 |
|
المستشار
طارق البشري |
أكد المستشار
طارق البشري أن المتتبع للتاريخ المصري سيدرك أن ما يثار
الآن من مطالبة بعض الأقباط بعدم النص على وجود الشريعة
الإسلامية كمرجعية للدستور المصري له أغراض أخرى.. موضحًا
أن تلك المسألة في كل الفترات التاريخية السابقة لم تكن
محل خلاف على الإطلاق.
وأشار البشري
إلى أن تحكيم الشريعة الإسلامية هو الضمانة الوحيدة
للمساواة الكاملة في حقوق المواطنة بين المسلمين
والمسيحيين.
جاء ذلك في
مؤتمر "الشريعة والهوية والدستور" الذي نظمته جمعية
الثقافة والحوار المصرية بنقابة الصحفيين المصريين صباح
الأحد 13 - 5 - 2007.
مرجعية الأصول
وأوضح البشري
أن القرن التاسع عشر يعد البداية الحقيقية لمصر المعاصرة؛
لذا أعلن أنه سيبدأ تأريخه لوضعية الشريعة الإسلامية في
القانون المصري من هذه الفترة.. مشيرا إلى أن التشريع
الإسلامي كان هو السائد فيها، وأنه لم تكن هناك مرجعية
أخرى يرجع إليها من يفتي أو من يقضي أو يحكم بين الناس،
غير مرجعية الإسلام.
وألمح البشري
إلى أنه حين يتحدث عن الإسلام كمرجعية فإنه يقصد ثلاثة
أمور وهي:
أولا: الأصول
الفكرية التي يستمد منها النظام شرعيته السياسية.
ثانيا: الأصول
الفكرية التي يستمد منها النظام معاملاته الاقتصادية
والتجارية والاجتماعية وغيرها.
ثالثا: الأصول
الفكرية التي يستمد منها النظام قيمه وسلوكه ومبادئه.
ويتابع قائلا:
"وهناك شبه اتفاق على أن الوضع الفكري في تلك الفترة كان
جامدًا.. نحن لا ننكر ذلك.. وقد قال الشيخ شلتوت كلامًا
كثيرًا عن هذا الجمود، لكن السؤال هو: ما سر هذا الجمود؟"
ويجيب: "أنا لا أتصور أن الفكر يجمد وقت التطبيق، إنما
الواقع هو الذي يجمد"؛ ومن هنا كما يوضح البشري ظهرت حركات
تجديدية كثيرة في هذا التوقيت.
ويستشهد
البشري -في ثنايا حديثه- على تغلغل الثقافة الإسلامية في
العقلية القبطية قبل هذا التاريخ -وتحديدا في القرن الثالث
عشر الميلادي- بكتاب لمؤلف قبطي اسمه "صفي الدين أبو
الفضائل بن العسال" وهو كتاب "القوانين" يتحدث عن بعض
الأحكام المتعلقة بالكنيسة في العبادات والمعاملات وغيرها..
حيث استعمل المؤلف -حسب البشري- مصطلحات إسلامية صرفة
كالإجماع، والندب، والفرض، والسنن، وغير ذلك.
ثم يتعرض
البشري لواقعة أخرى مستدلا بها على ما وصلت إليه المرجعية
الإسلامية في الشعور القبطي، حيث يشير إلى أن نابليون أراد
عند مجيئه مصر أن يستقطب أقباطها من خلال بعض التشريعات
الخاصة، كالميراث مثلا.. فكان الرد القبطي بالرفض قائلين:
"المسلمون يقسمون لنا"، وقد نقل ذلك الجبرتي، ونقله عنه
أيضا لويس عوض..
وانتقل البشري
للحديث عن التغييرات التي أحدثها "محمد علي" في كل النواحي،
موضحا أن "تلك التغييرات كان يلزمها أحكام، وقوانين
وتشريعات، وبالرغم مما يقال عن بعض الأجانب الذين استعان
بهم محمد علي، فإنني أزعم أنها لم تخرج عن المرجعية
الشرعية الإسلامية".
ودلل البشري
على ذلك بأن (هناك قانون عند محمد علي اسمه "سياسة ناما"
وهو قانون يحدد فيه الأحكام المتعلقة بتنظيم المصالح
والإدارات المختلفة في الدولة، وهو قانون أخذه من مصطلح
السياسة الشرعية المتداول في الفكر الإسلامي، وهو أوامر
ولي الأمر ونواهيه فيما فيه مصلحة العباد مما ليس فيها فرض
ولا نهي من الشارع).
