ÇÊÍÇÏÚáãÇÁ ÇáãÓáãíä
 
Untitled-1

بابا روما المحبَط.. تؤرِِِِقه ذكرى سقوط القسطنطينية

24-9-2006

صلاح عبد الكريم*- موقع الاتحاد

تصريحات البابا تعبر عن ترسبات تاريخية عميقة

من الغريب أن يستشهد بابا الفاتيكان الكاثوليكي بنديكت السادس عشر بقول إمبراطور أرثوذوكسي قاست بلاده الأمرين على أيدي القوى الكاثوليكية الأوروبية بما فيهم البابا الكاثوليكي. لابد أن تاريخ ذلك الإمبراطور المحبط آثار شجون البابا. 

ولد الإمبراطور مانيويل الثاني الذي استشهد به البابا عام 1350 ومات عام  1425، وعاش طوال عمره في خوف من سقوط القسطنطينية وما تبقى من الإمبراطورية البيزنطية في أيدي العثمانيين أو في أيدي القوى الأوروبية الكاثوليكية الأخرى التي كانت تناوش الإمبراطورية الآفلة من كل جانب.

فلقد كانت الإمبراطورية البيزنطية في مرحلة اضمحلالها مرتعا للجميع. وكانت الحملات الصليبية الكاثوليكية لتحرير بيت المقدس تنهب في طريقها كل المدن البيزنطية وأهلها المسيحيون، بل إن قلة عدد المتطوعين في الحملة الصليبية الرابعة عام 1203 التي كانت تستهدف فتح مصر جعلتهم يصرفون النظر عن الهدف الأصلي بعد ما تورطوا في استئجار سفن الحملة من تجار فينيسيا بتكلفة باهظة واضطر القائمون على الحملة تحت ضغط أصحاب السفن إلى الإبحار إلى بيزنطة ناهبين في طريقهم كل ما صادفوه من مدن حتى دخلوا القسطنطينية بخدعة ماكرة ونهبوها تماما وأحرقوا مبانيها العريقة لجمع ما يكفي لسداد تكلفة الحملة الفاشلة وأضعفوا بذلك وإلى الأبد ما تبقى من قوة الإمبراطورية البيزنطية الآفلة.  

ومن ناحية أخرى شهد القرن الرابع عشر حروبا مستمرة مع الدولة العثمانية تم فيها إنهاء الوجود البيزنطي في آسيا الصغرى تماما. ولم تتوقف الهجمات العثمانية على ما تبقى من الإمبراطورية البيزنطية في أوروبا، ولم تتوقف أيضا محاولات والده (الإمبراطور جون الخامس 1341-1391) لطلب المعونة من دول أوروبا الكاثوليكية  دون جدوى. وكانت هناك أيضا صراعات داخل الأسرة الملكية على عرش الإمبراطورية البيزنطية الآفلة. وكان كل المتصارعين يلجئون لطلب المساعدة من سلاطين الدولة العثمانية حتى إن مانيويل الثاني نفسه صاحب المقولة التي استشهد بها البابا أقام في بلاط السلطان بايزيد كرهينة مكرمة في مقابل المساعدة في عودة والده على العرش بعد ما انقلب عليه جون السابع (ابن أخيه أندرينكوس الرابع). وقام مانيول الثاني أثناء تواجده في بلاط السلطان بايزيد بمساعدة السلطان في القضاء على الجيوب البيزنطية الأخيرة في آسيا الصغرى! 

كان الإمبراطور مانيويل الثاني ممزقا بين ضعفه بالمقارنة بالدولة العثمانية الفتية وضعفه في مقابل القوى الأوروبية الأخرى المعادية للكنيسة البيزنطية الأرثوذكسية. واضطرته البرجماتية السياسية لمحاولة الاتحاد مع القوى الأوروبية الكاثوليكية الأخرى لتقوية ملكه ضد الجميع، بل وحاول إنشاء مجمع للكنائس بهدف تقوية الجبهة المسيحية وذلك رغم الخلافات الجوهرية في الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية دون جدوى. إن فينيسيا في ظل قناعتها بأن الإمبراطورية البيزنطية منتهية لا محالة عقدت اتفاقا مع الدولة العثمانية تقايض فيها امتناعها عن مساعدة الإمبراطور البيزنطي في مقابل سيطرتها على بحر إيجة.

