في تفسيره (4/173)، كما ورد كراهة قتل الأسير عن الحسن وحماد بن أبي سليمان في كتاب السير الكبير (3 / 1024). وذكر الجصاص في تفسيره (5/269) كراهة قتل الأسير عن الحسن وعطاء ومجاهد وابن سيرين. وروي عن ابن عمر أنّه رفض قتل أسير دفعه إليه عبد الله بن عامر، وقال: "أما والله مصروراً فلا أقتله" ابن الأثير (3 / 22)، ومصروراً يعني مشدوداً بعد الأسر. كما ذكر الجصّاص عن ابن عمر أنّه دُفع إليه عظيم من عظماء "اصطخر" ليقتله، فأبى وتلا قوله تعالى: "فإمّا منًّا بعدُ وإمّا فداء" (أحكام القرآن: 5/269). (اصطخر منطقة في بلاد فارس). وقد ذكر الألوسي في روح المعاني أنّ "ظاهر الآية ... امتناع القتل بعد الأسر" (26 / 40).

ولذلك ورد في "بداية المجتهد" لابن رشد "وقال قوم: لا يجوز قتل الأسير، وحكى الحسن بن محمّد التميمي أنّه إجماع الصحابة". بينما نقل الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه "الفقه الإسلامي وأدلّته" (6/470) اتّفاق العلماء على أنّ قتل الأسير بعد الأسر لا يجوز للنساء والذراري.

وأقول: إنّه فعلاً هناك إجماع من الصحابة واتفاق بين جماهير العلماء أنّ الحكم الأصلي للأسير هو المنّ أو الفداء؛ لأنّ صراحة النصّ القرآني تدلّ عليه. لكن هذا الأمر لا يمنع قتل الأسير إذا وُجد لذلك سبب آخر مشروع غير الأسر، وعلى هذا يُحمل كلّ ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو خلفاؤه الراشدون.

خلاصة قولنا ورأينا في هذه المسألة:

وبناء على ذلك نقول: إنّ الإقدام على قتل جماعي للأسرى أو الرهائن أو المختطفين، دون تمييز بين من يستحقّ القتل ومن لا يستحقّه، كما يحدث عند تفجير طائرة بركابها، أو عند تفجير مسرح موسكو بالموجودين فيه، وهو ما لم يحصل والحمد لله، أو مثل ذلك.. يعتبر أمراً غير مشروع في رأي أيّ من الفقهاء أو المذاهب.. فالجمهور يرى أصلاً عدم جواز قتل الأسير، ومن أجاز قتله أناط ذلك بولي الأمر وليس بالخاطف، حتّى يتمّ التأكّد من وجود السبب المبيح للقتل. وحتى لا يتورّط المسلمون في قتل بعض الأبرياء ممّن لا يجوز قتلهم حتّى أثناء المعركة

اقرأ أيضاً:

___________

* نشرت هذه المقالة للمرة الأولي فى 04/11/2002 

** عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

   

Untitled Document

تم تطوير الموقع بواسطة ميديا إنترناشيونال