ويتابع: وهناك
اعتبار آخر يدلل على أن محمد علي لم تخرج قوانينه عن
المرجعية الإسلامية، وهو أنه لا يوجد فيها ما يخالف
الأحكام الشرعية، كذلك فإنه حينما يوجب العقوبات التعزيرية
لا يصل بها إلى أي حد من الحدود... كذلك في تشكيله للهيئات
كان يحاول أن يكون هناك علماء شريعة في تلك المجالس.
ثم يؤكد
البشري أن المجتمع المصري ظل على هذه المرجعية لم يشهد
خروجًا عليها حتى أوائل الستينيات من القرن التاسع عشر..
حين ظهرت القوانين الفرنسية التي أصبحت تمثل مرجعيات في
بعض النواحي التجارية وغيرها.
موقف الأقباط
ويعود البشري
مرة أخرى ليدلل على موقف الأقباط من هذه المرجعية فيؤكد أن
هناك حكما لمحكمة استئناف القاهرة الأهلية عام 1890 والذي
يتعلق بـ "هل يطبق على الأقباط قواعد الميراث في الشريعة
الإسلامية أو لا تطبق؟"، وقد كانت المادة 54 من القانون
المدني الجديد المأخوذ من فرنسا تقول: "يكون الحكم في
المواريث على حسب المقرر في الأحوال الشخصية المختصة
بالملة التابع لها المتوفى"؛ وبالتالي يفهم أن الأقباط من
ملة غير الملة الإسلامية فلا تطبق عليهم الأحكام الخاصة
بها وإنما تطبق عليهم أحكامهم الخاصة.
ويتابع
البشري: "وقد كانت المحكمة مشكلة من سعادة بسيوني بيه
تادرس، ومسيو أندريس وحنا بك نصر الله ومحمد بيه زكي،
بمعنى أن ثلاثة من المحكمة مسيحيون".
ومع ذلك يؤكد
البشري أن المحكمة قررت أن: ملة المتوفى هي الملة المصرية،
وأن المرجعية المصرية في المواريث هو ما قررته الشريعة
الإسلامية.
ويعلق البشري
قائلا: "من يعترض من الأقباط على الشريعة الإسلامية فسنقول
له: هذا ليس موقف آبائك".
ثم يقفز
البشري لعام 1911 حينما عقد المؤتمر المصري ردًّا على
المؤتمر القبطي الذي عقد في أسيوط، وقد كان فيه أحمد لطفي
السيد، عبد العزيز فهمي، الهلباوي.. وغيرهم ممن يعدون أساس
نشأة العلمانية المصرية.. ومع ذلك قرروا أنه لا يجوز
الالتجاء إلى الجانب المسيحي الغربي من أجل إحراز مكاسب
سياسية، وأن العنصر المصري عنصر واحد لا يتجزأ، وأن
مرجعيته هي الإسلام.
وعن لجنة
دستور 23 يتحدث البشري حيث يؤكد أنها تكونت فيما تكونت من
خمسة أقباط، ويهودي، وثلاثة من المسلمين، ومع ذلك فقد
وافقت بالإجماع على أن دين الدولة هو الإسلام، وهو ما يعني
حسب البشري أن مرجعيتها في النظم السياسية والتشريعات
والمعاملات والقيم الأخلاقية هي الإسلام.
وأشار البشري
إلى أن كل الدساتير التي صدرت بعد ذلك تنص على أن دين
الدولة هو الإسلام ولم يكن ذلك محل خلاف بالمرة.. وما
سمعنا ذلك إلا في هذه الفترة.
وعن وجود
العرف كمصدر للقوانين في بعض الحالات أكد البشري على أنه
لا يوجد في مصر قانون قد استند إلى عرف يخالف المرجعية
الإسلامية، قائلا: "من وجد فليعلمنا به".
يذكر أن
المؤتمر ضم ثلاث جلسات، كانت الجلسة الأولى بعنوان
"الشريعة في مصر" ضمت المستشار طارق البشري، وأ.د سيف عبد
الفتاح، ورأس الجلسة د. صلاح عبد الكريم.. والثانية بعنوان
الشريعة والهوية وضمت د. إبراهيم البيومي غانم، والشيخ
محمود عاشور ورأسها الكاتب الصحفي فهمي هويدي.
أما الجلسة
الثالثة فتضم د. محمد مرغني خيري، والمستشار محمود الخضيري
ويرأس الجلسة د. سليم العوا.
|