وهكذا عاش الإمبراطور مانويل الثاني (رغم ميوله الأدبية التي تنبئ عن رقة نفسه) طوال حياته وهو محاصر بالأعداء تماما من كل جانب بل وفي داخل الأسرة الإمبراطورية نفسها، وشهد تآكل الإمبراطورية البيزنطية من كل ناحية تحت تأثير كل هؤلاء الأعداء. وبسقوط القسطنطينية سقطت تماما آخر بقايا الإمبراطورية الرومانية القديمة. لقد عانى ذلك الإمبراطور المحبط من تآكل الملك ومن الهزائم ومن تناقص الأتباع ومن دفع الجزية ومن الفشل في حشد الحلفاء والمساعدات من أوروبا بل ومن العيش كرهينة في يد أعدائه.

إن استشهاد بابا الفاتيكان بهذا الإمبراطور البيزنطي القديم يكشف من حيث لا يقصد عن نفس متوترة لعلها تعانى من نفس الإحباط الذي كان يعانيه الإمبراطور القديم ولكن بصورة مختلفة.

تركة مثقلة

إن الأحوال التي يعيشها الغرب بصفة عامة تجعل من الصعب على بابا الفاتيكان وخصوصا إذا كان ألماني الأصل أن يشعر بارتياح. فالطبيعة البشرية بصفة عامة تميل إلى الحسم وربما العنف في أثناء البناء وتتصف بالطمأنينة والسماحة عند الشعور بالقوة واستتباب الأمر، بينما تعانى من التوتر وضيق الصدر عندما تشعر بالأزمة. 

لقد حافظت الكاثوليكية بإبقائها على المرجعية الخلقية الثابتة المستقاة من الدين على التواضع الذي تميزت به المسيحية على مر القرون فكانت أكثر المذاهب المسيحية انتشارا بين الفقراء وفى جنوب الكرة الأرضية، طبعا مع بعض التدخلات بالسيوف وغيرها لإقناع المترددين وذلك ليتحقق خلاصهم علي الأقل من ضغوط الكنيسة. وكانت كل الفظائع التي ارتكبتها الكنيسة الكاثوليكية على مر العصور الوسطى تستهدف نشر العقيدة. في حين أن البروتستانتية مثلا كانت أكثر طائفة مسيحية تأثرا بفكر النهضة التي جعلت من الإنسان مرجعا لنفسه،  بحيث أصبحت المراجع بعدد المؤمنين، فوقع أتباعها فريسة لأفكار المادية والعنصرية التي راجت في الفكر المادي الحداثي في الغرب. ولهذا ففي حين اهتم الكاثوليك بنشر العقيدة (ولو بأساليب تستحق من البابا موقفا معترفا بخطئها، منها مثلا محاكم التفتيش التي استأصلت شأفة المسلمين تماما من الأندلس القديمة)، فإن البروتستانت اهتموا بنشر أنفسهم كعنصر متميز عن بقية البشر. 

ولهذا فقد تسلم البابا الكاثوليكي الحالي تركة مثقلة.  فالعالم الغربي الذي نشأ في ظل الإيديولوجية التنويرية الفردية أصبح يعانى من مشاكل سياسية واجتماعية وسكانية حادة جعلت التوتر وضيق الصدر أقرب إلى نفسه من الطمأنينة والسماحة. 

شعب متناقص

لقد أدت تلك الأيديولوجية المادية إلى إضعاف العاطفة الدينية في الغرب بصفة عامة كما أدت إلى الفردية وإضعاف مؤسسة الأسرة وعدم الرغبة في الزواج وعدم الرغبة في إنجاب الأطفال بل وقتلهم بالإجهاض إذا حدث حمل وذلك لأسباب يطول شرحها، إلا أن الثابت من الإحصائيات أن الغرب بصفة عامة وكل من سار على دروبه يعانى حقيقة من خطر الانقراض. لقد انخفضت معدلات المواليد في أوروبا وأمريكا بين البيض خصوصا، وهم أشد المتأثرين بأيديولوجية التنوير والحداثة، وأصبحت تتراوح بين 1.4 طفل إلى 1.1 طفل لكل زوجين وهى نسبة أقل بكثير من المعدل المطلوب لثبات عدد السكان وهو 2.1 طفل لكل زوجين وذلك طبعا بشرط أن يتزوج الجميع وأن يتزوجون من الجنس الآخر عندما يتزوجون وهى أمور قد لا تحدث في أوروبا وأمريكا. فهم يفضلون العلاقة الجنسية الحرة على قيود الزواج الكنسية ومسئولياته (وبعضهم يفضل زواج المثل) وقد لا ينجبون ويكتفون عادة بطفل واحد أو طفلين لأسباب كثيرة تضرب بجذورها في أيديولوجية التنوير والحداثة ومقومات النهضة الصناعية والمجتمع الاستهلاكي بما لا يسمح المجال هناك للإسهاب فيها ولكنه يجعل حل المشكلة الديموغرافية الغربية شبه مستحيل في المستقبل المنظور. 

إن الاتحاد الأوروبي الآن يحتاج إلى 750 مليون مهاجر في سن العمل حتى عام 2050 لتعويض النقص المتزايد في المواليد والاحتفاظ بعجلة الاقتصاد دائرة . والمصدر الأساسي لسد هذا الاحتياج البشرى هو العالم الإسلامي الذي يتمتع بمعدلات مواليد عالية تزيد في كثير من الأحيان عن 5 أطفال لكل زوجين، حتى أن نسبة السكان تحت 20 عاما في كثير من الدول الإسلامية تزيد عن 50%. وأوروبا اليوم بها حوالي 25 مليون مسلم يعيش حوالي 75% منهم في الاتحاد الأوروبي وهم يمثلون الآن نسبة صغيرة من السكان (أقل من 5%) لكن معظم خبراء الديموغرافيا يتنبئون بزيادتهم إلى 10% مع حلول عام 2020 ( جلهم من الشباب، بينما تتزايد نسبة كبار السن والعجزة والمقعدين بين غيرهم من الأوربيين ) لأن مسلمي أوروبا لديهم في المتوسط ثلاثة أضعاف عدد الأطفال الذين لدى الأوروبيين وثلث المسلمين في أوروبا سنهم أقل من 15 عاما في حين أن نسبتهم العامة في أوروبا هي 20% وهذا الأمر هو الذي يجعل الخبراء (الذين لا أستبعد قيامهم ببعض عمليات التجميل للإحصائيات الفعلية قبل نشرها وذلك بعد عرضها طبعا علي صناع القرار من كل نوع) يتوقعون زيادة أعداد المسلمين في أوروبا. أليس من المثير أن 57% من المواليد في عام 2003 في بروكسل مقر الاتحاد الأوربي كانوا من المغاربة! (وهذه المشكلة الديموغرافية مشكلة عالمية. فقد تضاعف عدد المسلمين في العالم 235% في الخمسين عاما الماضية بينما لم يزد عدد المسيحيين إلا بمقدار 47% في نفس الفترة.) ومع تقدم الأيام وظهور الأجيال التالية من أبناء المسلمين الذين لا يعرفون أوطانا لهم أخرى سوى أوروبا، تزداد كل يوم في أوروبا مظاهر الإسلام المختلفة من رجال ذوى لحى ونساء محجبات ودور عبادة تقام في كل مكان بل وفى أبنية الكنائس المهجورة.  ويعلو صوت المسلمين بمطالب لم تعتدها أوروبا من اعتراف رسمي بالإسلام كدين وتعليمه في المدارس والحديث عنه باحترام وعدم الافتراء عليه وتعديل ظروف وأوقات العمل بالنسبة للمسلمين بما لا يتعارض مع فرائض الإسلام إلى الحرص على أكل الحلال من الطعام. إن ازدياد المظاهر الإسلامية في أوروبا وازدياد عدد المساجد في ألمانيا موطن البابا الجديد إلي 2500 مسجد وتضاعف عدد المسلمين في أوروبا بمقدار 300% في الثلاثين عاما الماضية جعلتهم أكثر ظهورا وأكثر إثارة للمشاعر الأوروبية المحافظة. إن رؤية تلك الأعداد المتزايدة من البشر الذي يأكلون ويتصرفون ويتكلمون بطريقة مختلفة وملامحهم ليست هي الملامح التي يعجب بها إنسان الحداثة الغربي تجعل من الصعب على الغربي ( وخصوصا الألماني التقليدي المحافظ ) أن يشعر بالارتياح. 

إن فرانسيس فيوكوياما وصموئيل هنتنجتون قالا أن النخب الأوروبية لا يصح أن تشعر بالعار عندما تدافع عن تقاليدها الثقافية مثل الهيومانية المادية والمسيحية في مواجهه الوجود الإسلامي المتزايد في أوروبا. لابد أن مثل تلك الأفكار والأقوال في ظل الواقع الأليم تلح على العقلية الأوروبية التقليدية المثقفة ومنها عقلية البابا الألماني الكاثوليكي الجديد وتضغط عليه.  أ    

إن محاولات تركيا المستميتة للانضمام للاتحاد الأوروبي الذي أنشأته الأحزاب الديمقراطية المسيحية الأوروبية كناد مسيحي تثير حفيظة النخبة المحافظة التي لا تحب أن يكون أكبر عضو في الاتحاد الأوروبي من حيث عدد السكان دولة مسلمة! إن الأتراك يصرون مرة ثانية على محاصرة أباطرة أوروبا. فمجرد ذكر تركيا ذات الشعب الفتى كثيف العدد (70 مليون) ومعدل المواليد المرتفع يثير شجون أي أوروبي تقليدي محافظ مثل البابا الكاثوليكي الذي يقضى وقته في قراءة تاريخ سقوط الدولة البيزنطية وأوراق إمبراطورها المحبط وتجعله يستشهد بمقولات ذلك الإمبراطور الأرثوذكسي القديم الذي حاصره الأتراك بأسلوب آخر. لقد عاد الأتراك (وإخوانهم في الدين) لفعلها مرة أخرى اليوم ولكن بوسائل ديموغرافية لا بوسائل عسكرية. و في الماضي كان ذلك الإمبراطور المحبط تؤخذ منه الدنيا رغما عنه وهو يقاوم بشراسة. لكن أوروبا المسيحية اليوم تجد نفسها في موقف شائك بصورة أشد إيلاما. فهي تحتاج إلى هؤلاء الأغراب المكروهين.  وعادة لا يحتاج الأعداء لبعضهم، وهو وضع مريح يمكن الإنسان من أن يعادى عدوه بكل قلبه وبكل قواه. لكن الذي يثير المرارة والارتباك هنا هو ذلك الشعور المحبط بأنك مضطرُ لان تفتح لهم أبواب حصونك بيدك.

وكما كان الإمبراطور البيزنطي القديم يشعر بأن المتاعب تأتيه من داخل بيته وممن كان من المفروض أن يكونوا حلفاءه الطبيعيين، فإن بابا روما الحالي يشعر بنفس المشكلات تقريبا ولكن من ناحية العقيدة والأفكار وأتباع الكنيسة. لا شك بأن البابا يشعر بالغربة العقيدية في وطنه الأم ألمانيا مهد البروتستانتينية التي كادت تعصف بالكاثوليكية وكنيستها. لابد أن هذا الأمر ساهم في العصف بالسلام الداخلي الذي يشعر الإنسان به حال نشأته على دين الأغلبية، وساهم في إذكاء الشعور بالحصار في نفسه. كما أن ألمانيا أيضا كانت ولا تزال من معاقل الفكر المادي التنويري الحداثى المعادى للمؤسسة الكنسية وللدين بصفة عامة. إن أوروبا الغربية وبصرف النظر عن الإحصائيات التي تبين أعداد أصحاب كل دين، تعانى من نسب متزايدة من المبتعدين عن الدين والتدين بصفة عامة، حتى أن كل الإحصائيات تشير إلى أن نسبة أتباع أي كنيسة (وكل من المواظبين على حضور مواعظها ولو بصورة متقطعة) تتراوح من 20% إلى 30% على أقصى تقدير، وهؤلاء فقط هم الذين يتوزع ولائهم على الكنائس المختلفة.  أما الباقين فهم أما لا دينيون أو يتبعون أديانا أخرى وعلى رأسها الإسلام. إن أوروبا التي كان من المفروض أن تكون العمق الطبيعي للمسيحية الغربية هي مصدر أشد الضربات التي توجه إلى الدين والتدين المسيحي. ما أشبه الليلة بالبارحة! لقد وحَد القلق من أوربا و من الإسلام بين الإمبراطور الأرثوذكسي القديم وبين البابا الكاثوليكي الحديث.  

آخر الفرسان

إن الكنيسة الكاثوليكية تقف وحدها تقريبا في الغرب المسيحي مدافعة عن المرجعية الخلقية الإلهية وعن مؤسسة الأسرة والزواج رافضة الإجهاض وكل ما يعارض المعتقدات المسيحية ذات المرجعية الدينية الثابتة. إن ظاهرة الشواذ والمثليين والتحرش بالأطفال ظواهر مجتمعية في الغرب تضرب بجذورها في الأسس الأيديولوجية لحضارة التنوير والحداثة الغربية منذ أن وضعت في عصور النهضة وما نتج عن ذلك من انهيار للمرجعيات، وهى أمور لا تمثل فضائح بالنسبة للطوائف الأخرى التي تمثلت مبادئ تلك الإيديولوجية بالكامل. ولكنها تمثل فضائح بالنسبة للطائفة المسيحية الغربية الكبرى التي لا تزال تتمسك بالمرجعيات الدينية الثابتة وبالأخلاق التي وضعها الله لعباده تسلط عليها أضواء وسائل الإعلام في عصر ما بعد الحداثة الذي تخلص من المرجعيات.إن ما يقال عن الفضائح الخلقية لكهنة الكنيسة الكاثوليكية والتي يسلط عليها أشد الأضواء في أمريكا ذات الأغلبية البروتستانتينية التي لا ترى في هذه الأمور فضائح بالنسبة لها هو في الحقيقة شهادة إيجابية للكنيسة الكاثوليكية وهو أيضا إشارة إلى المتساقطين من رجالها تحت مطارق اللامرجعية التنويرية لعصر ما بعد الحداثة. أنظروا إلى الطوائف الأخرى ستجد فيها نفس تلك الظواهر، لكن أصحابها يتحركون بحرية في السلم الهرمي لكنيستهم حيث لا أحد هناك يستطيع أن يشير إليهم بأصبع الاتهام إلا بناءا على رأيه الشخصي الذي لا يأبه به أحد وذلك بعد الاستغناء عن المرجعية الإلهية الثابتة. 

واقـــع محــبط

ترى كم تركت تلك الإيديولوجية المادية الفكرية (التي يمكن اعتبارها طبيعة لصيقة بالشخصية الغربية) من الآثار على المؤسسات الكنسية ومنها الكنيسة الكاثوليكية. إن هناك مؤشرات تاريخية تشير إلى أن خروقات كثيرة حدثت وكان من مظاهرها وفاة البابا جون بول الأول في 28 سبتمبر 1978 فجأة بدون مرض أو مقدمات بعد 32 يوم فقط من اعتلائه كرسي البابوية في حادث مفاجئ ثم التكتم عليه بشده عندما ظهر أنه يحاول إجراء بعض الإصلاحات الإدارية والمالية الجذرية في مؤسسة الفاتيكان وخصوصا بنك الفاتيكان. 

إن الكنيسة الكاثوليكية اليوم في وضع يصيب بالإحباط فهي ليست في أوج قوتها وسلطانها على مؤسساتها وعلى المؤمنين. كما أن الأيديولوجية المادية ومؤسساتها التعليمية الإعلامية النافذة في المجتمعات الغربية تأكل من أتباعها في الغرب باستمرار بتحويلهم إلى لا دينيين ,  بالإضافة إلى أن المجتمعات الغربية المتناقصة العدد تحتاج إلى الأيدي العاملة الفتية واهم مصادرها هو العالم الإسلامي (ذلك العدو القديم)  وذلك لكي تحتفظ بعجلات حضارتها دائرة. 

وفى ظل ثورة المعلومات والاتصالات ورغم أن سيوف اليوم وسهامه (وهى الصواريخ عابرة القارات والقنابل النووية) مشرعة في وجه العالم الإسلامي لنشر عقيدة الليبرالية وديمقراطية واقتصاد السوق، فإن الإسلام يشق طريقه في العقل الجمعي ليس للغربيين الإفراد وحدهم، ولكن حتى في المراجع الدينية والمؤسسات المختلفة بما فيها المؤسسات الكنسية التي لم تعد تستطيع (كما فعلت من قبل) إن تدعى في عصر ثورة المعلومات على العقيدة الإسلامية ما ليس فيها بدون أن ينكشف هذا الإدعاء. إن تاريخ الإدعاء على الإسلام بما ليس فيه ارتبط دائما في العقل الجمعي المسيحي الغربي بالشعور بالحصار والانكشاف في مواجهة المسلمين. فقد أطلقوا علي المسلمين اسم المحمديين وادعوا عليهم ما ليس في معتقداتهم. ولا تزال الكتب الكنسية القديمة غاصة بكل عجيب من الافتراءات. إن البابا على الأقل لم يقل أن المسلمين يعبدون محمدا كما ادعى أسلافه في القرون الوسطى، ولكنه وجه سهام النقد إلى الطريقة التي تم بها في نظره نشر الإسلام على أنها لا ترضى الرب وهذه نقطة تحسب له. خلاف الكنيسة الكاثوليكية مع الإسلام إذا يمكن أن يوصف بأنه خلاف في (الفروع) وليس في الأصل الأكبر وهو عبادة الله الواحد خالق الكون والإنسان. 

إن الإسلام والكاثوليكية والأرثوذكسية وكل المؤمنين بالله وكل المؤمنين بالمرجعيات الخلقية في خندق واحد في حقيقة الأمر ضد اللادينيين والمادية واللاأخلاقية. وهذا البابا الألماني التقليدي المحافظ يشعر أنه محاصر داخل أسوار الفاتيكان، بينما تناوشه المؤسسة المادية الغربية المتنفذة من كل جانب وتأكل من اختصاصاته القليلة الباقية وتلتهم أتباعه المتناقصين. والإسلام الفتى الناهض الذي تدق أفكاره وعقيدته أبواب الحصون المادية الأوروبية ويزداد ظهور أتباعه فيما كان في الماضي يعتبر من حمى الكنيسة الكاثوليكية يسبب له مزيدا من التوتر. 

وهذه العوامل كلها تجعل البابا يشعر بأنه محاط به وتجعله لا شك يقلب في أوراق التاريخ ينظر في أحوال من كان في مثل موقفه لعله يلتمس منهم السلوى.

_________________

* أحد أعضاء الاتحاد .

Untitled Document

تم تطوير الموقع بواسطة ميديا إنترناشيونال